|
|
الدين والدولة والسياسة والأخلاق مفارقات موضوعية
احسان طالب
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 11:26
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
فقضيتنا المركزية هي وعي تلك المنظومة القائمة على ثنائية الموضوع وتحليل مفرداتها ومفرزاتها. ولا نجانب الصواب إذا حسبنا كلية التاريخ البشري تراوح بين كفتي العقل والنقل، وفقاً للمعاني الأشمل لمفهومها والتي تناولناها في موضعها. من المهم جدا إعادة النظر والتأكيد على الفروقات الأولية بين الدين والدولة والسياسة، من حيث البنية الجوهرية لكل منهم، وفهم طبيعة التداخل والافتراق ونقاط الترابط والاتصال، فالمصطلحات والقيم محل الدرس هي مسائل جوهرية ذات صلة مباشرة بتنظيم حياة الأفراد والمجتمعات والشعوب. وكما يقول أفلاطون مفصحاً عن أهمية موضوع الدولة والسياسة: إننا لا نناقش موضوعاً هيناً، إننا نناقش، كيف ينبغي أن يعيش الإنسان. محاورة الجمهورية. ولتحقيق ذلك يجدر معالجة الموضوع وفقاً لمحورين اثنين، الأول ذاتي يفتش عن الخصائص الماهوية والثاني موضوعي إكسيولوجي، قيمي، يتناول ارتباط المفاهيم موضوع البحث بواسطة معايير الحق والخير والصواب والعدل والجمال وما إلى ذلك من تعيينات علم القيم. ونحن لا تستطيع تحديد خطوط قطعية نهائية فاصلة بين مسائل الدين والسياسة والدولة وعلاقاتها المتشابكة المترابطة بحزمة من العلوم السياسية والاجتماعية والإنسانية والشرعية. لكن المتاح والمتيسر هو بيان مسارات الافتراق والتداخل وتفكيك العلاقات المتشابكة اعتماداً على ما ذكرناه من محاور رئيسة للبحث. فالسياسة مبحث اجتماعي بالمقام الأول ويتفرع منه انتظاميات جماعية وفردية، أما الأخلاق فهي انتظاميات فردية في المقام الأول ويتفرع عنها تداعيات جماعية. السياسة بماهيتها منهج فكري وبنية عملية تنظيمية لبناء سلطة وتمكينها، لذلك نجد مقالاتها منضوية تحت مبحث الدولة، تخضع لمعايير علمية حتى تغدو فعالة ومنتجة تحقق الأهداف والانتظام والتقدم ساعية قدر الممكن الاقتراب من معايير الحق، ومقاييس الصواب التجريبية. فالدول المشكلة لعصبة الأمم المتحدة هي دول وليدة وليست دولاً تاريخيةً، كما أنها ليست دولاً دينيةً، مع معرفة اقتران بعض الدول وحتى الجمهوريات الموجودة بالصبغة الدينية، لكن الاعتراف بسيادة الدول لم يكن بأي حال من الأحوال على أساس انتمائها الديني بل باشتمالها على عناصر أساسية لكيان الدول، أرض وشعب وسيادة ودستور ونظام سلطة. ولا ينفك مفهوم الدول بل ماهيتها عن السلطة، وكل معنى للدولة بعيد عن سلطة، قهر، إكراه، قانون، هو معنى مجازي. الدين في جوهره إيمان ووجدان لا تشوبه أي شائبة لسلطة قهر، المقصود الدين كجوهر هنا وليس كظاهرة، إذن هناك فرق جوهري ـ ماهوي بين الدين والسياسة. لنعقد مقارنة بنيوية للعناصر الرئيسة لكل من الدين والدولة والسياسة، نلاحظ بداية الافتراق بالنظر إلى أن الجوهر الأولي للدين خارج البنية التأسيسية لدى السياسة والدولة، ونستهدف العامل أو العنصر الوجداني النفسي الروحي، السياسة والدولة تركيب لعناصر مادية بالمقام الأول. في حين أن العنصر المركزي في بنية الدين روحي باطني داخلي يتجلى بمظاهر وسلوكيات ومواقف، أصلها ومنبعها مشاعر وإحساسات داخلية منفكة عن الحواس المادية بطبيعة عملها وتأثيرها وتفاعلاتها. أساس أي دين على الإطلاق هو وجود قوى علوية خارقة ذات صلة وتواصل مع روح منبثة داخل بدن، فلا لقاء مادي مباشر محسوس بين الإله والمتأله. ونقصد هنا الفطرة البشرية المتطلعة إلى سمو متعالي منفصل عن الوجود مستغنٍ بذاته عما سواه. (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الأعراف الآية 143 وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) سورة الشورى الآية 51. الاتصال المباشر منفي نهائيا، باستثناء حالة النبي موسى المختَلف على طبيعة الكلام فيها، ولعل آية سورة الشورى توضح بجلاء النفي المطلق. فالنفي والاستثناء حاضران بلا أدنى شك والخلاف مرتبط أساسا بطبيعة الكلام. لكن في طبيعة الدول والسياسة، القاعدة مادية ملموسة محسوسة ظاهرة، وحتى العلاقة تحت مظلتهما هي علاقة مادية مباشرة فغياب الدولة ممكن على عكس الإله فهو حاضر في الروح والعقل لا ينفي وجوده غياب، فالفرد يرتبط ليس بفكرة الدولة كأساس بل بوجودها، وارتباطه بها كفكرة سابق على وجودها، فمفهوم الدولة لاحق على الجماعات والتجمعات والمجتمعات البشرية، في حين مفهوم الدين بدلالاته ومقاصده كارتباط بين الخالق والمخلوق أسبق وجوديا على خلق البشر. (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآية 30 النقطة الرئيسة الثانية هي السلطة والقهر والقوة والاجبار. لا يليق بأي دين أن يفرض فرضا أو أن يجبر الناس على الانقياد له مكرهين فالإيمان حقيقة هو في القلب ومن يظهره ويخفي ضده منافق، انعكاسات الإيمان مظاهر في السلوك والأخلاق والمشاعر. في حين ما يعني الدولة بالمقام الأول هو الظاهر المتمثل بالانقياد والخضوع للضوابط والقوانين والأنظمة، فالمواطن مرغم على تنفيذ قوانين الدولة ولو كرهها ولا يقبل منه بحال نقض القوانين لمجرد عدم قناعته بها. فالمشاعر والمحسوسات الداخلية ليست أولية ولا حساب عليها في حين يرتكز التمظهر الديني بقيمته على النيّة، أي الأساس النفسي والوجداني الباعث على العمل والسلوك. من مشاهير الأحاديث الصحيحة عن النبي محمد(ص): "إنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ " المحدث الألباني صحيح ابن ماجة. " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" مفهوم الدولة المتضمن بطبيعته مفهوم السياسة؛ مسألة نسبية متاحة ـ من حيث بنيتها وطبيعة تركيبها كتكوين نسبي زماني مكاني خاضع لكل إمكانات التبدل والتغيير والإضافة والحذف أو حتى الإلغاء والنقض من جهة المبدأ. في حين البنية التركيبية لطبيعة الدين في خاصيته الإيمانية والغيبية مطلقة لا تقبل زيادة أو نقصان ولا إمكان فيها للتبديل والتغيير فهي مطلقة لا زمانية ولا مكانية، هامش الحركة والمناورة محصور فقط بالدلالة والقراءة والفهم والتأويل. مفهوم التنزيه والتقديس يكمن في ماهية الدين باعتبار مصدره الأولي ولا تعدُّ أية عقيدة دينا بدونه، فتعقل الله وحبه وتقديسه قضية لا جدال فيها لدى المؤمن، ولا يوجد إيمان بلا حب وتمجيد ورضوخ باطني حقيقي، تلك المشاعر والقيم ذات المعنى الماهوي للدين ليست بأولوية اعتبارية لمعاني ومعايير الدولة والسياسة. فالمطلق لا يخضع للنسبي، والثابت لا ينصاع للمتحول، والروحي لا يقاس بمعايير مادية. من مشاهير الأحاديث الصحيحة عن النبي محمد (ص) " سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَكَانَ لِرَجُلٍ مَالٌ فَتَصَدَّقَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ بِمِائَةِ أَلْفٍ " المحدث الألباني صحيح الجامع. "رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنْ صَوْمِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالنَّصَبُ " المحدث الألباني صحيح ابن ماجة. فالمقاييس والمعايير المعنوية الأخلاقية الوجدانية عنصر أولي رئيس مرتبط أصولا بمفاهيم وقيم الدين ولا يفترق عنه ولا يقبل وجوده بغيابها، في حين أنها لا تعتبر شرطا لازما وجوديا لمفاهيم الدولة والسياسة. فالشروط والمقاييس والمعايير مادية هنا بالمقام الأول. فالضرائب والرسوم والجزائيات تحدد وفق نظم ولوائح وضوابط رقمية محددة على أساسها تطبق الإجراءات التنفيذية دون النظر لاعتبارات اعتقادية أو انتماءات فئوية. والأمر ليس كذلك في مختلف الأديان السماوية التي هي بؤرة الدراسة، لأنها هي بالذات التي انبثقت منها أنظمة وحكومات وأشكال دول. للنظر لمثال واضح في إطار دين واحد من تلك الديانات الإبراهيمية، ونقصد حكم ضريبة المال ـ الزكاة ـ ليس واحدا في إطار الإسلام، والكلام هنا متصل بالواقع الراهن والتاريخ، فالنسب المعيارية لحساب الزكاة مختلفة كلية من مذهب لآخر فهي 2.5% لدى البعض والخمس لدى البعض الآخر، وبصرف النظر عن التطبيق والشروط والمقادير ثبت الاختلاف دون أدنى شك. ما يعني إقامة أو بناء القوانين على قاعدة الانتماء العقدي وهذه مسألة مرفوضة كليا في إطار قيم الدولة المتعارف عليها حديثا وراهنا. تاريخيا يبرز مفهوم المواطن الذمي وهو فرد مواطن يختلف عن غيره بانتسابه أو انتمائه لدين مختلف، ما يترتب عليه أحكام ومقاييس ومعايير متباينة عن سواه. ومع كل التبريرات والمخففات من وطأة مفهوم الذمي فهو حكم أصيل مركزي داخل إطار مفهوم المواطنة الديني: "أعفى الإسلام من أداء الجزية النساء والصبيان والمساكين والرهبان وذوي العاهات، فلا تجبى الجزية من امرأة ولا فتاة، ولا صبي، ولا فقير، ولا شيخ، ولا أعمى، ولا أعرج، ولا راهب، ولا مختل في عقله. بل زاد الإسلام فتكفل بالإنفاق على من شاخ وعجز من أهل الذمة." واشتُهر عن عمر بن الخطاب أنه مر برجل عجوز يتكفف ـ يتسول ـ الناس، قال له: ما الذي حملك على السؤال؟ قال: الجزية والحاجة والعجز. فقال عمر: ما أنصفناك إن أكلناك شاباً وضيعناك هرماً، ثم فرض له من بيت المال ما يكفيه، ورفع عنه الجزية. (والقصة وردت في مصادر معتبرة عديدة؛ ابن القيم في أحكام الجزية والسيوطي في جامع الأحاديث وفي كتاب الأموال لأبي عبيد وغيره ويروى كذلك عن عمر بن عبد العزيز مقالة يوصي ولاته بوضع الجزية عن المحتاجين وكبار السن من أهل الذمة ويوصي بإعانتهم ورعايتهم. ) حسب موقع إسلام ويب. ويبقى الإشكال الرئيس قائما بين مفهوم المواطنة مجردا ومفهومها انتسابا لدين أو معتقد، وأحكام التفريق على أساس المعتقد جزء أصيل من بنية الدولة الدينية وهي معضلة لا حل لها ولا وجود لها ضمن بوتقة الدولة كوعاء يساوي الجميع بالحقوق والواجبات والأصل الاعتباري. (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) سورة التوبة الآية 29 هذه الآية هي القاعدة الأساسية في وضع مفهوم أهل الذمة الشامل لليهود والنصارى والمجوس ومن في حكمهم كما جاء في أحكام أهل الذمة لابن القيم ولا خلاف بين مذاهب المسلمين على تحديد أهل الذمة بصورة عامة، لكن من الجدير الانتباه لآية أخرى ذات صلة وثيقة بذات الموضوع بيد أن كتب الفقه لم تركن إلى مفاهيمها السامية في التعامل وبناء العلاقات بين الأفراد والجماعات مع الاختلاف القطعية في المعتقدات. ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) سورة الممتحنة الآية 8 الأخلاق سيمياء إنسانية وقرينة وجود عقل، قد تنحاز الغريزة الحيوانية نحو خُلق جيد بحالة طارئة أو استثنائية، في الحالة البشرية يتأصل الانحياز الخُلقي بما هو ماهية إنسانوية، وتاليا يخسر الفرد جزءا من جوهره يتناسب طردا مع اقترابه من الأخلاق الحسنة، وأساس الخُلق الحسن تطور عقلي سلوكي "تطبيقي" لمعاني القيم الخيّرة، كالعدل والصدق والتضحية والإحسان والوفاء والحب وغيرهم كثير. بهذا المنطق لا يرتبط جوهر الأخلاق بالعقائد من حيث مادتها الأولية، ويعد هذا المعنى بصورة جلية القول المأثور عن النبي محمد (ص) خياركم في الجاهلية خياركم بالإسلام، وينص عليه بلا مواربة مدلول الآية 8 من سورة الممتحنة ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)لننتبه للمفردات التالية الأخلاقية الواردة في الآية الكرية: تبروهم، تقسطوا، يحب، المقسطين، لا ينهاكم، تشيع جوا من الألفة والتعاطف وكسر الحواجز بين بني آدم كافة؛ تواصلوا وتحابوا وبروا بعضكم وأقسطوا فيما بينكم فالله يمدح ذلك السلوك ويحب المتحلين به، بصرف النظر عن السرد التاريخي ينبغي أن تكون آية الممتحنة مفسرة ومُؤَوِلة لآية التوبة وليس العكس كما جرت العادة، وعُرْف الفقهاء والمفسرين، فهي المنسجمة مع معاني المساواة والتكريم والعدالة، طالما أن الأساس ( لا إكراه في الدين) فالكل مهما اختلفت عقائدهم سواسية في الإنسانية وأمام القانون وفي المواطنة. فإذا تُرك موضوع النيّة والوجدان والضمير للمُطلع عليه حقيقةً ويقيناً ـ الله جل علاه ـ وجب إسناد الظاهر من سلوك والتزام لأحكام ومقاييس القانون والمواطنة. وبالقراءة الواقعية العقلية لا يصح التمييز أمام السلطة والسياسية والقانون بين الأفراد على أساس المعتقد وإلا فالمسلمون في كافة أصقاع العالم يعاملون كمواطنين متساوين بالحقوق والواجبات والمكانة أمام القانون والسلطة السياسية كبقية أبناء الوطن الواحد، ولا يوافقون بحال من الأحوال أن تُفرض عليهم أحكام خاصة بهم كأهل ذمة لاختلاف عقيدتهم عن الغالبية الساحقة من المواطنين. (من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته مَنِيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يُحِبّ أن يُؤتَى إليه ) صحيح مسلم 1844 جاء في شرح النووي على صحيح مسلم في معنى الحديث: قوله: ( وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) هذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وبديع حكمه، وهذه قاعدة مهمة فينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان يلزم ألا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن يفعلوه معه.) وهذا صلب مفهوم متعارف عليه شائع مشهور: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك. ما يسوقنا تلقائيا لاقتران معاني البر والاقساط والتعارف والتآلف والعدل والمساواة بأصل المفهوم الإنساني للدين فنكون بهذا المنطق حققنا انسجاما بين ظواهر جوهر الدين مع بنية مفرزات الدولة، رغم الاختلاف البنيوي بينهما، إذن نحن نتحرك في دائرة الظاهرات والمقاصد، ما يقودنا لتفكيك معضلة التناقض القائم بين النقل والعقل بمقتضى ظاهراتي مقاصدي. إشكالية العقل والنقل تفكيك التناقض العقلانية مبدأ فكري ونظرية فلسفية تضع " كل شيء" تحت وصاية قوانين العقل وتحليلاته وتفسيراته مستعينا بالمنطق كأداة ـ لوغوس ـ هل قوانين العقل نص ؟! وربما يبدو غريبا أو يعد عنصرا دخيلا اعتبار العرفان ـ الاستشراق ـ حالة عقلانية، فالعرفانية تتجسد في حصول المعرفة الروحية بالصفاء والنقاء ومن ثمة الاتصال بالروح والسمو والتعالي، لدرجة الوصول لحالة تخلو من المادة - روحية محضة ـ تمكن من التوحد بين عناصر الوجود الأصلي، الواجب والضروري، وبين وجود منبثق عن الأصل، وجود محتاج وليس مستغني. في تلك الحالة التي تكون الروح واعية ومدركة وحتى مفكرة ـ تكشف وتستكشف أسرار الوجود ـ يحدث توحد بين مسميين يتشاركان ذات الصفات ويفترقان بذات الوظائف ـ في ذلك المشهد المشهود تصبح العرفانية والإشراق ظاهرة عقلانية. وثاقة الصلة بين العرفانية والنص التاريخي تدخلنا، وفق التحليل السابق، بنسق الترابط الحيوي بين العقل والنص، نحن اعتبرنا أعلى منتجات أو انكشافات النص مسألة عقلانية، فلا مناص إذن لأي من الإثنين الانفكاك عن الآخر؛ قد يبدو توجهنا هنا تكبيلا للعقل، بيد أن تصورنا لمفهوم التفكر ـ بواسطة العقل ـ يوجب الاستناد إلى عتبات بديهية هي بالأصل غلال للعقل، وليس مجحفا الميل لإسباغ صفة النص على المثل الأفلاطونية كأنموذج، أو وسم اللوغوس الأرسطي بنص، ما نرمي إليه تفكيك الإشكالية وإعادة بنية العلاقة الطبيعية بين الطرفين. هل نحن هنا أمام إشكالية السؤال: من هو الأسبق بالوجود البذور أم الثمار، الوجود أم غايته؟ في الحقيقة فإن حل الإشكال هنا لن يفضي إلى نتيجة ذات فائدة منطقية، فقراءتنا الفينومينولوجيا -الظاهراتية القصدية -المعتادة تتيح لنا فهم الوجود بما هو وكما هو بالمقام الأول. وفي تفاصل تلك الظاهرة يغدو الخير مبرأ من أغلال المنفعة وأواصر الانقياد والتقليد. لواحد من العنصرين. بل لا مفر من توافقهما إذا أخذنا مبدأ معيارياً هو حالة ديمومة الجدل بين النص والعقل. بذلك التصور قد نتمكن من التسليم للعلم دون تحويله لمعبود فهو المرجع الرئيس والأهم والأقدر لكنه ليس محض المرجع ـ على الأقل إلى اليوم ـ للفهم والتفسير والكشف. من مزايا النقل التاريخي وربما من إشكالياته؛ أنه نص مفتوح رغم تمامه وختمه، فكلما أخضعته لنقد أو معالجة معيارية جديدة ينفتح على مسارات معاني غير مسبوقة، ويبقى الجدل البرهاني مستمرا حول: هل التفسير أو التأويل شيء في النص أم حوله وخارجه؟ هل القصد الغائي و القصد الدلالي معياري أم استشاري، وأخيرا هل النص عين الذات فلا تنقطع الصلة بينه وبين النَّاص، أم هو عين الموضوع ينفصل عن ذاته بمجرد الإفصاح عنه ؟ انحازت مذاهب فلسفية لمحدودية العقل البشري ما يعني تاليا وجود ضرورة لمعرفة خارج العقل، يتلقاها من الخارج، في حين ذهب العقلانيون إلى كفاية العقل وقدرته على بلوغ المعرفة دون حاجة لتلقين أو وحي. في كلا الحالتين ترتكز المعرفة على العقل، فذلك المحدود طبقا للمثاليين هو مناط التلقي، وهو القادر على استيعاب ما يوحى، فهو الناقل والمفسر والمعلل. هكذا في كل الأحوال، باعتبار النص منتج عقلي، لا مناص من إعطاء العقل أولوية، لأنه ببساطة من يحدد ماهية " المعنى " هو العقل ومن يقدر حدود المعنى هو أيضا. ربما كان حل اللغز بين نقد العقل المحض وبين حدود العقل البشري؛ هو قدرة ذلك العقل على الكشف، ومعرفة ما كان وما هو كائن وما يمكن أن يكون في حدود الطاقة والعلم " المحدودين" أي القابلية للخطأ والصواب، فنحن أمام " كمية " من التفكير المنطقي المتسلسل زمنيا، ذلك "الكم" يمتلك القابلية للتحول لـ" نوع " فتغدو منتجات العقل حقائق. للتفكير والتحليل على سبيل الحقيقة. سلطة المفسر أقوى من سلطة النص المنقول عملياً. عندما يأخذ النص طريقه ليغدو سلوكا عادة ما يمسك بناصيته؛ الحدس المشترك، أو المخيلة الجماعية. أو القراءات والتفسيرات التاريخية، وفي كل الحالات، تتراجع سلطة النص – النقل - كمؤثر أصيل لتنتقل إلى نواتجه والأوصياء عليه، التفكير الحر – العقلاني- يعيد للنص مكانته ويسمح بقراءة مباينة للشائع وأحيانا المغرض، التفكير النمطي، المقيد بالأيديولوجيا أو حتى المنهج، يتيح سبيلا مؤهلا ومحددا للفهم، وعادة ما يكون عتبة للتمكن من التفكر الحر، شريطة التحرر من قيود آليات ووسائل وأنماط التفكير التي تفرضها الأيديولوجيا والمنهج، ذلك هو السياق المنطقي لبدء عملية إنتاج " مفكرات " أي منتجات تفكر، جديدة ومحايدة وأكثر موضوعية، في تلك الحالة يحصل تفكيك لبنية النص – النقل - من أجل فهم وتأويل أكثر قدرة على الاستيعاب المتاح، الموجود، بذات النص وموضوعه، وعبر هذه الآلية سيكون ممكنا إنتاج نصوص جديدة، والحصول على قدر وأفق مفتوح من تلك التي تحظى بالمكانة التاريخية والمنطقية وحتى العلمية. ولعلنا نبدأ هنا، وفي كل الإحالات، بإنتاج منهج أو مذهب أو مدرسة جديدة بسياق المنهج أو المذهب. يبقى السؤال الملح: إلى أي مدى يمكن اعتبار النص ـ أي نص ـ منتج عقلي؟ مفيد جدا بظرفنا الراهن تعريف محددات العقلانية، بالاتساق مع تحليلنا أعلاه نجد، بصعوبة، أن كثير من اللاعقلانيات ـ الأسطورة، الخيال العلمي، التضحية والفداء، السريالية، الخ. قضايا في صلب العقل، المفهوم أو المصطلح المنفتح أو المنكشف أو الموجود بسياق أفق لا نهائي لوظائف وأليات وأدوات التفكر يؤذن باستيعاب ذلك التناقض الإيجابي المولد للمعنى. بين النَّبي والحاكم: في حال الدولة النبوية في المدينة المنورة، التي ستكون أساساً لحكم مدني ونظام دستوري فيما بعد رغم افتقارها آنذاك لمجموعة ناجزة من عناصر الدولة، كالقانون والدستور، الحدود، السيادة، السلطة والمؤسسات، تحديد السلطات والصلاحيات وغيرها، وتوفرها على عناصر أخرى كالشعب والأرض والكلية الفكرية الجامعة وهي التوحيد، فيما كانت القيم الإيمانية ناجزة تامة منتهية، بينما كانت التشريعات الحياتية والدنيوية في طور التأسيس والاستكمال بإكمال نزول القرآن الكريم وبيانه من قبل النبي الكريم، فكان ذلك في طور التشكل بانتظار نزول وصدور كامـل النص التأسيسي. إبان تلك الفترة حدث خلط وتداخل بين الحاكم وبين الرمز الوجداني الروحي ـ النَّبي ـ فصار هناك تراكب بين السلطة الروحية والسلطة الدنيوية، هذا التراكب ظهر بتشكيل بنية الحاكم الوظيفية والاعتبارية، أنتجت الواقعة حقيقة تداخل تصوري، وظائفي واعتباري لمفهومي الدين والدولة. بالبحث المباشر لظاهرة " الدولة النبوية " في المدينة المنورة تظهر بجلاء عديد الشواهد تفيد بافتراق المكانة، أي مكانة الروحي الديني عن مكانة الحاكم المدني أو العسكري. غزوة بدر: النبي (ص) خاطب رجاله ومستشاريه متوجها بالكلام نحو المهاجرين والأنصار ليتأكد من وقوفهم معه وخوضهم الحرب بجانبه ضد قريش فضمن صوت المهاجرين بعدما عرض الأمر عليهم تكلم أبو بكر وعمر والمقداد بن عمرو، فقال يريد الأنصارـ 1 ـ (أشيروا عليّ أيها الناس،) ـ وإنما يريد الأنصارَ، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذلك أي القتال، حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، فكان النبي بصفته قائدا يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم ـ 2ـ : صلح الحديبية (أشيروا أيها الناس علي ) مقولة النبي لمن معه عام الحديبية ـ 3 ـ بعد معرفة النبي بحشود قريش لمنعه، استمع لرأي أبو بكر الصديق: قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال ـ أي رسول الله ـ امضوا على اسم الله. القائد العام للحملة المسلمين للحج ـ الرسول الكرم ـ تصرف بصفته الدنيوية وأخذ مشورة من حوله، بصورة طبيعية جدا، وامتنع الرسول عن الحج تلك السنة ووقع صلح الحديبية مع القريشيين. وقف عمر بن الخطاب موقفا مغاير لذلك الصلح وناقش المسألة من جوانب عدة، أكثرها دينية فقال عمر: " فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ) ـ4ـ لنلاحظ الحوار وسياقه، نجد التفاصيل تدور بين قائد عام ومن هو دونه ونراقب وجهات النظر، رغم الاستشهاد بنبوة النبي وصدقه سارت الأمور في مجرى سياسي اعتيادي كما يمكن سريانه بين أي قائدين من ذات المستوى المتفاوت، وذلك بدلالة الحدث وتفاصيل تتابع حدوثه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا) ـ 5ـ كما هو معلوم فإن بيعة الرضوان تمت قبل صلح الحديبية ونزل فيها قرآن كريم: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) سورة الفتح الآية10 يقول القرطبي في تفسير الآية: قوله تعالى: إن الذين يبايعونك بالحديبية يا محمد. إنما يبايعون الله، بيّن أن بيعتهم لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إنما هي بيعة الله، كما قال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله. وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان.) بايع فيها الصحابة النبي محمد على قتال قريش وألا يفروا. ولم يحدث قتال حينها بل تم صلح الحديبية الذي سمي فتحاً. قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) سورة الفتح الآية ـ 1 ـ قال القرطبي في تفسير الآية: اختلف في هذا الفتح ما هو؟ ففي البخاري حدثني محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال: الحديبية. وقال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية. وقال الفراء: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. إن تدبر الحدث وتتابع سرديته تفصح عن مسار طبيعي جدا وسياق سياسي لما تم وقوعه بين النبي الرسول، كقائد عام للمسلمين وللمجموعة التي كانت معه قادة وأفراد، ويُقدَّر عدد الصحابة الذين حضروا بيعة الرضوان بما يزيد ألف وأربعمائة صحابي. بيعة الرضوان سبقت توقيع صلح الحديبية. وتضمنت البيعة بين الرسول الكريم وصحابته الكرام قتال قريش وعدم الفرار من المعركة، وكان سببها ما بلغ للنبي من أنباء تفيد بقتل قريش لعثمان بن عفان الذي ذهب مفاوضا لقريش، وأبلغهم رغبة النبي بالطواف بالبيت وأن يخلو بينه وبين الناس ليبلِّغ دعوته، فاحتبست قريش عثمان ثلاثة أيام فبلغ النَّبي نبأ ـ إشاعة ـ قتل قريش لعثمان بن عفان، (قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول اللّه إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان رضي اللّه عنه نبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته، فخرج عثمان رضي اللّه عنه إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص) ـ 6 ـ [ إشاعة مقتل عثمان ] قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم إن شئت أن تطوف بالبيت فطف فقال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل.ـ 7 ـ قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ـ8ـ هكذا يبدو بجلاء أن سبب بيعة الرضوان هو إشاعة مقتل عثمان وهو أمر لم يحدث بل كان مجرد خبر ظني أو كاذب، ولأصحاب تلك البيعة مقام رفيع في السيرة الإسلامية، ثم كان بعده الصلح الموسوم بوسم الفتح المبين، كما ورد ذكره في التنزيل الحكيم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) سورة الفتح. يقول القرطبي في تفسير الآية مرجحاً أن يكون الفتح المبين هو صلح الحديبية: وقال الزهري: لقد كان الحديبية أعظم الفتوح ، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه ، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف.) لنلاحظ هنا أيضاً أن الفتح المبين اقترن بالصلح فكان الصلح من الفتح بل هو أعظم فتح؛ ما يفتح عيوننا على أهمية الصلح وأولويته على القتال. يورد ابن هشام في سيرته ما يلي تحت عنوان: عمر ينكر على الرسول الصلح: فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر [ ص 317 ] فقال يا أبا بكر، أليس برسول الله ؟ قال بلى، قال أو لسنا بالمسلمين ؟ قال بلى ؛ قال أو ليسوا بالمشركين ؟ قال بلى ؛ قال فعلام نعطى الدنيّة في ديننا ؟ قال أبو بكر يا عمر الزم غرزه فأني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال بلى ؛ قال أو لسنا بالمسلمين ؟ قال بلى ؛ قال أو ليسوا بالمشركين ؟ قال بلى ؛ قال فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ قال أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني. قال فكان عمر يقول ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا) ـ9 ـ رأى عمر بن الخطاب الصلح مشينا بحق المسلمين وأخبر النبي برأيه فأجابه النبي بأنه لن يرجع عن عهد الصلح الذي هو أمر من الله، وهنا نشهد تصرف النبي كرسول موحى إليه باعتبار صلح الحديبية أمراً من الله، في حين كانت الأحداث تتوالى بمشاورات بين النبي وصحابته بالتفاصيل المروية، ويظهر لنا هنا مقصود ذلك الأمر ـ توقيع الصلح ـ إنما هو التمسك بالعهد وليس قرار الصلح ذاته، وهذا هو الفهم الأقرب لسياق الحدث وتطوراته، فما كان للصحابة رأي قبالة الأمر الإلهي فيما لو كان الصلح ذاته أمراً إلهياً وليس قراراً سياسياً وعسكرياً اتخذه النبي وفقاً لضرورات المصلحة وبناءً على تطورات طارئة جرت وتتالت تفاصيلها، من غير ما تخطيط مسبق كما يظهر بوضوح، وهذا ما يفسر تقويم الصحابة ـ ومنهم عمر ابن الخطاب ـ للموقف بما هو شأن من شؤون السياسة والحرب وليس شأناً وأمراً إلهياً لا مفر من الانصياع التام له دون تردد أو اختيار، فاتخذوا بداية قبالة المعاهدة مكانة المستجيب المكره للأمر بإمضاء الصلح والبدء بتنفيذ بنوده بتأجيل الحج للعام المقبل وباشروا بالامتثال لفعل النبي بحلق رؤوسهم، وكانت تهيمن عليهم حالة من الغم كما ورد في سرد الحدَث، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) سورة الأحزاب الآية 36 فأمر الله المقصود في صلح الحديبية هو قيمة الوفاء بالعهد وليس " العهد " ذاته معاهدة الصلح. (﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ سورة الإسراء: الآية 34 ولننظر الآن في صك العهد ذاته ونتبين كيف مارس النبي صلاحياته كقائد سياسي وعسكري في تفاصيل الحدث: علي يكتب شروط الصلح قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال فقال سهيل لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب باسمك اللهم فكتبها؛ ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو؛ قال فقال سهيل لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك؛ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وإن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه )ـ 10ــ اعترض سهيل بن عمرو، الطرف الثاني في معاهدة الصلح على تسمية محمد برسول الله، فاستجاب النبي لمطلبه، كما اعترض سهيل على ترويسة المعاهدة بسم الله الرحمن الرحيم، كونها غير واردة في أدبيات قريش بل هي من نصوص الإسلام وهم لم يسلموا بعد فاستجاب النبي واستبدلها باسمك اللهم كما طلب سهيل بن عمرو المفوض عن قريش. لننظر لتلك المرونة وذلك السياق الاعتيادي الطبيعي بين طرفين متفاوضين يستجيب أحدهم للآخر، في دلالة لا تحمل لبسا على السياق الدنيوي لممارسة النبي الكريم محمد لصلاحياته كقائد سياسي وعسكري بمهام دنيوية مباشرة، ويعضد الاستدلال هنا ما ذهبنا إليه بأن الأمر الإلهي في صلح الحديبية كان أمر للعهد وبالاستغراق والشمول، كل عهد، وليس للعهد ذاته، صلح الحديبية. " وشاورهم في الأمر " سورة آل عمران 159 ـ 11 ـ والمشاورة في الشأن العام وما فيه مصالح الناس والدولة، وهذا شأن سياسي فلا استشارة هنا من النبي لأصحابه بمقامه كحاكم وليس كرسول نلاحظ هنا عناية صاحب تفسير المنار محمد رشيد رضا كيف يفرق بين السياسة والدين فيقول في تفسير الآية " وشاورهم بالأمر: حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه. وهذه المسألة ألصق بالسياسة منها بالدين لأن الإيمان -وهو أصل الدين وجوهره -عبارة عن إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالبيان والبرهان) ـ 12 ـ تلك القرائن والدلائل لا تدع مجالا للشك لتفريق وصفي لمكانة النبي أولا كرسول يحمل رسالة موحى بها إليه من الله وبين النبي كحاكم للدولة الناشئة، فالاختلاف جلي بالطبيعة، أي تباين طبيعة " محمد " البشر كنبي عن طبيعته كحاكم. مع العلم بوحدة الشخصية، فلو كانت القضية دينية أي قضية الحكم، لكان أهم وأبسط قرار يتخذه النبي الكريم هو تحديد خليفته أو على الأقل تحديد آلية لنقل السلطة، وبديهي العلم بوجود خلاف دموي على السلطة بعد النبي (ص) فكان من الضروري تحديدا فيما إذا كانت المسألة دينية، لتجنب ذلك الصراع والقتل من أجل السلطة، المبرر الوحيد لعدم استخدام النبي (ص) سلطته الدنيوية لتحديد خليفته بجلاء ووضوح هو ؛ أن النبي توفي بصفته الوجدانية الإيمانية أي كرسول ونبي يحمل رسالة الدين بما هي الصفة الأهم وله والغالبة على شخصه الكريم. هنا من المفيد الإشارة إلى شمول فكرة تفكيك العلاقة الوظيفية للحاكم والرمز الديني، حتى ولو اتحدا في شخصية واحدة، شمولها لكل الأديان؛ أي كل دين، بداعي الاختلاف والافتراق الماهوي الذي أثبتناه، فمن باب أولى كل مذهب أو طائفة متفرقة أو منبثقة من دين. كل إكراه هو خارج مفهوم الدين المتعيِّن: القيمة الجوهر للدين هي الإيمان وهو مسألة وجدانية مغيبة لا تقع في النفس إلا بالرضا والقبول الذاتي الداخلي، من هنا كان الركن الوجداني لقبول العقيدة هو عدم الإكراه، " لا إكراه في الدين " ونلاحظ هنا لام التعريف هنا للدين إنما هي لام الاستغراق ويقصد به المعنى الحاضر والمتعين في الذهن للدين، كما يقصد به لام الجنس أي جنس الدين وتاليا كل ما يستغرقه معنى " الدين " من دلالات ومعاني، إذا ينبغي ألا يشوبها الإكراه. فحالة الإكراه تنفي تلقائيا الدين؛ هنا نصل للقول: كل إكراه هو خارج مفهوم الدين المتعين. وعليه يكون أمر تشريع الحكم والحدود والجزاء والعقاب، شأن غير ديني حتى ولو مارسه الرمز الديني، بصفته حاكما للدولة ورئيسا لها، فادعاء الدولة الدينية الحكم باسم الدين ادعاء باطل، كذلك هو الحال بمفهوم تطبيق الشريعة، أي تقنين أو قنونة الأحكام والفرائض الشرعية، فبمجرد إدراج الأمر الديني، أياً كانت صورته أو شكله تحت سلطة قهر دنيوية بات الأمر خارجا عن مفهوم الدين. حيث أثبتنا انفكاك الدولة عن الدين لتباين جوهري بالوظائف والماهية: كما لالتصاق الاكراه بماهية الدولة في حين افتراقه كليا عن " الدين " حيث هو جوهر وجداني، فممارسة الحكم من قبل رمز ديني إنما هي ممارسة منفصلة عن المسألة الدينية، فالسلطة السياسية سلطة دنيوية وضعية، وهي واحدة من أركان الدولة، أما سلطة الوجدان ـ إذا جاز التعبير ـ فهي سلطة قهر ذاتي داخلي لا إكراه خارجي فيه، فأنت تمتنع عن ممارسة شهوتك الغرائزية بقهر عقلي لغرائزك، حتى في تلك الحالة التي تكون خلالها محجوب عن أي سلطة دنيوية. ولا يفهم من كلامنا هذا إنهاء دور الرسول الكريم (ص) وسيرته في أن تكون أسوة ومثالا يقتدي به الناس عامة والمسلمون خاصة، فهذا القول شطط وانحراف، فالنبي أسوة وقدوة ومثال في كل أفعاله وأقواله وسلوكه، لكن التقدير يقع هنا عند معرفة ما يختص بالحاكم وما يختص بالرسول، وهناك الجانب المعاشي والشخصي، هو أيضا جدير بالاقتداء والاتباع، لكن تبقى المفارقة قائمة بين حكم القانون الذي يسري على كافة أبناء ومواطني الدولة بشتى انتماءاتهم الدينية والعرقية والتاريخية، وبين الاقتداء بالرسول الكريم محمد كأسوة ومثال تاريخي جدير بالاقتداء والاهتداء. كمال الإيمان نتيجة مباشرة للحب، فالمؤمن بالله يحبه في المقام الأول (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) سورة البقرة الآية 165 وهل يعقل أن يكون الحب بالإكراه، فهو قضية وجدانية نفسية تترتب عليها قناعات عقلية وسلوك، بالمقابل نجد الوضع مختلف تماما عن السياسة، فأنت كمواطن لا ينبغي عليك محبة الحاكم لكنك مرغم على الاحتكام للقانون والقرار ات التي تنبثق وتصدر عنه حيث الإكراه عنصر بنيوي للدولة. لكن الأمر ليس كذلك في الحب، في السياسة تُطبق القانون وتُرغم على السير بقرارات الحكم حتى ولو كنت كارها، وتعمل من خلال القنوات الدستورية والمؤسساتية لتغير ما تجده غير مناسب أو ظالم، إما في (الدين) "الذي هو جوهر؛ بنيته الإيمان لا إكراه ولا قهر فيه. فمن غير الممكن انتسابك لدين أو اعتقادٍ وجداني وأنت كاره أو مجبر، فالإيمان بأي شيء يلزمه حب حتى ولو كان الانتماء مفارقا للمنطق