أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر الدولة العميقة















المزيد.....

23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر الدولة العميقة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 22:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن الحديث عن مستقبل الثورات العربية دون مواجهة السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء كتلة تاريخية بديلة قادرة على كسر احتكار الدولة العميقة للسلطة والثروة؟ هذا السؤال يتجاوز نقد الإخفاقات السابقة، ويحاول استخلاص الدروس العملية التي يمكن أن توجه النضال في المرحلة المقبلة. فالانتفاضات العربية أثبتت أن إسقاط الرؤوس السياسية ممكن، لكنها أثبتت أيضاً أن هذا الإسقاط لا يكفي ما لم يترافق بتفكيك البنية العميقة للدولة والتحالف الطبقي الذي يقوم عليها. بناء كتلة تاريخية بديلة يعني بناء تحالف طبقي واجتماعي وسياسي قادر على تقديم مشروع شامل يتجاوز الرفض إلى البناء، ويجمع بين قوى اجتماعية متنوعة حول برنامج واضح، ويبني تنظيمات قادرة على إدارة الصراع الطويل وملء الفراغ الذي يخلفه انهيار الأنظمة.

الانتفاضات العربية كشفت عن طبيعة الدولة العميقة في المنطقة: تحالف معقد بين المؤسسة العسكرية-الأمنية، والبرجوازية الريعية المرتبطة برأس المال العالمي، والبيروقراطية الحكومية التي تدير شبكات الفساد والمحسوبية، والإعلام الرسمي الذي ينتج الوعي الزائف، والقضاء الذي يشرعن القمع. هذا التحالف لا يمكن كسره بمجرد تغيير الرؤوس أو تعديل الدساتير. إنه يتطلب تفكيكاً جذرياً لهياكله الاقتصادية والقمعية والأيديولوجية، وبناء بديل يعبر عن مصالح الطبقات المسحوقة. هذا التفكيك لا يمكن أن يتم من أعلى، عبر نخب جديدة تتسلم مواقع السلطة القائمة، بل يجب أن يتم من أسفل، عبر تنظيمات شعبية تبني سلطة بديلة بالتوازي مع نضالها لتحطيم السلطة القديمة.

بناء كتلة تاريخية بديلة يتطلب استيفاء ثلاثة شروط رئيسية: الوعي الطبقي الواضح، والتنظيم المرن القادر على استيعاب تنوع النضالات، والبرنامج السياسي-الاقتصادي الملموس الذي يحدد البديل. هذه الشروط الثلاثة تشكل معاً ركائز أي مشروع ثوري جاد في سياق المجتمعات العربية الراهنة.

الشرط الأول هو الوعي الطبقي الواضح. الانتفاضات العربية أثبتت أن الجماهير تمتلك وعياً متقدماً بطبيعة النظام الذي تعيش فيه، وأنها قادرة على التمييز بين العدو الحقيقي والصراعات الفرعية. لكن هذا الوعي ظل في كثير من الأحيان وعياً حدسياً، لم يتحول إلى وعي نظري واضح يربط بين المطالب اليومية والصراع الطبقي الشامل. بناء الوعي الطبقي يتطلب جهداً تعليمياً وتثقيفياً منظماً، يعيد قراءة الواقع من منظور مادي، ويكشف عن الطبيعة الطبقية للدولة والاقتصاد والمجتمع، ويربط بين تجارب الناس اليومية وتحليل بنيوي أوسع. هذا الجهد لا يمكن أن يترك للصدفة أو للعفوية، بل يحتاج إلى مؤسسات تعليمية بديلة، ومنصات إعلامية مستقلة، ونقاشات جماعية في مواقع العمل والأحياء. كما يحتاج إلى تطوير لغة نظرية واضحة تخاطب الجماهير بلغتها، وتترجم المفاهيم المجردة إلى واقع ملموس.

الشرط الثاني هو التنظيم المرن والقادر على استيعاب تنوع النضالات. لا يمكن بناء كتلة تاريخية بديلة من دون تنظيمات قادرة على تجميع الطاقات المتفرقة، وتوحيد النضالات الموضعية، وتوفير الحماية للجماهير في لحظات القمع. لكن التنظيم المطلوب اليوم يختلف عن النماذج التقليدية التي ورثناها من القرن العشرين. ففي ظل تشتت الطبقة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي، وتنوع أشكال الاستغلال، وتعدد مواقع النضال، يحتاج التنظيم إلى أن يكون مرناً بما يكفي لاستيعاب هذا التنوع، ولا ينحصر في إطار نقابي أو حزبي واحد. هذا يتطلب شبكات تنظيمية تربط بين النضالات المختلفة (العمالية، النسوية، البيئية، الشبابية، الحقوقية) في إطار واحد، وتوفر قنوات للتواصل والتنسيق والقيادة المشتركة. كما يتطلب بناء كوادر قادرة على العمل في ظروف صعبة، وقيادة جماعية تتجنب مخاطر الفردانية والبيروقراطية.

