بوشعيب حمراوي
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 15:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بقلم : بوشعيب حمراوي
اكتبُ عن عالمٍ يشتعل في أطرافه، ويهدأ في قلبه. عالمٌ تُدوّي فيه المدافع في جهات، وتُشيَّد فيه المدارس والمستشفيات في جهات أخرى. وبين هذا وذاك، تبرز دولٌ بعينها، تتصدر قوائم التعليم والصحة والبحث العلمي، وتتربع على عرش مؤشرات جودة الحياة، لكنها تغيب(بشكل لافت) عن خرائط الصراع، وعن عناوين الأزمات، وعن نشرات الأخبار الساخنة. دول لا تقسم شاشات تلفزيونات الأخبار العالمية من أجلها . بل يجري الحديث عنها بهدوء وروية واهتمام وتقدير كبير من العالم .. كل العالم.
نتحدث عن دول مثل فنلندا وسويسرا والنرويج وسنغافورة… نماذج تُقدَّم لنا باعتبارها قممًا في الحكامة، ونجاحاتٍ صافية في تدبير الإنسان والموارد، وتجارب يُنصح باستنساخها في كل مكان. لكن، هل الصورة بهذه البراءة؟
من حيث الظاهر، كل شيء يبدو منطقيًا .. دول استثمرت في الإنسان، فحصدت النتائج .. أنظمة قوية، فاستقرت .. مؤسسات فعالة،.. فازدهرت.
غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته، يبدو ناقصًا… أو على الأقل، غير كافٍ لتفسير هذا (الهدوء المريب) في عالم لا يرحم.
أين خصوم هذه الدول؟.. أين الطامعون في ثرواتها؟.. أين الحاقدون على نجاحها؟.. أين محاولات زعزعتها أو إدخالها في دوامات الفوضى؟
ألسنا نعيش في عالمٍ لا يُسامح الناجحين؟.. أليس التاريخ مليئًا بدولٍ عوقبت فقط لأنها تفوقت أو حاولت أن تكون مستقلة؟.. فكيف نجت هذه الدول من (لعنة النجاح)؟
قد يُقال إن هذه الدول اختارت الحياد، مثل سويسرا، أو أنها تعمل داخل منظومة دولية مستقرة، أو أنها لا تُهدد أحدًا… لكن هل يكفي هذا لتفسير غيابها شبه التام عن كل أشكال الاستهداف؟. وهل الحياد وحده كان يومًا درعًا كافيًا في وجه أطماع القوى الكبرى؟. ثم، أليست هذه الدول جزءًا من تحالفات كبرى، مثل حلف شمال الأطلسي؟.. ألا تستفيد من مظلات أمنية، ومن توازنات دولية تحميها؟.. ألا تتحرك داخل نظام عالمي تقوده قوى كبرى مثل الولايات المتحدة؟.
إن كان الأمر كذلك، فهل نحن أمام دول مستقلة تمامًا ... أم أمام كيانات نجحت في التموضع الذكي داخل شبكة مصالح معقدة، حيث الحماية مقابل الانسجام؟
ثم ماذا عن الاقتصاد؟.. كيف نفسر أن دولًا مثل سويسرا أصبحت خزائن أموال العالم، دون أن تتحول إلى هدف مباشر للصراعات؟
كيف تكدّس الثروات، وتُدير رؤوس الأموال، وتبقى في مأمن من (لعنة الموارد) التي أحرقت غيرها؟
هل السر في الذكاء المالي؟ .. أم في موقعها داخل منظومة توزيع الثروة العالمية؟
أما النرويج، التي تُضرب بها الأمثال في حسن تدبير الثروات، فهل كان بإمكانها تحقيق ذلك لولا بيئة دولية سمحت لها بالاستفادة الهادئة من مواردها، دون أن تتحول إلى ساحة صراع كما حدث في أماكن أخرى؟
وسنغافورة، هذا النموذج الصارم والمنضبط، هل هو نتاج عبقرية داخلية فقط؟.. أم نتيجة موقع جغرافي استثنائي، واندماج كامل في شبكة التجارة العالمية، جعل استقرارها مصلحة دولية مشتركة؟
إننا هنا لا ننفي نجاح هذه الدول، ولا نقلل من قيمة سياساتها في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية ..
لكننا نتساءل ومن حقنا التساؤل،هل النجاح وحده يكفي ليُحصّن الدول؟
أم أن هناك (قواعد غير مكتوبة) في هذا العالم، تحدد من يُسمح له بالنجاح في صمت… ومن يُدفع إلى صخب الفوضى؟
ربما لم تكن هذه الدول (محميات) بالمعنى التقليدي، لكن، أليس من الممكن أنها تحوّلت(بوعي أو بدونه) إلى مناطق مريحة داخل النظام العالمي؟.. كيانات لا تُقلق التوازن، ولا تُهدد المصالح الكبرى، بل تندمج فيها وتُغذيها؟. أليست هذه صيغة أخرى للحماية… وإن لم تُعلن؟.
