|
|
سرّ بقاء نظام ولاية الفقيه
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 16:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
على مدار أكثر من أربعة عقود، ظل بقاء انظام ولاية الفقيه الإيراني لغزاً يربك حسابات المحللين الذين تنبأوا بانهياره مع كل موجة احتجاج. إلا أن القراءة المتأنية للبنية الهيكلية لطهران تكشف أن السر لا يكمن في "آلة القمع" التقليدية فحسب، بل في "هندسة بقاء" استباقية صُممت بدقة لتفادي الثغرات القاتلة التي أطاحت بأنظمة عاتية كالنظام البعثي في العراق وسوريا، والنظام الجماهيري في ليبيا. في خضم الأزمات العاصفة التي مرت بها إيران خلال السنوات الأخيرة انقسمت القراءات السياسية بين تفاؤل "راديكالي" يرى السقوط قاب قوسين أو أدنى، وبين قلق "بنيوي" يرى في صلابة النظام لغزاً يحتاج للتفكيك. إن العبور من ضفة "التمنيات السياسية" إلى ضفة "التحليل الاستراتيجي" يفرض علينا مواجهة الحقائق كما هي، لا كما نرجوها.
"هندسة البقاء" التي يعتمد عليها النظام الإيراني تكمن في الأسس الاستراتيجية التي شكلت دعائم استمراره لأكثر من أربعة عقود، مما جعله بنية عصية على الانهيار التقليدي. يعتمد هذا النظام على تصميم "المؤسسات الموازية" كآلية حماية ضد احتمالية حدوث انقلاب. فهو لم يرتكز على تسلسل هرمي بسيط للسلطة، بل أنشأ ما يمكن وصفه بدولة داخل الدولة. من خلال تعددية المؤسسات (مثل الجيش مقابل الحرس الثوري، وأجهزة استخبارات الدولة مقابل استخبارات الحرس)، يخلق النظام بيئة تنافسية تحت مظلة الولاء الكامل، مما يجعل حدوث انقلاب عسكري أمراً شديد التعقيد، حيث لا توجد نقطة مركزية يسهل استهدافها للإطاحة بالنظام ككل.
على مر السنين، تحول الحرس الثوري من كيان عسكري عقائدي إلى إمبراطورية اقتصادية ضخمة تمتد أنشطتها على مختلف القطاعات، مثل النفط والغاز والاتصالات والبنية التحتية. هذا الدمج بين المصالح المادية والسلطة أوجد حالة من التبعية للأفراد المرتبطين بالنظام؛ إذ إن سقوطه لا يمثل لهم مجرد تغيير سياسي، بل تهديداً مباشراً لمصالحهم الاقتصادية ومصيرهم الشخصي، بما في ذلك مخاطر الإفلاس والملاحقة القانونية. إلى جانب ذلك، تملك المؤسسات السيادية غير الخاضعة للرقابة، كـ"مؤسسة المستضعفين"، شبكات تمويل مستقلة تتيح للنظام ضمان الأجور واستقرار النواة الصلبة حتى في أوقات العقوبات الدولية الخانقة.
لم يكتفِ النظام بالهيمنة على هياكله الرسمية فقط، بل نجح بعمق في التغلغل داخل النسيج الاجتماعي. عبر أجهزة مثل "الباسيج"، استطاع أن يصل إلى الجامعات، المصانع، وحتى الأحياء الشعبية. وقد تجلى هذا التغلغل في ربط الامتيازات التعليمية والوظيفية بولاء الأفراد للنظام، مما أدى إلى نشوء طبقة اجتماعية ترى أن أي تغيير سياسي يهدد مستقبلها واستقرارها. كما أن استخدام العناصر المحلية أو المهمشة في عمليات القمع أضفى نوعاً من "الإنكار المعقول"، حيث يمكن تصوير المواجهات على أنها صراعات أهلية عشوائية بدلاً من استبداد حكومي ممنهج.
انتقل النظام أيضاً إلى أساليب قمع أكثر ذكاء وتطوراً. اعتمد على الترهيب النفسي عبر استخدام وحدات الدراجات النارية لخلق أجواء من الفوضى النفسية والسمعية بين المحتجين، إضافة إلى توظيف تقنيات مثل التعرف على الوجه والجيوش السيبرانية لتعقب الناشطين حتى بعد انتهاء الاحتجاجات. بهذا الشكل، تتحول الشوارع من ساحات مواجهة مفتوحة إلى مصائد تقنية توقع المعارضين لاحقاً في أماكنهم الآمنة.
تكمن قوة النظام الإيراني في كونه شبكة عضوية معقدة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية، العقائد الدينية، والأدوات الأمنية. سقوط هذا النظام لا يعني ببساطة تغيير في الحكومة أو القيادة السياسية، بل قد يؤدي إلى انهيار كامل لشبكة مترابطة تمتد من السيطرة على موارد النفط وصولاً إلى أخطر مستويات الرقابة الأمنية، والتي قد تبدأ بمخبر بسيط في حي شعبي وتنتهي بأعلى هرم السلطة.