أو للمحاكمة العقلية، فالمعتقد لدين ما لا يعنيه كثيرا التبرير العقلي لمعتقداته، حتى أنك تجده يزداد التصاقا بما في وجدانه وقلبه بعد عرض جدل عقلي قد يفكك أسس المعتقد، وربما يفسر ذلك التنوع الشديد في عقائد الناس والتنوع البالغ حتى داخل المنظومة الواحدة. أما في السياسة والدولة فالمصالح والمنافع والذرائع تقف جنبا إلى جنب مع المنطلقات والمبادئ وحتى القيم، فلا ثبات ولا مطلق هنا بل المتغير طبيعة بنيوية لمنطق السياسة، على العكس مما هو في العقائد والأديان في جانبها الوجداني والروحي. " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) سورة يونس ـ 13 ـ تفيدنا الآية بتقرير نهائي متعلق بشأن الإيمان؛ إن من يملك القدرة على إكراه كل البشر ليكونوا مؤمنين ليس لديه إرادة لذلك، بل إرادته متوفرة في اختلافهم، ولذلك الاختلاف خلقهم " وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} سورة هود: 118-119 أما عن ملء جهنم بالناس وغيرهم فهذه مسألة مختلف فيها، وأنا لا أرى وجوب التفريق بين صفات الله العليا كالرحمة الشاملة وإرادة رفع الحرج والإصر وتحقيق المساواة والعدل بين البشر ورفع مكانة الإنسان بوصفه معماراً للأرض وخليفة فيها، ينبغي أن تفصل عن معاني صفات القهر والجبروت وما سواها، فالصفة الأوسع هي الأغلب، فالرحمة هي للشجر والبشر والحجر، للإنسان والطبيعة أحياءً وجمادات. لأنها أقرب إلى طبيعة العلاقة الإيمانية المرتبطة بالحب أساسا ومنع الإكراه قاعدة. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾. سورة النساء الآية: 147 فالغاية ليست العذاب على الإطلاق، ولا يعقل بحال من الأحوال أن يكون هدف فكرة الخلق والاستخلاف والعمارة هو انتقام وعذاب وحرق في جهنم، فالله مستغني بذاته عن خلقه، وعلاقة الإيمان علاقة حب بالأساس، " استفهام إنكاري بين الله لنا به أنه سبحانه لا يعذب أحدا من عباده تشفيا منه ولا انتقاما بالمعنى الذي يفهمه الناس من الانتقام بحسب استعمالهم إياه فيما بينهم " ـ 14 ـ قيم الدين وقيم السياسة: إن تحول الدين لسلطة يفرز تلقائياً استبداداً متصفا بالقداسة، وبذلك يخرج الدين من وظيفته الأخلاقية المتمثلة أساسا بتحرير الفرد من أي عبودية ليرتقي إلى حرية وجودية تسمو بروحه وفكره، بعيدا عن قيود العبودية لإنسان أو رمز أو عرض، فالافتراق بين قيم السياسة والدين افتراق جوهري وليست المسألة خلافا لغويا أو تباينا في تحديد المصطلحات. صحيح أن اللغة تعبير عن إدراك الجماعة لعلاقاتها بالعالم والآخر، وتتباين ردود فعل الوعي للظواهر وتاليا الإفصاح عن تمثلها في العقل وتاليا التعبير عنها بالصوت وتصويرها بأحرف وكلمات، وصياغات ومصطلحات ـ لغة ـ لكنني هنا أذهب أعمق من مدركات اللفظ ودلالاته حتى أصل لتحديد ماهية لا يكون الدين بدونها دينا كما لا تكون السياسة سياسة. إن حرص السكولائية الدينية ـ أياً كانت ـ على خلط الدين بالسياسة ما هو إلا سعي لإسباغ شرعية للوصاية على الإنسان، و منح القداسة لحكم البشر لبعضهم البعض، نيابة أو خلافة عن الله، فلا يحق لبشر أو مؤسسة أن تقرر مصائر البشر نيابة عن الله بادعاء قيامها بأمر الله، فأمر الدين في أساسه تحرر من أي نوع من أنواع العبودية، لنلاحظ معنى العبودية المذموم المقترن بتطبيق مفهوم سياسة الدين أو الحكم الديني، فالفرد أو المؤسسة التي تفرض على الناس التحليل والتحريم، باسم النص الديني إنما هي تستعبد الناس بادعاء الوصاية الدينية وتقرير ما هو أمر الله ونهيه. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) الآية 31 من سورة التوبة. ولنسترشد بالحديث النبوي الصحيح في تفسير الآية: - قدمَ عديُّ بنُ حاتمٍ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ فسمعه يقرأُ هذه الآيةَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم، قال: أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى، قال: فتلك عبادتُهم) ـ15ـ فنحن نفهم الأمر هنا مفارقاً تماماً لما يذهب إليه التحليل الموضوعي الذي يستنتج من الآية والحديث تكفير الناس ويوجب مقاتلتهم وربما قتلهم بدعوى استجابتهم لتشريع يخالف ما نص عليه فقهاء ومجتهدون بذاتهم ودون سواهم، لأن ذلك التقييد لا نص عليه إطلاقاً في بنية الحديث والآية الكريمة. ثم إن الاختلاف في المسائل الفقهية أمر واسع وبيِّن فكيف يكون مخالفته كفراً. ولنتفحص الكلمات المصفوفة في الآية لنرى بأنها ذات ارتباط وثيق بالعبودية لغير الله، وبالقياس ما أفضى لعبودية غير الله كان مناقضاً لصلب الدين. وهذه حقيقة لا خلاف عليها، لكن الأمر ليس في الفعل ولكن في المبدأ ويظهر هذا المعنى في كلام الرسول (ص)؛ ففعل التحليل والتحريم المنكر هو ما يخالف ما قضى الله به تحديدا ـ أي المبدأ ـ وليس أحد سواه. لذلك وجب ربط مفهوم الربوبية بتجنب ما يُقرُ العبودية. وليس مجرد التشريع بمقتضى المنفعة والمصلحة ومواءمة الزمان والمكان. مظاهر الفاشية الدينية: عدما يكون المرشد العام أو الأعلى وكيل عن الله في الأرض من حيث التشريع ووجوب الطاعة، بالمعنى المباشر أو بالنتيجة، ما يعني تاليا كون كل البشر دونه ولا قيمة جوهرية ـ ربانية ـ لهم خارج تلك الولاية لأن طاعته من طاعة الله، وفي الدولة الدينية تختلط وتلتحم صفة الحكم بصفة الولي الحاكم بأمر الله، فيصبح الولي قائما ومنفذا ومسلطا على العباد بالقدرة الإلهية، ما يقتضي خضوعهم وامتثالهم لأوامره ونواهيه دون نقد أو تردد وهذا مناقض لمفهوم العبودية الربانية ولمفاهيم الديمقراطية الوضعية وفصل السلطات، لأن الفرد الولي هنا يحل فوق كل مؤسسات الدولة بما يمتلك من حق إلهي بالنقض، أي الفيتو، وهذه أفدح مظاهر الفاشية الدينية. لذلك قلنا بأن الدولة الإسلامية في المدينة المنورة كانت دولة دستورية، فالرسول محمد (ص) كان مصدراً للتشريع بحد ذاته، بما هو متلقي لأنواع من الوحي ـ القرآن والسنة ـ لكنَّ بنية الدولة القائمة دستورية فالحاكم بعد النَّبي ليس مشرعاً بل قائما بأمر الدستور؛ خاصة في الأمور الإيمانية والتصديقية وقسطٍ وافر من تشريعات المعاملات، أما خلاف ذلك فبمقتضى طبيعة النظم القائمة حسب المصلحة والمنفعة والحاجة والعلم. فحديث: أنتم أعلم بأمور دنياكم قاعدة أولية في هذا السياق. وإذا كان الحال باعتبار كل قانون أو دستور أو اتفاق يظهر معارضة للنص المقدس حُسب مرفوضاً ومنقوضاً؛ وجب الوقوف عند أبعد من ظاهر النص وبلوغ الغاية والقصد والحكمة، ولا يصح الانسياق لظاهر الدلالة المباشرة ما لم تكن مؤيدة بقرينة قصدية واضحة، أو يكون الظاهر متسقا من التوجهات والقيم الإيمانية العليا. من هنا يظهر لنا وجوب امتناع أي تشريع قانوني أو سياسي يحَوِل الإنسان لعبودية غير الله مهما كانت المبررات كالولاء والطاعة والبراءة. وإذا كان هدف التوجهات العامة تحقيق غاية نهائية هي الفوز برضا الولي بصرف النظر عن أية اعتبارات أخلاقية أو قيمية أو دينية أو تشريعية، وبسببه تنال وتحصل النجاة دنيا وأخرة، نكون أمام خروج عن مفهوم الدولة الدستورية التي أشرنا إليها كما كان الحال في المدينة المنورة وهذا صلب الاستثناء من أصول الدين فغاية الدين تحرير العباد وتحقيق النزاهة في التعاملات الإنسانية. مكانة الإنسان ليست مرتبطة بانتمائه العقائدي فوق أي انتماءات أخرى، لأن مفهوم الدولة موازٍ لمفهوم الإنسانوية ومناقض لمفهوم العبودية. والغاية لا تبرر الوسيلة، والشورى كمثال هي من حيث التقويم الأصولي المغلق المتشدد منقوضة لأنها تعني حكم الشعب ـ كل الشعب وأي شعب، لكنها في مفهوم الدولة أساس وركيزة فالحاكم بشر له ما لهم وعليه ما عليهم، ألم يقل أبو بكر وعمر بن الخطاب ذلك الكلام عند بداية حكمهم، ألم يقل علي بن أبي طالب عندما ولي الخلافة: واِنّما أنا رجل منكم لي مالكم وعلىّ ما عليكم، أما في الحالة الأصولية الداعية للدولة الدينية فينال الولي والقائم بالأمر ما لم ينله الخلفاء الراشدون في دولة المدينة المنورة. وهي في أرقى مستوياتها ولاية الأمة على الأمة، أي ولاية الأمة على نفسها، فيدخل بالتحقيق أي فرد من أبناء الأمة باعتبار الدولة أمة قائمة بذاتها حتى ولو كانت جزءاً من أمة أكبر وأوسع وأشمل. ولكن أن تأخذ الشورى مطية وعربة للوصول ومن ثمة التخلي عنها فهذا ما لا يتسق مع مفهوم الدولة المنسجم مع التوجهات والعبر والحكمة المستنبطة من سيرورة الدولة النبوية والرشيدية. فلا يصح أن تكون كل الحروب والغزوات والمهالك والاستهتار بحياة البشر مبررة ما دامت