الشرط الثالث هو البرنامج السياسي-الاقتصادي الملموس. لا يمكن لكتلة تاريخية بديلة أن تكتفي بالرفض والاحتجاج، بل يجب أن تقدم رؤية واضحة للبديل الذي تناضل من أجله. هذا البديل يجب أن يحدد خطوطه العريضة في مجالات متعددة: إعادة هيكلة علاقات الملكية عبر تأميم القطاعات الاستراتيجية وإخضاعها للرقابة الشعبية، إعادة توزيع الثروة عبر نظام ضريبي تصاعدي وخدمات عامة مجانية، بناء ديمقراطية اقتصادية تشاركية تقوم على مجالس العمال والمجتمعات المحلية، تفكيك الدولة الأمنية واستبدالها بمؤسسات مدنية خاضعة للمساءلة الشعبية، كسر التبعية للرأسمال العالمي عبر بناء قدرات إنتاجية وطنية وتخطيط اقتصادي ديمقراطي. هذا البرنامج يجب أن يكون قابلاً للترجمة إلى مطالب مرحلية يمكن النضال من أجلها في المرحلة الراهنة، وإلى أهداف استراتيجية طويلة المدى.

هذه الشروط الثلاثة لا تتحقق تلقائياً، ولا يمكن فرضها من أعلى. إنها تحتاج إلى عمل يومي شاق في مواقع العمل والأحياء والمؤسسات التعليمية والفضاءات الثقافية. تحتاج إلى بناء علاقات ثقة بين النشطاء والجماهير، وإلى تطوير قدرات القيادة والتنظيم، وإلى استعداد للتجربة والخطأ والتعلم من الإخفاقات. تحتاج أيضاً إلى صبر استراتيجي، لأن بناء كتلة تاريخية بديلة لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، بل هو عملية تراكمية قد تستغرق سنوات أو عقوداً.

في هذا السياق، تظهر أهمية بناء تحالفات عابرة للحدود تربط بين النضالات في مختلف الدول العربية. فالعدو المشترك، التحالف بين الدولة العميقة والبرجوازية الريعية والرأسمال العالمي، لا يعترف بالحدود التي رسمها الاستعمار وأعادت إنتاجها الأنظمة القطرية. لذلك، فإن النضال ضده يحتاج إلى تنظيمات عابرة للحدود، تتبادل الخبرات والتجارب، وتنسق المواقف والاستراتيجيات، وتبني وعياً عربياً وأممياً يتجاوز التجزئة التي تفرضها النخب الحاكمة. هذا التحالف العابر للحدود لا يلغي أهمية النضال الوطني في كل بلد، بل يضعه في إطار أوسع يدرك أن التحرر الوطني الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار التبعية الإقليمية والدولية.

كما تظهر أهمية بناء علاقة عضوية بين النضال السياسي والنضال الثقافي. لا يمكن للكتلة التاريخية البديلة أن تنتصر فقط عبر السيطرة على مؤسسات الدولة، بل تحتاج أيضاً إلى بناء هيمنة ثقافية في المجتمع، أي إلى قدرة على إنتاج المعنى والتأثير في الوعي الجماهيري. هذا يتطلب استثماراً في الإنتاج الثقافي (الأدب، السينما، الموسيقى، الفنون التشكيلية، الإعلام البديل) الذي يعبر عن تطلعات الطبقات الشعبية، ويقدم رؤية جمالية للعالم تتنافس مع رؤية النخب الحاكمة. كما يتطلب بناء مؤسسات تعليمية وثقافية بديلة، قادرة على إنتاج المعرفة وتنشئة الأجيال الجديدة على قيم العدالة والحرية والمساواة.

يكتب أنطونيو غرامشي في "دفاتر السجن": "الكتلة التاريخية هي وحدة جدلية بين البنية والفوقية، بين القوى المادية والقوى الثقافية، بين المصالح الطبقية والرؤية للعالم". بناء كتلة تاريخية بديلة في العالم العربي يعني بناء هذه الوحدة الجدلية في سياق جديد: ربط النضال من أجل تغيير علاقات الإنتاج بالنضال من أجل تغيير الثقافة والأيديولوجيا، ربط المطالب الاقتصادية المباشرة بالرؤية الاستراتيجية للمستقبل، ربط العمل اليومي في مواقع العمل والأحياء بالبناء التنظيمي والسياسي الأوسع. هذه المهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وهي المهمة التاريخية المطروحة على الأجيال الثورية القادمة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...


المزيد.....




- أحمد الشرع: سنبقى خارج الصراع بالمنطقة إلا بحالة واحدة
- وزير خارجية إيران يكشف مدة الحرب التي تستعد لها طهران
- الجيش الإسرائيلي يعلن رصد صاروخ أطلق من اليمن
- البنتاغون يكشف عن معدلات الانتحار وأسبابه بين جنود الجيش الأ ...
- مسيّرات تستهدف مطاري الكويت وبغداد واعتراضات بالسعودية
- هيئة بحرية: إصابة سفينة بمقذوف قبالة سواحل قطر
- الجيش الإسرائيلي: رصد إطلاق صاروخ من اليمن
- إيطاليا ترفض استخدام قاعدة تابعة لها بالحرب على إيران
- الجيش الإسرائيلي: سقوط مسيرة بصاروخ أرض-جو بجنوب لبنان
- رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي يوقع اتفاقية تعاون مع مؤسس ...


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر الدولة العميقة