أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سناء عليبات - بارادوكس السلطة في دمشق: بين استعراض الهوية الدينية ورهانات -السيادة السائلة-














المزيد.....

بارادوكس السلطة في دمشق: بين استعراض الهوية الدينية ورهانات -السيادة السائلة-


سناء عليبات

الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 23:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يمثل المشهد البصري القادم من شوارع دمشق اليوم عتبة سوسيولوجية بالغة الأهمية لتفكيك بنية السلطة الجديدة التي فرضت سيطرتها على العاصمة السورية بعد أحداث ديسمبر 2024. في مقاطع الفيديو المتداولة، يظهر عناصر أمنيون وهم يخرجون زجاجات الكحول من الحانات والمحلات التجارية، ويكسرونها أو يصادرونها بملامح يكسوها الفخر والزهو العلني. هذا الفخر لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تطبيق لمعيار أخلاقي أو ديني مجرد، بل هو تجسيد لـ "الأداتية الاستعراضية" (Instrumental Spectacle)؛ إنها محاولة لفرض هيمنة رمزية واجتياح الفضاء العام الدمشقي الذي طالما عُرف بتنوعه التاريخي واستيعابه للمتناقضات، وإحلال نمط أحادي شمولي يتماشى مع الأيديولوجيا القادمة من الشمال.
​هذا السلوك الميداني يضعنا مباشرة أمام حالة من "الانفصام الهيكلي" (Structural Schizophrenia) في بنية خطاب وممارسة قيادة "هيئة تحرير الشام" وسلطتها الناشئة. فمن جهة، يحرص قادة الصف الأول -وعلى رأسهم الجولاني- على تسويق "صورة حداثية" بالغة النعومة أمام المجتمع الدولي والوفود الصحفية الغربية، مرتدين البذلات الرسمية ومرددين وعوداً قطعية بحماية الأقليات وصيانة الحريات والخصوصيات في مناطقهم (مثل حارات المسيحيين في باب توما والقصاع، أو الدروز في جرمانا). ومن جهة أخرى، وفي نفس اللحظة الزمنية والمكانية، يُطلق العنان لجهاز "الأمن العام" لممارسة الوصاية الأخلاقية والمداهمات الفجة في عمق الأحياء ذات الغالبية السنية في العاصمة.
​هذا التناقض الصارخ ليس عبثياً، بل هو استراتيجية واعية لإدارة "شرعية سائلة" تبحث عن البقاء. فالسلطة هنا مجبرة على إرضاء تيارين متناقضين؛ إرضاء الغرب لرفع تصنيف الإرهاب والقبول بها كبديل سياسي، وفي ذات الوقت، إعطاء "حقنة تخدير" دينية لعناصرها ومقاتليها الأيديولوجيين الذين صُدموا بنمط الحياة المنفتح في العاصمة بعد سنوات من العزلة في إدلب. إن كسر زجاجة الخمر في دمشق، بهذا المعنى، هو بمثابة "إعلان سيادة رمزية" يهدف إلى إقناع المقاتل المتشدد بأن قضيته لم تمت على عتبات القصور الدمشقية.
​غير أن المفارقة النقدية الكبرى التي تكشف هشاشة هذه السلطة تتجاوز حدود العاصمة لتصل إلى الجغرافيا السورية المأزومة في الجنوب. في الوقت الذي تفيض فيه ملامح العناصر بالفخر في ملاحقة الحريات الشخصية وإغلاق الحانات في دمشق، تبدو السلطة ذاتها عاجزة ومتحفظة إلى أبعد الحدود أمام التمدد والتوغل الإسرائيلي المستمر في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي، مستغلاً سقوط اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. السيادة هنا تُمارس بقسوة واستعراض على "الجسد والمجتمع والحرية الفردية" في الداخل للتعويض النفسي والسياسي عن العجز الواضح في حماية "الأرض والحدود" في الخارج.
​في نهاية المطاف، يعلمنا تاريخ السوسيولوجيا النقدية أن السلطة التي تؤسس شرعيتها على الاستعراض القمعي السلوكي، دون أن تمتلك مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً حقيقياً ينتشل المواطن من طوابير الخبز وأزمات الوقود، هي سلطة هشة تبني على رمال متحركة. إن الهوية التاريخية لدمشق، بما تملكه من مرونة وتجذر في التنوع، قد تنكفئ مؤقتاً تحت وطأة الخوف والمداهمات، ولكن محاولة صهرها في قالب أيديولوجي أحادي ضيق ستصطدم حتماً بجدار الواقع، لتثبت الأيام أن نشوة "الفخر بكسر الزجاجات" لا تصنع دولة، ولا تبني وطناً يتسع للجميع.



#سناء_عليبات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقدة الحجر والطين: كيف يُزيّف المجتمع الأبوي الوعي الإنساني؟
- هبرماس قناع فلسفي للإمبريالية
- زلزال الموازين: القواعد الأمريكية في فخ -الردع الإيراني-
- -أصدقاء الجبال- في مواجهة -صفقة القرن- السورية: هل باعت واشن ...
- خرائط النفوذ الجديدة: إعادة رسم الحدود الداخلية السورية
- بين منظومة تتقن النظام وثورة تجهل التنظيم تنتصر البيروقراطية ...
- -تبادل الأسرى... عدالة مقلوبة وكرامة معلَّقة-
- حماس وسلطة الدم: من المقاومة إلى العنف الداخلي
- -نهاية المرحلة الإخوانية: قبول حماس للعرض الأمريكي-
- الذاكرة الشعبية في مواجهة التطبيع
- «الانسحاب الإيطالي والوجه المزدوج لأوروبا: حماية تتراجع أمام ...
- -خطة ترامب للسلام: قناع زائف لإضعاف المقاومة الفلسطينية-
- الغضب المغربي بين وعود التنمية وخيبة الواقع :دروس الاحتجاجات ...
- من فضاء التعلّم إلى فضاء التدين: هل يعيدنا المعهد إلى أصل ال ...
- -بين الخوارزمية والفعل: الهيمنة الرأسمالية على الفكر الرقمي-
- أسطول الصمود بين الاستهداف الصهيوني والرهان على الموقف التون ...
- في الحديد إذ ينقلب على حتفه: من أبراخيليا إلى استطيقا المقاو ...
- في الحديد إذ ينقلب على حتفه: من أبراخيليا إلى استطيقا المقاو ...
- حين يصبح الترند معيار البطولة: البلوغر VS الشهيد في عصر الحد ...


المزيد.....




- مواكب عربية وإسلامية تخدم المشاركين في المسيرات تضامنا مع إي ...
- مجتبى خامنئي يشكر المرجعية الدينية العليا والشعب العراقي على ...
- كما اهدى حرس الثورة الموجة 86 الى شهداء الأرمن والمسيحيين في ...
- حرس الثورة الاسلامية يعلن تدميره طائرة استطلاع وتجسس متطورة ...
- محافظة القدس: القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية ستبقى لأصح ...
- محافظة القدس: القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية ستبقى لأصح ...
- محافظة القدس: القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية ستبقى لأصح ...
- قائد الثورة الاسلامية حجة الاسلام مجتبى خامنئي يعرب عن تقدير ...
- انتفاضة لاهوتية: الكنيسة الأرثوذكسية المصرية تواجه تغلغل -ال ...
- محافظة القدس تحذّر من محاولات مستعمرين إدخال قرابين حيوانية ...


المزيد.....

- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سناء عليبات - بارادوكس السلطة في دمشق: بين استعراض الهوية الدينية ورهانات -السيادة السائلة-