تخدم الأيديولوجيا الأصولية وتمكن الحكم الديني، الذي يجافي جوهر الدين كما بينا أعلاه. وكما يقول العلامة مؤسس علم الاجتماع والنقد التاريخي عبد الرحمن بن خلدون: وغاية أمر الإمامة ـ الحكم ـ أنها أمر من أمور الدنيا." ما يعني تلقائيا إنهاء الحكم الديني بشتى أشكاله المتعددة. أي أن الحكم ليس من صلب الدين. ولننظر ثانية لمقولة ابن تيمية: (إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة. فإن العدل مع الكفر يدوم والظلم مع الإسلام لا يدوم) فمفهوم الدولة يبدو هنا مفارقا لمنطق الدوغمائيين الذين يجعلون قيام الدولة مقترنا بقيم الدين، ولنتفكر مرة أخرى بقوله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) من سورة هود. وينبغي هنا أخذ مفهوم الظلم بعمومه كما هي دلالته الأولية، كذلك الحال عند مفهوم الفساد الذي هو نقيض الصلاح، وأيضاً معنى المترفين والمجرمين، فلا يصح قصر تلك المعاني السامية الفريدة على الدلالات المقيدة بمقتضيات الأحكام التقويمية والفقهية. بل ينبغي أخذها بعمومها وعدم حصرها وتقييدها بمقتضى التفسير المقيد بشروط لاحقة فلعل بعضها نشأ ضمن ظروف خاصة أو استثنائية وتبقى القاعدة العامة التي لا غبار عليها: قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فالشريعة عامة وكذلك التشريع، وتلك قاعدة حقوقية مدنية ليست مقصورة على أصول الفقه، فأيما حادثة أو محدث تسبب بتشريع ما لم يعد ذلك التشريع خاصاً به بل بات مقبولاً ومتاحاً ومسنوناً لعامة الخاضعين لنصه بمقتضى الدستور. ونشير هنا إلى المفاهيم المدنية للنصوص الدينية والتي في شقها الحياتي والمدني، أي غير الإيمانية التصديقية، هي أمور مشتركة بين الناس وما يصلح لفئة أو مجتمع أو شعب قابل ليكون كذلك عند غيرهم مع الافتراق في مسائل الاعتقاد التصديقي. ماهية الأخلاق: المنطق والأخلاق الأخلاق كمفهوم أنطولوجي الأخلاق كما ذكرنا سيمياء إنسانية، ومقترنة بوجود عقل، فالأتقيا ليست علما طبيعيا أو فيزيائيا، إنه محض عقل وقصد واعٍ، فالقواعد المنطقية أداة أتقية، فالتناقض الموضوعي بين قيمة أخلاقية سيئة، على سبيل المثال، عقوق الوالدين، يناقض الفعل الطبيعي للوجود، تنحاز الغريزة، الحيوانية ـ الطبيعية ـ نحو خُلق جيد بحالة اعتيادية أو بيولوجية، استثنائية، علاقة البشر بالحيوانات المنزلية، في الحالة البشرية المقترنة بالوعي والإدراك الحسي، يتحول بالخبرة لحدس. يتأصل الانحياز الخلقي بما هو ماهية منطقية، فيرتقي الفرد إنسانيا بسموه الخلقي وتاليا يخسر الفرد جزءا من ماهيته الإنسانية متناسب طردا مع اقترابه من الأخلاق السيئة، وأساس الخُلق الحسن تطور عقلي سلوكي " تطبيقي" لمعاني القيم الخيرة، كالعدل والصدق والتضحية والإحسان والوفاء والحب وغيرهم كثير، مكتسبة بالتجارب الفردية الذاتية، باستبطانٍ مباشر مع تاريخانية خبرة المجتمع. جدلية معيارية الأخلاق تفرض عرضا موضوعيا تتموضع فيه بعيدا عن القهر والسلطة، هكذا لا تكون الأخلاق معيارية، أي مرتبطة بقواعد وقيود خارجية، بل اختيار حر عاقل منزه عن المنفعة والمصلحة كما في التصور الكانطي، أي اتساق مع الوعي الوجودي. هنا يبرز التساؤل التالي هل الالتزام بالقوانين الوضعية أو الأعراف والتقاليد الاجتماعية أو الحدود الدينية فعل أخلاقي؟ وبمعنى آخر تصبح الحرية محمول أخلاقي، فالخيار الحر العاقل مؤدى طبيعي لوعي أخلاقي، وبصياغة محايثة، لعرض هايدغر بأن الحرية ماهية الإنسان، تعدل الأخلاق لخيار فطري دون ارتباط مفهوم الفَطرة بالإرادة؛ فتعلق المفهوم بالضمير وانزلاقه قبالة الوجدان يخرجه منطقيا من حيّز الجبر الخارجي إلى مناط الحدس ـ التفكر ـ القصد المباشر التلقائي، حيث يتصل تلقائيا بتموضع الأخلاق الاجتماعية والدينية، البيئة والثقافة والمحيط. هنا تبرز قيمة الفعل الأخلاقي المتحرر من الوصاية والتبعية، غير منحاز لصيغة السلوك البراغماتي أو الانتفاعي، وتبقى إمكانية وجود أخلاق ترنستندالية قبلية ـ مثالية، ـ فردية ـ بفعل التعقل الحر شديدة القرب من مفهوم الأبستمولوجيا، ما يسمح لنا باعتبار فعل الأبستمي ـ فعل التعرَّف ـ قضية أخلاقية، بهذا التشكيل والتسلسل المنطقي تغدو فكرة الأخلاق واحدة من محمولات الأنطولوجيا. بهذا المنطق لا ترتبط ماهية الأخلاق بالعقائد من حيث مادتها الأولية، ويعد هذا المعنى بصورة جلية القول المأثور عن النبي محمد (ص) سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّمَ: أيُّ الناسِ أَكْرَمُ ؟ قال: أَكْرَمُهُمْ عندَ اللهِ أَتْقَاهُمْ . قالوا: ليس عن هذا نَسْأَلُكَ ، قال: فَأَكْرَمُ الناسِ و في روايةٍ: إنَّهُ الكريمُ ابنُ الكريمِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نبيِّ اللهِ ابنِ نبيِّ اللهِ ابنِ خَلِيلِ اللهِ . قالوا: ليس عن ذلكَ نَسْأَلُكَ ، قال: فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلونِي ؟ قالوا: نَعَمْ ، قال: فَخِيارُكُمْ في الجاهليةِ خِيارُكُمْ في الإسلامِ إذا فَقِهوا) ـ 16 ـ وينص عليه بلا مواربة مدلول الآية 8 من سورة الممتحنة ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الحقوق الفردية والعدالة قيم دينية مقررة بالاتفاق، والديار حق ذاتي والعدل واجب ملزم؛ ننصرف لنتنبه إلى المفردات الأخلاقية التالية الواردة في الآية الكريمة: تَبَرُّوهُمْ ، تُقْسِطُوا ، يُحِبُّ ، الْمُقْسِطِينَ، لَّا يَنْهَاكُمُ، فنجدها تشيع جوا من الألفة والتعاطف وكسر الحواجز بين بني آدم كافة؛ تواصلوا وتبادلوا وتحابوا وبروا بعضكم وأقسطوا فيما بينكم، فالله ـ الخير الكلي كعقل مثالي ـ يمتدح ذلك السلوك ويحب المتحلين به، وبتعليق النظر عن السرد المقايض للنص، ينبغي أن تكون آية الممتحنة مفسرة ومُؤَّولة لآية التوبة ـ آية السيف ـ وليس العكس كما جرت العادة وكما عرف الفقهاء والمفسرين، فهي، أي آية الممتحنة، منسجمة مع قيم المساواة والتكريم والعدالة، طالما أن الأساس طيف ( لا إكراه في الدين) فالكل مهما اختلفت عقائدهم سواسية في الإنسانية وتحت العقل المنفعل ومنه في مفهوم المجتمع الطبيعي. وحتى بالقياس المنطقي، ففعل التخلق مضَايف لموضوع التفكر وتاليا الوجود. لنضرب مثالا عمليا يوضح علاقة الأخلاق بالقوانين والحدود؛ رجل ميسور الحال متدين يقيم في بلد إسلامي متزوج من ثلاث نساء يعاملهن بالعدل والقسط ما استطاع، يرغب بتجديد شبابه فيطلق الأولى والثانية ويبقي على الصغيرة، هو ملزم فقط بمؤخر الصداق ونفقة العدة لأربعة شهور، المطلقتان بعد عقود من الخدمة بعمر لا يَعِدُهن بمتابعة الحياة كنساء يحظين بمكانة تؤهلهن للزواج ثانية ومتابعة العيش بشكل طبيعي، الرجل له الحق باستبدال زوجتيه المطلقتين بصبيتين فتيتين لم يلمسهن قبله ذكرٌ من صنف الرجال. الحالة القانونية والشرعية الموصوفة سليمة تماما، أما التقويم الأخلاقي فيضع الزوج في غياهب الظالم والمفتري والجاحد. لأن ممارسة الحق الفردي تفترض بمعيار أخلاقي ألا تسبب ظلماً أو ضرراً للغير ما لم يكن مبرراً. وهذا في حقيقته مخالف لجوهر العبودية لله وحده، أي مبدأ التحرر من كل صنوف العبودية المباشرة والضمنية، فالاستلاب للشهوة أو الغريزة جنس من نوع العبودية. تلك هي الأخلاق العملية المستندة لتقويمات عقلانية منطقية متحررة من المعايير الاجتماعية والتشريعية. الأخلاق والسياسة: وتلك مسألة أساسية تمت التطرق إليها قديما ومازال البحث عندها قائما ولعل أول من بدأ المقالة فيها هو محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ، أبو نصر الفارابي، ويعرف بالمعلم الثاني (المتوفى: 339هـ) الفارابي من الفلاسفة العرب في كتابه مجموع في السياسة. ومن الكتب الشهير أيضاً كتاب المعلم الأول أرسطو (384-322 قبل الميلاد) في السياسة. وسنعتمد بصورة رئيسة لقيام هذا المبحث على الكتاب الجامع "الأخلاق والسياسة" للدكتور إمام عبد الفتاح إمام. " الإنسان حيوان أخلاقي كما ذهب كانط ـ April 22, 1724,ـ February 12, 1804 معبراً بذلك عن الفكرة التي تقول أن الأخلاق خاصة لسلوك الإنسان وحده دون غيره. والإنسان هو وحده الموجود الحامل للقيم الأخلاقية كما يقول هارتمان 1882 ـ 1990 عند هيغل August 27, 1770,ـ November 14, 1831" الأخلاق طبيعة ثانية للإنسان لأن طبيعته الأولى هي وجود الحيواني المباشر" " قواعد الأخلاق منبثقة من الضمير ومتجهة نحو الفرد بقصد تطهر النفس والعروج بها الى مراقي السمو والكمال الإنساني" الفرق بين الأخلاق والسياسة: 1ـ قيام الأخلاق على أساس تحقيق قيم شخصية عالية وإقامة القوانين السياسية على أساس تحقيق قيم اجتماعية نفعية معينة. 