ابراهيم مصطفى شلبى
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 03:09
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ما بعد الإدراك وفن ما بعد الحقيقة: التشابه والافتراق
إعداد: إبراهيم شلبي
فنان مفاهيمي ومؤسس تيار "ما بعد الإدراك"
مقدمة: عصر ما بعد الحقيقة وتحديات الفن
في عام 2016، اختارت قاموس أكسفورد كلمة "ما بعد الحقيقة" (Post-Truth) كلمة العام، معرفة إياها بأنها "ظروف تصبح فيها المشاعر الشخصية والمعتقدات أكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام من الحقائق الموضوعية" . هذا التحول العميق في علاقتنا بالحقيقة لم يمر دون تأثير على الفن، حيث نشأ تيار عُرف باسم "فن ما بعد الحقيقة" (Post-Truth Art)، الذي يتعامل مع انهيار الثقة في الروايات الرسمية والمؤسسات الإخبارية، ويستجيب لعصر الأخبار الكاذبة والتلاعب الإعلامي.
في مقابل هذا التيار، يقدم تيار "ما بعد الإدراك" (Post-Perception) مقاربة مختلفة. كلاهما يزعزع الثقة، لكن الأول يركز على زعزعة الثقة في المحتوى والمعلومة، بينما يركز الثاني على زعزعة الثقة في آليات الإدراك ذاتها. هذه الدراسة تقدم مقارنة معمقة بين التيارين، كاشفة عن نقاط التشابه والاختلاف، وموقع كل منهما في خريطة الفن المعاصر.
أولاً: الإطار النظري – ما هو فن ما بعد الحقيقة؟
1.1 التعريف والخصائص
فن ما بعد الحقيقة (Post-Truth Art) هو تيار فني يستجيب لعصر تآكلت فيه الثقة في المؤسسات الإخبارية والحقائق الموضوعية. يتميز هذا التيار بعدة خصائص:
- التشكيك في الروايات الرسمية: يعيد النظر في السرديات التاريخية والإعلامية.
- توظيف التضليل كأداة جمالية: يستخدم الأخبار الكاذبة والصور المفبركة كمادة فنية.
- الاقتراب من السياسة والإعلام: يركز على تحليل الخطاب الإعلامي وكشف زيفه.
- التهجين بين الواقع والخيال: يخلق عوالم يصعب فيها التمييز بين الحقيقة وال fiction.
كما تشير دراسة نقدية حديثة، فإن عصر ما بعد الحقيقة يثير تساؤلات حول كيفية تغير ظروف توزيع المعلومات في العصر الرقمي، ودور الفن في تحويل مفهومنا عن الحقيقة .
1.2 أمثلة من فن ما بعد الحقيقة
أعمال جيليان ويرنغ (Gillian Wearing): في عملها "Wearing Gillian" (2018)، استخدمت الفنانة أكثر من 15 ممثلاً وتقنية "تبادل الوجوه" (deepfake) لخلق صورة متعددة للهوية، متسائلة: من أنا حقاً في عصر يمكن فيه تزييف الهوية بسهولة؟
أعمال آرون كوتفولغي-سابو (Áron Kútvölgyi-Szabó): في معرضه "أنماط المعرفة المضادة" (Patterns of Counterknowledge)، تناول نظريات المؤامرة كظاهرة إدراكية.
استخدم العمل طبقات متعددة من ورق التتبع لحجب أو تأطير المعلومات، مظهراً كيف يمكن للضوضاء البصرية أن تشوش على الحقيقة .
1.3 الأهداف الأساسية للتيار
يهدف فن ما بعد الحقيقة إلى:
- كشف زيف الروايات الإعلامية والسياسية.
- تحريض المتلقي على التشكك في المصادر.
- إظهار كيف تنتج "الحقائق" اجتماعياً وسياسياً.
ثانياً: "ما بعد الإدراك" – إعادة تعريف المشكلة
2.1 التعريف والخصائص
تيار "ما بعد الإدراك" (Post-Perception) هو تيار فني-فلسفي معاصر يهدف إلى تفكيك العلاقات النمطية بين الحواس والمعنى، مخلخلاً ثقة المتلقي في أدواته الإدراكية. يتميز التيار بـ:
- التركيز على آليات الإدراك: ليس المهم "ماذا نرى؟" انما"كيف نرى؟"
- الصدمة الإدراكية: استخدام التناقض بين الحواس لزعزعة التلقائية الإدراكية.
- التشاركية المعرفية: المتلقي شريك في بناء المعنى، لا متلقٍ سلبي.
- المناعة الإدراكية: بناء دفاعات معرفية ضد التضليل.
2.2 أمثلة من "ما بعد الإدراك"
"هذا غليون" (This is a pipe): العمل يكشف "سلطة التسمية": كيف تفرض اللغة تعريفاً مغايراً للواقع المرئي.
