أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نبيل عبد الأمير الربيعي - تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)















المزيد.....

تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 10:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قدم العلامة د. نوري جعفر الجزء الثاني من كتابه (طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف)، وهو حصيلة أكثر من اثنتي عشرة سنة من البحث والتفكير العميق، عاشها بعيداً عن أسرته ومواجهة صعوبات متعددة، منها تعذر إيجاد مصطلحات عربية دقيقة.
يتناول هذا الجزء نظريات بافلوف حول النوم، الأحلام، والاضطرابات العصبية، مع موازنتها بالآراء الغربية، لا سيما فرويد، مستنداً إلى الفسلجة العصبية المركزية كأساس علمي لفهم النفس والسلوك البشري. ويكشف هذا المسار كيف يتحول علم النفس والتربية من مجرد تأمل فلسفي إلى معرفة علمية دقيقة، تتجذر في حقائق الجهاز العصبي، وتربط بين النظرية والتجربة.
إن اعتماد علم النفس والتربية على الفسلجة الحديثة يكسر قيود التأمل الفلسفي الأفلاطوني، ويفتحها على ثروة معرفية غنية مستمدة من العلوم الطبيعية والرياضيات. فالفسلجة تمدنا بفهم دقيق لطبيعة جسم الإنسان، وبخاصة الجهاز العصبي المركزي ودماغه، الذي يمثل أداة التفكير والانفعال والسلوك. ومع ضخامة المعطيات العلمية المتوافرة اليوم، يعرض هذا الملخص الملامح الكبرى المرتبطة مباشرة بعلم النفس والتربية، لتوازن بين الحقائق العلمية الراسخة وبين الافتراضات الميتافيزيقية غير المبنية على تجربة. هذا الاستناد للعلوم الطبيعية هو ما أتاح التقدم المذهل لعلم النفس منذ القرن السادس عشر حتى اليوم.
كشف التغلغل في العمليات الحيوية داخل الأجسام الحية عن الجذور الفيزيائية والكيميائية للوظائف العضوية، ففتحت أمام الإنسان الحديث آفاقاً واسعة للسيطرة عليها، كما سيطر على الطبيعة الجامدة بفضل تقدم العلوم.
تشير الدراسات الفسلجية الحديثة إلى أن دماغ الإنسان يستهلك في الدقيقة ما يعادل استهلاك الجسم كله أثناء الراحة، ما يفسر سرّ تأثره السريع بنقص الأوكسجين. أي توقف جزئي أو كامل في الدورة الدموية يؤدي فوراً إلى اضطراب في نشاط المخ والجسم، وقد يفضي إلى الموت خلال دقائق معدودة إذا لم تُتخذ الاحتياطات. حتى الانحباس المؤقت للدم في المخ يسبب الإغماء، بينما يزداد تدفق الدم أثناء نشاط الذهن المركّز. هذا يوضح أن الدماغ، كعضو الفكر والحياة العاطفية، شديد الحساسية، وأن أي نقص حاد في الأوكسجين قد يؤدي إلى تدميره والموت المحتم.
ثبت أن استعادة نشاط القلب بالدلك بعد توقفه لفترة تتجاوز ثلاث دقائق لا تكفل بالضرورة بقاء المريض على قيد الحياة إذا لم يستأنف الدماغ عمله ويحصل على كفايته من الأوكسجين. فحتى عند عودة القلب للعمل مؤقتاً، قد يبقى المريض في حالة إغماء ويموت إذا عجز المخ عن استعادة نشاطه، إذ يتوقف معظم خلاياه عن العمل — موتها البيولوجي.
توقف القلب والتنفس لا يعني دائماً موت الدماغ فوراً؛ هذه الحالة تُعرف بالموت الكلينيكي، وهي حالة وسطية انتقالية بين الحياة الكاملة والموت البيولوجي الحقيقي، حيث يمكن إعادة الحياة للجسم بوسائل تنشيط القلب والتنفس إذا لم يتوقف المخ نهائياً عن العمل. وهكذا، يصبح الموت الكلينيكي جسراً بين النشاط الحيوي الكامل والموت البيولوجي الذي يحل حتماً عند توقف الدماغ عن العمل.