2ـ الاخلاق تخضع الفرد لضميره في تطلعه الدائم نحو السمو القانون يخضع الفرد للجماعة الساعية حثيثا نحو تحقيق مصالحها وإقامة النظام والاستقرار بها 3ـ اذن القانون او التنظيم السياسي هو نظام اجباري، بينما الأخلاق نظام فردي او شخصي. ـ17ـ ويحضر هنا سؤال هل الأخلاق مسألة شخصية بحتة أم أنها مسؤولية، ما يفيد وجودها في صلب التنظيم السياسي والقانوني والاجتماعي؟ وهل هي فعل حر وإرادة محكومة بالتفكير المنطقي السليم. " الفعل الحر: ذلك الفعل الذي كان يمكن للفاعل ان يختار سواه "الفعل الأخلاقي فعل حر" وإذا لم يكن الفعل حرا خرج من دائرة الأخلاق. ـ18ـ ونتطرق هنا لمفهوم النية أخلاقيا التي يمكن أن نطلق عليها إرادة الخير كما يسميها كانط ونتطرق للتفكير فيما إذا يبقى الفعل أخلاقيا إذا أصدر عن نية طيبة او خيرة. " قيمة الفعل الأخلاقي لا تتوقف على النتائج التي يحققها او يحاول تحقيقها بل تتوقف على المبدأ او القاعدة التي يؤدي الإنسان بمقتضاها واجبه. " الفعل الأخلاقي يفترض مقدما قدرة الفرد على معرفة الخير والشر والتمييز بينهما، ثم اختيار أحدهما بفعل مراوغ يستهدف تحقيق غاية أخلاقية معينة يسعى الفاعل اليها بإرادته" ـ19ـ ـ مصدر الأخلاق والسياسة: حسب د. إمام يستمد القانون الأخلاقي وجوده من الأفكار المستقرة في شعور الأفراد وضمير الأمة سواء كان مصدرها الدين أم الفلسفة وهي قواعد وقوانين عامة لا ضوابط تنفيذية. السياسة كغاية تستهدف الجماعة في المقام الأول منافعها ومصالحها. لا تستهدف الكمال بل غايتها تحقيق الأمن والنظام داخل الجماعة، تتعدد الآراء ولديها تنافسية. من نقائص السياسة تحويل قواعد سياسية لتصبح قيم أخلاقية مثلا حزب الجديد وحزب المعاصر الذي ينتمي للجديد خلوق والذي ينتمي للمعاصر فاسد أو العكس هذا المنطق ليس من السياسة في شيء كما أنه ليس من الأخلاق. ـ السياسة مرتبطة بالواقع بشدة. أما مصدر السياسة المباشر فهو السلطة التشريعية تتبنى قواعد محددة ولها ضوابط تنفيذية. " المصدر المشترك هو العيش في جماعة " ـ20ـ تسعى السياسة للتدخل في الأخلاق عبر أيديولوجيا يقوم عليها البنيان الفكري السياسي، وهنا تختلط القيم السياسية، كالانتماء والولاء والمبادئ الأولية للهيئات السياسية بالقيم الأخلاقية، وتتحول الأولى لتصبح أساساً للثانية فيصور السياسي مقدماً على الأخلاقي، فيغدو الأمر هنا مناقضاً للترتيب الطبيعي؛ بحيث أصبح الفرع مبتدأ للأصل. فالنظرية النفعية مثلاً تجعل المنفعة أصلاً ومعياراً أي أن تحديد الخطأ والصواب والجيد والفاسد مرتبط بقدر ما يجلب من المنفعة. في حين ترى النظرية المثالية أن الأصل هو المبدأ القائل بأن الإرادة الحرة العاقلة الخالصة نحو الخير بما هو فكر عقلي منطقي محض ينبغي أن تكون متحررة من كل مصلحة ومنفعة. يرى الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (و. 5 أبريل 1588 - 1679) في رسالته مبادئ القانون الطبيعي والسياسي"، ( المصلحة والواجب الأخلاقي هما شيء واحد في هذا المذهب الطبيعي الأخلاقي) القانون الطبيعي والأساس الأول هو أن الناس ينبغي عليهم أن "يبحثوا عن السلام ويتبعوه، ينبغي أن يلتزم الناس بتنفيذ ما يبرمونه من عقود" التي بدونها تصبح العقود، بالطبع، عديمة الجدوى، وقوانين الطبيعة ثابتة وأبدية؛ لأن الظلم، ونكران الجميل، والتكبر، والكبرياء، والبغي، والمحاباة، وغيرها، لا يمكن أن تكون على الإطلاق أمور مشروعة وقانونية. لأنه لا يمكن مطلقاً القول بأن الحرب يمكن أن تحافظ على الحياة، وأن السلام يدمرها. ـ21ـ ويعاب على الفيلسوف هوبز إيمانه بالحكم المطلق للسلطة بما هي أمراً لا غنى عنه للنظام الاجتماعي والوحدة الوطنية. وهذه مفارقة تحد من قيمة الفكر والتحرر والإرادة الطبيعية لدى الإنسان. للفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو نظرية متكاملة في السياسة والحكم والأخلاق، أكمل مسيرة الفكر التي بدأها معلمه أفلاطون في كتاب المدينة الفاضلة، وبنى على هيكله مباحثه وحتى مقولاته وأفاض في رؤية نقدية لما ورد فيها وأسس لأطروحة كاملة جمعت بين الفكر النظري والعملي. ـ22ـ (أرسطو لا يرى فارقا جوهريا بين علم الأخلاق وعلم السياسة وعلى هذا يرى أرسطو أن علم السياسة كعلم يتناول مجتمعا أخلاقيا بأسره يسعى إلى الخير الكامل الذي لا يمكن تحقيقه إلا بالعمل المشترك. وهو علم الأخلاق في أسمى صورة فهو علم يبحث في واجب الإنسان كله. واجب الإنسان في بيئته واكتمال أفعاله وعلاقاته. يعتقد أرسطو أن هناك وحدة بين علم السياسة والفلسفة الأخلاقية لأن الشريعة الأخلاقية للدولة هي نفسها القانون الحق أو الصواب. كما أنه لا يوجد أي تمييز بين نظرية القانون المدني ونظرية القانون الأخلاقي وعلى ذلك يكون "علم السياسة" ثلاثي الأضلاع: نظرية للدولة ـ نظرية للأخلاق ـ نظرية للقانون ـ23ـ السياسة والأخلاق عند أفلاطون لا ينفصلان. المدينة الفاضلة هي التي تتحقق فيها الفضائل الأربعة 1ـ الحكمة 2ـ الشجاعة 3ـ العفة 4ـ العدالة. " إن الدولة هي هذه النفس في صورة مكبرة" أفلاطون. " إن وظيفة الشيء هي ما يؤديه هذا الشيء على أفضل نحو ممكن" أفلاطون. ففضيلة العين هي الرؤية الواضحة وفضيلة الأذن هي السمع والنفس وظيفتها الحياة، وفضيلتها وامتيازها الحياة الطيبة أو الصالحة. يرى أفلاطون أن "جميع الظواهر الاجتماعية هي من آثار النفس" ويقول: إن الدولة لا تنشأ من أشجار البلوط بل من شخصيات الرجال الذي يعيشون فيها" ويقول سقراط: إعطاء كلٍّ حقه، ليس من العدالة في حال من الأحوال أن نضر أحداً. "الجمهورية ص26" ترجمة حنا خباز ـ 24 ـ الفيلسوف الألماني كانط صاحب أهم نظرية مثالية أخلاقية : لا يبرر العنف بالعنف المضاد، ويجيب على سؤال: هل يمكن مواجهة عنف الدولة بعنف مضاد؟ بـأن "منع كل أشكال المعارضة منع مشروع" ويرى لوك أن الدولة تستمد مشروعيتها بواسطة قدرتها على توفير الحقوق المدنية للأفراد. أي أنه ينبغي على الدولة تحقيق الوسائل وتشريع السبل لتعيين أفراد المجتمع مع ممارسة حقوقهم وحرياتهم. ووجوب احترام شرعية الدولة أمر لا مفر منه بل هو يتخذ صفة الواجب، ولكن هذه الشرعية التي نالتها الدولة ليست مقدسة ونزهة بالمطلق بل هي زمنية وأخلاقية. بناءَ على أن دور الدول صيانة الحياة والملكيات والحريات. وتحققي الأمن والسلام والعيش المشترك. وجعل لوك في القوانين الفطرية التي أوجدها الله للناس والظروف الناجمة عن الذائقة الإنسانية الطبيعية الموجودة في البشر كفطرة، هي بحد ذاتها قوانين مقيدة الإرادة البشرية والإنسان أي أنها تشكل قيوداً فردية واجتماعية. ويستطيع الإنسان الوصول إلى تلك القوانين والتعرف عليها والتعامل معها بقدر من التفكر. فمثلاً حرية الإنسان قد لا تعطيه الحق بالانتحار. ـ25ـ نظرية العقد الاجتماعي: أرجع جون لوك إمكانية وجود الدولة إلى وجود الإدارة المشتركة للأفراد واتفاقهم على إنشاء مجتمع سياسي "دولة" ونستطيع الوقوف عند الترابط الوثيق الصلة بين الأخلاق كقواعد طبيعية وكعلم قائم بذاته، وبين مضامين مفاهيم السياسة والدولة والمجتمعات البشرية. ونخلص إلى أن تفكيك تلك الروابط خارج منظومة الأديان ليس من قبيل إقصائها بل هو سعي للمواءمة بين الماهيات المتباينة والقابلة للترابط والتشابك بواسطة محددات تمنح مكانة لائقة لأي منها كمنطلقات قيميَّة إنسانية وضعية ودينية تشكل السردية التاريخية للجنس البشري. فمبدأ التكامل وهنا مقدم على مبدأ التفاضل، وبعبارة أخرى يكون من الأنسب بل الأوجب تحقيق المصالحة والمشاركة والتداولية عند النظر والتفحص لمعاني ومفاهيم الأخلاق والدين والسياسة والدولة. يقول دكتور إمام محمد إمام: لست أدري لِمَ لا يكتب المفكر المسلم ما يكتب باسمه هولا باسم الإسلام حتى لا ينخدع السذَج فيعتقدون أن ما يقوله هو "رأي الإسلام" وأن مناقشته بالتالي، كفر وضلال. ـ 26ـ فنحن في النهاية نقدم وجهات نظر ورؤى نطرح خلالها ما نتصوره راجحاً وصواباً، وهي قراءات تنتسب إلى قائلها في المقام الأول. وقد تكون موافقه لمنهاج ومدارس ونظريات قائمة وقد تقدم مطروحات أو نظريات جديدة كل الجدة. فلا فائدة ترجى من تكرار النقل ما لم يحتوي إضافةً حقيقيةً على المضامين من حيث التصنيف والتدقيق والتحقيق والنقد من جهة، وفهم المعنى والقصد، من جهة أخرى، وإلا كان استجراراً لا طائل منه ولزوم ما لا يلزم.