"ما بعد الصوت" (Post-Sound): العمل يفكك العلاقة بين الصوت ومصدره، كاشفاً أن توقعاتنا الحسية مكتسبة ثقافياً.
2.3 الأهداف الأساسية للتيار
يهدف "ما بعد الإدراك" إلى:
- كشف هشاشة الجهاز الإدراكي نفسه.
- بناء "مناعة إدراكية" ضد التضليل البصري والسمعي.
- تحويل المتلقي من مستهلك للمعنى إلى مختبر إدراكي.
ثالثاً: جدول المقارنة الأساسي
المحور : فن ما بعد الحقيقة : ما بعد الإدراك
السؤال المركزي | كيف نكشف زيف الروايات؟ | كيف نحمي إدراكنا من الخداع؟ |
موضوع النقد | المحتوى، المعلومة، الرواية | آليات الإدراك، الحواس، اللغة |
|الأداة الرئيسية | تلفيق، تهكم، محاكاة ساخرة | مفارقة إدراكية، صدمة حسية |
التقنية | وسيلة للتضليل | وسيلة لكشف هشاشة الإدراك |
المتلقي | متشكك في المعلومة | مختبر لفرضية إدراكية |
الهدف النهائي | كشف زيف السلطة الإعلامية | بناء مناعة إدراكية |
المرجع الفلسفي | نقد الإعلام، ما بعد البنيوية | فينومينولوجيا، سيميائية، فلسفة عربية |
رابعا: التشابه – نقاط الالتقاء
4.1 زعزعة الثقة
كلا التيارين يزعزعان الثقة في ما نعتبره "حقيقة". في فن ما بعد الحقيقة، الثقة المهزوزة هي الثقة في الروايات الإعلامية والسياسية. في "ما بعد الإدراك"، الثقة المهزوزة هي الثقة في الحواس نفسها.
مثال: عمل "هذا غليون" يهز الثقة في العلاقة بين اللغة والواقع، بينما عمل "تبادل الوجوه" (Deepfake) يهز الثقة في الصورة الفوتوغرافية كدليل.
4.2 توظيف التقنية
كلا التيارين يستخدم التقنيات الجديدة كأدوات أساسية. في فن ما بعد الحقيقة، تستخدم تقنيات التزييف (deepfakes، photoshop) لخلق واقع بديل. في "ما بعد الإدراك"، تُستخدم التقنيات (الذكاء الاصطناعي، الصوت المركب، الواقع المعزز) لخلق اضطراب إدراكي.
4.3 التشكيك في السلطة
كلا التيارين يشككان في السلطات التي تنتج المعنى. في فن ما بعد الحقيقة، السلطة المشكوك فيها هي السلطة الإعلامية والسياسية. في "ما بعد الإدراك"، السلطة المشكوك فيها تشمل سلطة اللغة، سلطة المؤسسة الفنية، وسلطة الخوارزميات.
خامساً: الافتراق – نقاط الاختلاف الجوهرية
5.1 موضوع النقد: المحتوى مقابل الآلية
الفرق الجوهري الأول: فن ما بعد الحقيقة يركز على المحتوى (الرواية، المعلومة، الخبر)، بينما "ما بعد الإدراك" يركز على الآلية (الحواس، اللغة، الإدراك).
كما يشير أحد الباحثين، فإن "ما بعد الحقيقة" يتعلق بكيفية تغير ظروف توزيع المعلومات في العصر الرقمي . أما "ما بعد الإدراك" فيتعلق بكيفية تغير ظروف الإدراك نفسها.
5.2 التقنية: غاية أم وسيلة؟
في فن ما بعد الحقيقة، التقنية غالباً ما تكون غاية في حد ذاتها، أو على الأقل أداة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها. التزييف العميق، التلاعب بالصور، الخوارزميات هي جوهر العمل.
في "ما بعد الإدراك"، التقنية وسيلة فقط. العمل يمكن أن يخلق اضطراب إدراكي باستخدام أدوات بسيطة: تفاحة، قفص، مرآة ("تفاحة آدم")، أو صنبور ونظام مائي ("غياب القطرة"). التقنية في خدمة الفكرة، لا العكس.
5.3 دور المتلقي
في فن ما بعد الحقيقة، المتلقي غالباً ما يكون متلقياً للمفارقة، يكتشف زيف الرواية، يتأمل التناقض. التفاعل ذهني بالدرجة الأولى.
في "ما بعد الإدراك"، المتلقي مشارك جسدي وفكري. في "هذه ليست مبولة"، المتلقي مجبر على اتخاذ قرار (هل يستخدم المبولة رغم النص المانع؟). في "ما بعد الطوفان"، المتلقي مطبوع ويثبت ورقة على الحائط، مساهماً في بناء المعنى.