حتى وإن أعاد الأطباء للقلب نبضه والتنفس عمله بالوسائل الاصطناعية، فإن الشخص يبقى (ميتا) إذا ظل دماغه معطلاً، إذ تتوقف حياته العقلية بالكامل. أما إذا انتعش الدماغ أثناء فترة الموت الكلينيكي، تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي. ومع ذلك، الموت البيولوجي حتمي عاجلاً أم آجلاً، وفق قانون الطبيعة.
وقد ثبت أن قدرة المخ على امتصاص الأوكسجين تتناقص مع تقدّم السن، وأن صرخة المولود ليست احتجاجاً على القيود كما افترض كانت، ولا شعوراً بالنقص كما قال فرويد، بل تعبير فسيولوجي عن عدم اكتمال نضج خلايا المخ الهرمية المسؤولة عن المشي والعضلات المرتبطة به. وتبلغ مرونة الدماغ أقصى مستوياتها في السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل، قبل أن تتجه نحو التحجر الوظيفي.
الطفل في السنوات الخمس الأولى من حياته يمتلك مرونة دماغية هائلة، تجعل هذه الفترة حرجة لتوجيهه ثقافياً واجتماعياً. فإذا افتقد البيئة المناسبة، يصبح لاحقاً صعب التدريب، ويصعب رفع مستوى تفكيره إلى ما يحققه أقرانه في المجتمعات الراقية. تضاعف المخاطر إذا أصيب الطفل بحمى طويلة الأمد أو تعرض لنقص التغذية، إذ يؤثر ذلك على خلايا دماغه ويؤدي إلى تخلف عقلي جزئي.
هذه المرونة المبكرة تفسر أيضاً السلوك الحيواني للأطفال الذين فقدوا الحياة الاجتماعية وعاشوا بين الحيوانات. من الناحية المورفولوجية، يتميز مخ الطفل بقشرة مخية غير ناضجة وخلايا عصبية بدائية، بينما تكون مراكز المخ السفلي المسؤولة عن الوظائف الحيوية أكثر نضجاً، ما يفسر ضعف مقاومته وسهولة تأثره بالاضطرابات التنفسية والهضمية. هذا التفسير العلمي يختلف جذرياً عن التأويل الميتافيزيقي لفرويد حول الطفولة والجنس.
ينمو الجانب الانفعالي لدى الطفل أسرع من نضج مخه، ما يجعل حياته الانفعالية غنية ومكثفة. وقد لاحظ فوكت (1817–1895م)، عالم الفسيولوجيا الألماني، أن مخ رجل توفي في الخمسين كان أكبر من جسده بعشر سنوات، نتيجة انقطاعه عن النشاط العقلي الطويل، ما أدى إلى فقدان خلايا عصبية عديدة—دليل على أن الخمول يضعف المخ، ويبرر تشجيع المجتمعات المتقدمة للمسنين على النشاط العقلي والجسدي المستمر.
ركز بافلوف اهتمامه في علم المنعكسات الشرطية على التعبيرات الموضوعية لنشاط المخ، وكشف القوانين الفسيولوجية التي تحكم ارتباط الإنسان والحيوان بالبيئة، فبين أن عدداً محدوداً من المنعكسات غير الشرطية يولد طيفاً هائلاً ومتعدداً من الأفعال الشرطية، ما يمكن الكائن من التكيف بأفضل صورة ممكنة.
يرى بافلوف أن المنعكسات—الشرطية وغير الشرطية—استجابات منظمة يقوم بها الجهاز العصبي المركزي للكائن الحي تجاه المنبهات البيئية. فالمنعكس غير الشرطي فطري، مثل إفراز اللعاب عند الطعام، بينما المنعكس الشرطي يكتسب تدريجياً عبر تكرار الربط بين منبه محايد (كالجرس أو ضوء المصباح) ومنبه طبيعي.