مراجع وإحالات: 1 ـ استشارة النبي لأصحابه في غزوة بدر من مشاهير الأخبار وثبتت مشاورته في صحيح مسلم شرح الإمام النووي على مسلم كتاب الجهاد والسير باب غزوة بدر حديث رقم 1779 ن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلم أبو بكر فأعرض ص: 1404 عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقام سعد بن عبادة فقال إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضْناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. وفي سيرة ابن هشام، في أكثر من موضع. وفي رواية البخاري شاهد لحديث الأنصار وكلام المقداد بن عمرو. 2 ـ خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحُليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث - ص 1532 - عينا له من خزاعة وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال: إن قريشا جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين، قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله " البخاري 3944 3ــ كما روى الإمام البخاري في صحيحه أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين)). قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدّنا عنه قاتلناه. قال: ((امضوا على اسم الله)) كتاب المغازي باب صلح الحديبية 67-5 3 ـ البخاري في صحيحه وغيره عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قصة صلح الحديبية 4 ـ ـ المصدر السابق 5ـ سيرة ابن هشام (2/314) نسخة pdf 6 ـ مصدر سابق (2/315) 7 ـ مصدر سابق (2/315 ) 8 ـ مصدر سابق ( 2/ 316 ـ 317 ) 9ـ سيرة ابن هشام [ 2 ص 318 ]
10 ـ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ( كِتَاب الْجِهَاد وَالسِّيَرِ ) ( بَاب غَزْوَةِ بَدْرٍ ) ح 3336: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ " أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، 11 ـ تفسير القرطبي: قوله تعالى: وشاورهم في الأمر يدل على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي فإن الله أذن لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو، وتطييبا لنفوسهم، ورفعا لأقدارهم، وتَأَلُّفاً على دينهم، وإن كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوحيه. روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعي. قال الشافعي: هو كقوله ( والبكر تستأمر ) تطيبا لقلبها لا أنه واجب. وقال مقاتل وقتادة والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم: فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يشاورهم في الأمر: فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم. فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم. وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحي. روي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا: ما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته من بعده. وفي قراءة ابن عباس: " وشاورهم في بعض الأمر " 12 ـ يقول محمد رشيد رضا في تفسير المنار جزء 4 تفسير الآية 256 من سورة البقرة: وشاورهم في الأمر } العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف والأمن وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية، أي دم على المشاورة وواظب عليها، كما فعلت قبل الحرب في هذه الوقعة (غزوة أحد) وإن أخطأوا الرأي فيها فإن الخير كل الخير في تربيتهم على العمل بالمشاورة دون العمل برأي الرئيس وإن كان صوابا، لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم ( المشاورة ) فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر. 13 ـ وفي معنى هذا قوله تعالى: { ولو شاء الله ما أشركوا } ( 6: 107 ) وقوله: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } ( 11: 118 ) والمعنى الجامع في هذه الآيات أنه لو شاء الله ألا يخلق هذا النوع المسمى بالإنسان المستعد بفطرته للإيمان والكفر، والخير والشر، الذي يرجح أحد الأمور الممكنة المستطاعة له على ما يقابله ويخالفه بإرادته واختياره، لفعل ذلك ولما وجد الإنسان في الأرض، ولكن اقتضت حكمته أن يخلق هذا النوع العجيب ويجعله خليفة في الأرض, المصدر السابق. 14 ـ محمد رشيد رضا تفسير المنار سورة النساء الآية 147 نسخة الكترونية. 15 ـ أخرج مثله الترمزي وصحح روايته الألباني في صحيح الترمزي، وحسَّن هذه الرواية ابن تيمية. المصدر الدرر السنية. 16 ـ الراوي: أبو هريرة | المحدث: الألباني | المورد: صحيح الأدب المفرد | الصفحة أو الرقم: 96 | خلاصة حكم المحدث: صحيح . مصدر سابق. 17ـ إمام عبد الفتاح إمام: الأخلاق والسياسة، دراسة في فلسفة الحكم المجلس الأعلى للثقافة. 202 القاهرة صفحة 72 ـ 73 18 ـ المصدر السابق: صفحة 74 19 ـ المصدر السابق صفحة78 20 ـ المصدر السابق صفحة 91 21 ـ المصدر السابق صفحة 153 22 ـ السياسة. أرسطوطاليس. ترجمة لطفي السيد أحمد منشورات الجمل، بغداد. بيروت 2009 23 ـ إمام. الأخلاق والسياسة صفحة 145 وما بعدها 24 ـ ملخص من الصفحات 160 ـ 165 مصدر سابق. 25 ـ ـ أطروحتان حول الدولة "جون لوك" صياغة مفاهمية. 26 ـ إمام ، الأخلاق والسياسة صفحة 44
#احسان_طالب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ثورة العقل لزوم التنوير
-
بحث في المنطق، تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية
-
قواعد المنهج في علم الظاهراتية. الموسوعة الفينومينولوجية
-
تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هاي
...
-
الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا
...
-
الترجمة والتأويل بنسق فلسفي ظاهراتي
-
-فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي
...
-
الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ
...
-
ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية (
...
-
نظرية إحسان طالب في المسؤولية والوعي اليقين الماهوي والحدس ا
...
-
الدولة ما بين هيوم وهيغل. مبحث فينومينولوجي
-
نقد نظرية ميشال فوكو حول السياسة الروحية. نظرية الخميني ونظر
...
-
الوعي بالشعور سُبل التفكير الايجابي
-
في مفهوم الديموقراطية الالتباس والواقعية السياسية
-
ثقافة التسامح بين الفكر الوصفي والفكر الغائي وفي ضوء علم الن
...
-
الفرق بين النويما والنويزس في فلسفة أدموند هوسرل*
-
ثنائية العقل والنقل تفكيك التعارض دراسة فلسفية*
-
الاقتصاد الإسلامي التحديات والآفاق دراسة مقارنة
-
الكَلِماتُ والْمَعاني ما يُعَوَّلُ عَلَيْه بَيْنَ الفَلْسَفَ
...
-
القاموس التاريخي لفلسفة هوسرل جون جيه. دروموند
المزيد.....
-
تقرير يرصد قارات العالم الأكثر تضررا من استنزاف مخزونات النف
...
-
آنيّا تايلور-جوي ترتدي كورسيه جلدي من التسعينيات في اليابان
...
-
ترامب: نتعامل الآن مع أشخاص -أكثر عقلانية- في إيران نحو اتفا
...
-
صور موثقة تظهر تدمير طائرة أمريكية في قاعدة سعودية
-
مهلة ترامب لإيران .. غموض استراتيجي أم غياب رؤية للخروج من ا
...
-
قصف مشترك بين حزب الله وإيران على إسرائيل واستهداف منشأة لتك
...
-
الحرس الثوري الإيراني يؤكد مقتل قائد قواته البحرية علي رضا ت
...
-
البرلمان الإسرائيلي يصادق على زيادة -هائلة- في ميزانية الإنف
...
-
الرئيس السوري الشرع يلتقي الرئيس الألماني وسط جدل سياسي وإعل
...
-
مشاركة إسرائيلية في العملية الأمريكية البرية المرتقبة على إي
...
المزيد.....
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
المزيد.....
|