5.4 النتيجة النهائية
فن ما بعد الحقيقة ينتهي غالباً إلى:
- فضح زيف الروايات
- تحريض المتلقي على التشكك في المصادر
- كشف تلاعب الإعلام والسياسة
ما بعد الإدراك ينتهي إلى:
- بناء "مناعة إدراكية" لدى المتلقي
- تحويل الإدراك من فعل تلقائي إلى ممارسة نقدية
- تمكين المتلقي من مقاومة التضليل البصري والسمعي
كما تقول إحدى الدراسات النقدية، هناك حاجة إلى "توسيع مفهوم الإدراك ليشمل الحواس المتعددة، وتطوير جماعي متعدد المنظورات" – وهذا بالضبط ما يفعله "ما بعد الإدراك".
سادسا: تطبيقات مقارنة
6.1 مقارنة بين عملين
| المحور | عمل "Wearing Gillian" (ويرنغ) | عمل "هذا غليون" (شلبي)
| التقنية | تبادل وجوه | جهاز حقيقي + لافتة
السؤال | من أنا في عصر التزييف؟ | من يحدد ماهية الأشياء؟
الموضوع | الهوية وتزييفها | سلطة التسمية |
المتلقي | متأمل | مشارك (أمام مرآة)
النتيجة | وعي بتزييف الهوية | وعي بسلطة اللغة |
6.2 من نقد المحتوى إلى نقد الإدراك
يمثل الانتقال من فن ما بعد الحقيقة إلى "ما بعد الإدراك" تطوراً طبيعياً:
المرحلة الأولى (ما بعد الحقيقة): نكتشف أن الإعلام يكذب، أن الصور تزيف، أن الروايات ملفقة. نطالب بمصادر موثوقة، بحقائق موضوعية.
المرحلة الثانية (ما بعد الإدراك): نكتشف أن المشكلة أعمق. حتى لو كانت المصادر موثوقة، حواسنا نفسها قابلة للخداع. إدراكنا ليس نافذة شفافة على العالم، هو بناء معقد يمكن اختراقه.
سابعاً: التكامل المحتمل
7.1 أين يلتقيان؟
يمكن للتيارين أن يتكاملا:
- فن ما بعد الحقيقة يكشف تزييف الروايات الإعلامية.
- ما بعد الإدراك يكشف تزييف الحواس واللغة.
- معاً، يقدمان نقداً شاملاً لـ "ما بعد الحقيقة" على مستوى المضمون وعلى مستوى الآلية الإدراكية.
7.2 مثال متكامل
تخيل عملاً يجمع بين التيارين:
- شاشة تعرض مشاهد إخبارية مزيفة (ما بعد الحقيقة).
- في نفس الوقت، نظام صوتي يخلق تناقضاً بين الصورة والصوت (ما بعد الإدراك).
- المتلقي يشك في المضمون الإعلامي، وفي نفس الوقت يشك في حواسه.
هذا العمل سيكون نقداً مزدوجاً: نقد الرواية الكاذبة، ونقد قابلية الإدراك للخداع.
ثامناً: خاتمة – من فضح الكذب إلى حماية الوعي
يمثل فن ما بعد الحقيقة استجابة مهمة لأزمة معاصرة: أزمة الثقة في المؤسسات الإعلامية والسياسية. إنه يكشف زيف الروايات، ويحرض المتلقي على التشكك في المصادر، ويساهم في فضح التلاعب الإعلامي.
أما "ما بعد الإدراك" فيذهب أبعد من ذلك. لا يكتفي بكشف زيف الروايات الخارجية، بل يكشف هشاشة الجهاز الإدراكي نفسه. إنه يدرك أن المشكلة ليست فقط في "ما نراه" (الرواية الكاذبة)، بل في "كيف نرى" (الآليات الإدراكية القابلة للاختراق).
الفرق الجوهري:
- فن ما بعد الحقيقة يحررنا من الكذب الخارجي.
- ما بعد الإدراك يحررنا من الوهم الداخلي.
معاً، يمكن أن يشكلا مشروعاً متكاملاً لحماية الوعي الإنساني في عصر تتسارع فيه أدوات التزييف على مستويين: مستوى المضمون ومستوى الإدراك.
كما يقول بيان "ما بعد الإدراك":"في عالم تتسارع فيه المحاكاة وتتآكل فيه الحقيقة، يصبح الفن مختبراً للوعي ومناعة إدراكية تعيد وصل الإنسان بالمعنى." هذا هو التحدي الحقيقي: ليس فقط كشف الكذب، بل بناء مناعة ضد كل أشكال التضليل – الإعلامي والإدراكي معاً.
المراجع
- شلبي، إبراهيم. علبة ألوان: ما بعد الإدراك. 2026.
- Oxford Dictionary. "Post-Truth" Word of the Year 2016.
- Masaryk University. K otázkam percepcie a interpretácie umenia programovateľných médií. 2017 .
- Kútvölgyi-Szabó, Áron.Patterns of Counterknowledge. Brno House of Arts, 2018 .
- Cultured MagazineArtists Glenn Ligon and Gillian Wearing on Making Paintings in a Post-Truth World*. 2023 .
#ابراهيم_مصطفى_شلبى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