في النهاية، يبقى السؤال أكبر من كل تفسير جاهز، وأعمق من كل تحليل تقني، وأعقد من كل خطاب رسمي يُمجّد النماذج ويغفل السياقات . لماذا هناك دولٌ يُسمح لها أن تنجح في هدوء؟.. ولماذا تُدفع دول أخرى إلى دوامات لا تنتهي من الأزمات؟.
هل هو الفرق في الحكامة ، أم في الموقع داخل خريطة المصالح؟
هل هو نتاج الجهد الداخلي… أم نتيجة “قبول دولي” غير مُعلن؟
من يحدد من يكون في دائرة الضوء… ومن يُترك في الظل؟
ومن يقرر من يُستهدف… ومن يُحمى؟ .. وهل العالم فعلًا كما نراه
أم كما يُراد لنا أن نراه؟ .. شعوب بلا صخب… أم امتداد صامت لمراكز القوة؟.
حين نقترب أكثر من هذه الدول، لا يكفي أن نقرأ سياساتها أو مؤسساتها، بل يصبح من الضروري تفكيك هوية شعوبها نفسها: من أين جاءت؟ كيف تشكلت؟ وما طبيعة ارتباطها بالعالم الأوسع، خاصة بمراكز النفوذ والمال؟
إن شعوب دول مثل فنلندا والنرويج تنتمي إلى فضاء جغرافي شمالي قاسٍ، صاغ إنسانًا ميالًا للانضباط، والعمل الجماعي، والاعتماد على الذات، في بيئة فرضت البقاء للأكثر تنظيمًا لا للأكثر صخبًا. أما سويسرا، فهي فسيفساء أوروبية (ألمانية، فرنسية، إيطالية) صهرتها الجغرافيا الجبلية في نموذج توافقي دقيق، حيث الحياد ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل جزء من الثقافة العامة. وفي المقابل، تمثل سنغافورة نموذجًا مختلفًا، حيث شعب متنوع الأعراق (صيني، ماليزي، هندي) صيغ في قالب صارم من الانضباط القانوني والبراغماتية الاقتصادية.
دينيًا، لا تشهد هذه المجتمعات حضورًا صاخبًا للعقيدة في الفضاء العام؛ إذ تسود أشكال من التدين الفردي أو العلمنة الهادئة، ما يقلل من احتمالات الصراع الهوياتي الذي يمزق مجتمعات أخرى. لكن الأهم، أن هذه الشعوب تنتمي(ثقافيًا وتاريخيًا) إلى نفس الدائرة الحضارية التي تنتمي إليها القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية؛ دائرة تشترك في القيم، واللغة السياسية، وأنماط التفكير، بل وحتى في شبكات النخب الاقتصادية والمالية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة : هل نحن أمام شعوب مستقلة بالكامل في هويتها ومسارها؟.. أم أمام مجتمعات تشكلت داخل نفس (المنظومة الحضارية) التي تُمسك بمفاتيح النفط والمال والقرار العالمي، وبالتالي تبدو أقرب إلى الامتداد الطبيعي لها، لا إلى كيان منفصل عنها؟
إنها زاوية أخرى للقراءة… حيث لا يكون الهدوء مجرد نتيجة حسن تدبير، بل ربما أيضًا نتيجة الانتماء إلى النادي ذاته، وإن بدرجات مختلفة من القرب أو التأثير.
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الدول مثل( فنلندا والنرويج وسويسرا)، تشكل امتدادًا حضاريًا لما يُعرف بالعالم الغربي، وكأنها النسخة (المهذبة) أو (المُنقّاة) من تاريخ طويل من الصراعات والاستعمار. شعوب متجانسة نسبيًا، تعيش في ظل أنظمة مستقرة، بعيدة عن منطق الغزو والتوسع، بل وتُقدَّم أحيانًا كأنها خارج سجل العنف العالمي.
لكن، هل هي فعلًا كذلك؟
التاريخ لا يُكتب بهذه البساطة. فهذه الدول، وإن لم تكن في صدارة مشاهد الحروب، فقد عاشت بدورها مراحل صراع، وشاركت(بشكل مباشر أو غير مباشر) في ديناميات اقتصادية ومالية استفادت من منظومات دولية أوسع، بعضها تشكل في سياق الهيمنة والتوسع. كما أن قربها الثقافي والسياسي من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، يجعلها جزءًا من نفس (الدائرة الحضارية)، حيث تُفهم القواعد وتُحترم التوازنات، أكثر مما تُكسر أو تُتحدى.
وبالتالي، قد لا تكون هذه الدول (بريئة) بالكامل، ولا (متورطة) بالكامل… بل هي أقرب إلى موقع مريح داخل منظومة عالمية معقدة، حيث لا تُنظر إليها كتهديد، ولا تُعامل كخصم، بل كامتداد هادئ لنفس الفضاء القيمي والسياسي.
ربما لم تكن هذه الدول أنقى من غيرها ...
لكنها ببساطة لم تُجبر يومًا على أن تكون في قلب العاصفة،
ولا طُلب منها أن تدفع ثمن التاريخ كما دفعه غيرها.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