تكمن قيمة دراسة بافلوف في فهم النشاط العصبي الأعلى: كيف يولد الدماغ لدى الإنسان والحيوان سلوكيات تكيفية من خلال الربط الشرطي، مستنبطاً من تجاربه قوانين النشاط العصبي ونشوء المنعكسات الشرطية عبر التعلم والخبرة.
المنعكسات الشرطية تنقسم إلى طبيعية واصطناعية: الأولى استجابات مكتسبة تجاه منبهات ذات خواص جوهرية، كالروائح أو الأصوات الملازمة للطعام، مثل إفراز اللعاب عند الحيوان أو الإنسان الجائع. أما المنعكسات الشرطية الاصطناعية فهي استجابات تجاه منبهات محايدة في الأصل، كالجرس أو ضوء المصباح أو ظهور شخص معتاد على إحضار الطعام، بعد أن ترتبط بتجربة الطعام.
من خلال تجاربه، كشف بافلوف عن خصائص النشاط العصبي الأعلى، وأنماط الجهاز العصبي المركزي الأربعة المشتركة بين الإنسان والحيوان، المطابقة في المبدأ للأمزجة الأربعة التي وصفها إخوان الصفا. وتُقسم هذه الأنماط إلى مجموعتين: متطرفة وقوية مندفعة حيث تسيطر الإثارة على الكف، وضعيفة حيث تتراجع كل من الإثارة والكف معاً.
المجموعة الثانية من أنماط الجهاز العصبي المركزي هي المعتدلة، حيث تنسجم عمليتا الإثارة والكف بكفاءة، لكنها تنقسم بدورها إلى فئتين بحسب ديناميكية تبادلهما: فئة هادئة بطيئة، وأخرى نشطة سريعة الاستجابة حسب الظروف.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
- إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
- نوري جعفر والفكر البشري بين طبيعته وتطوره
- حين تسكن الروح جسداً آخر
- نوري جعفر… كيف نصنع الإبداع؟ قراءة في الدماغ والبيئة والإنسا ...
- نوري جعفر… الإبداع بين الدماغ والإنسان
- عبد الكريم هادي جبار الأصفر… سيرة البدايات الأولى:
- چكنم… حكاية بائع من ذاكرة الديوانية
- المنفى والاحتجاج في شعر عبد الرزاق ناصر الجمعة
- المارِدة والصبايا: سردية الألم والنجاة
- القراءة بوصفها تمرّدا
- حين تعجز الكلمات عن وصف الألم
- هكذا يعيش المناضلون
- إليها حين تتكلم الروح
- من أراد راحة البال فليترك التحزّب والأحزاب
- الضعف والتداعي الذي اصاب جسد اليسار
- الأزرق… بين أسطورة الحماية وعمق المعنى الإنساني
- بين خوف المنفى وامتحان الاندماج
- أنور شاؤول: بين مياه الفرات وأفق الحرية
- الصابئة المندائيون في العراق الحديث: بين ضوء التاريخ وظلال ا ...


المزيد.....




- تقرير يرصد قارات العالم الأكثر تضررا من استنزاف مخزونات النف ...
- آنيّا تايلور-جوي ترتدي كورسيه جلدي من التسعينيات في اليابان ...
- ترامب: نتعامل الآن مع أشخاص -أكثر عقلانية- في إيران نحو اتفا ...
- صور موثقة تظهر تدمير طائرة أمريكية في قاعدة سعودية
- مهلة ترامب لإيران .. غموض استراتيجي أم غياب رؤية للخروج من ا ...
- قصف مشترك بين حزب الله وإيران على إسرائيل واستهداف منشأة لتك ...
- الحرس الثوري الإيراني يؤكد مقتل قائد قواته البحرية علي رضا ت ...
- البرلمان الإسرائيلي يصادق على زيادة -هائلة- في ميزانية الإنف ...
- الرئيس السوري الشرع يلتقي الرئيس الألماني وسط جدل سياسي وإعل ...
- مشاركة إسرائيلية في العملية الأمريكية البرية المرتقبة على إي ...


المزيد.....

- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نبيل عبد الأمير الربيعي - تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)