يعد فهم "ميزانية الظل" والمقارنة الهيكلية مع الأنظمة السلطوية العربية مفتاحاً لإدراك لماذا صمدت طهران بينما سقطت عواصم أخرى عند أول اختبار حقيقي للشارع أو الضغط الدولي.
بينما تعتمد الأنظمة التقليدية على "خزينة الدولة" المركزية، أنشأ النظام الإيراني اقتصاداً موازياً مستقلاً تماماً عن الحكومة والبرلمان إذ تسيطر مؤسسات مثل "آستان قدس رضوي" و"ستاد" على حصة هائلة من الناتج المحلي. هذه المؤسسات لا تدفع ضرائب، ولا تخضع للرقابة، وتعمل كصندوق احتياطي استراتيجي للنظام بعيداً عن أعين البنك الدولي أو العقوبات. الحرس الثوري ليس مجرد جيش، بل هو "المقاول الأول" في البلاد. هذا يعني أن العقوبات حين تستهدف الدولة، يظل الحرس الثوري قادراً على تمويل نفسه عبر شبكات تهريب منظمة، وشركات واجهة في الخارج، وسيطرة مباشرة على الموانئ. قدرة النظام على تشغيل شبكة إقليمية (محور المقاومة) توفر له "عمقاً اقتصادياً"؛ حيث تُستخدم بعض الساحات الإقليمية كمنصات لغسل الأموال أو الحصول على العملة الصعبة بعيداً عن الرقابة المباشرة على طهران. تمكنت ولاية الفقيه من تجنب "النقاط القاتلة" التي أدت إلى سقوط الأنظمة البعثية في العراق وسوريا (قبل التدخل الخارجي) وكذلك النظام الليبي. لقد أظهرت قدرة استثنائية على معالجة مواطن الضعف التي كانت السبب في انهيار تلك الحكومات.
في ليبيا، كان معمر القذافي يختزل الدولة في شخصه، بينما في إيران يتمركز "الولي الفقيه" كمرجعية دينية وسياسية، لكن النظام الإيراني أرسى دعائم مؤسساتية، مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس الخبراء، التي تضمن انتقالاً منظماً للسلطة واستمرارية النظام حتى في حال غياب القائد، كما لوحظ بعد وفاة السيد علي خامنئي. على النقيض، وجدت الأنظمة العربية نفسها مرتبطة بشكل وثيق بالبنية العسكرية الانعزالية. بالمقابل، استطاع النظام الإيراني بناء شبكة حية وعميقة من التواصل داخل المجتمع عبر المساجد والحسينيات وخلايا الباسيج المنتشرة في الأحياء الفقيرة، مما مكّنه من اتخاذ إجراءات قمعية استباقية تمنع تحول الاحتجاجات إلى ثورة شاملة.
فيما اعتمدت الأنظمة العربية بشكل كبير على الشرعية الدولية أو حلفاء متقلبين، اختار النظام الإيراني تطوير "اكتفاء أمني ذاتي" قائم على ميليشيات محلية تدين له بالولاء المطلق. هذه الاستراتيجية جعلت أي محاولة لإسقاط النظام من الخارج مكلفة للغاية، مع احتمالية تداعيات إقليمية واسعة النطاق تشكل رادعاً لأي تدخل خارجي محتمل.
الميزة الأبرز للنظام الإيراني مقارنة بنظامي صدام حسين ومعمر القذافي كانت في اعتماده أسلوب "التعددية المقيّدة" بين الإصلاحيين والأصوليين، ما أتاح له احتواء غضب الشارع وتزويده بأمل زائف في إمكانية التغيير ضمن النظام القائم. لكن مع التحولات الراهنة التي شهدت إقصاء التيار الإصلاحي تمامًا وتركيز السلطة في قبضة "النواة الصلبة"، خسر النظام ورقته القوية في المناورة. لم يعد بالإمكان تحميل الفشل لتيار سياسي "مغضوب عليه"، وأصبحت الهتافات الآن تصوّب مباشرة نحو رأس النظام نفسه.
نجح الحرس الثوري إلى حد بعيد في حماية مصالحه من خلال ميزانية الظل وتجاوز تأثير العقوبات، لكن هذا أدى بدوره إلى تعميق الفجوة الطبقية. فالقواعد الشعبية التي كانت تمثّل الطبقة المستضعفة وعماد النظام ضد خصومه الليبراليين باتت تعاني من وطأة التضخم والفقر المدقع. ونتيجة لذلك، أصبح النظام يواجه تحديين مزدوجين: "ثورة الجياع" من جهة، و"ثورة الحريات" من جهة أخرى؛ وهي أزمة تجمع بين تعقيدات لم يُختبر مثلها من قبل بنفس الحدة في الأنظمة البعثية.
إن كان سقوط النظام العراقي قد جاء نتيجة "صدمة خارجية"، وسقوط النظام الليبي بسبب "انهيار مركزي"، فإن التحدي الذي يواجهه النظام الإيراني اليوم يتمثل في "التآكل الداخلي البطيء". حتى الآن، استطاع النظام الإيراني تفادي السقوط الحر الذي واجهه صدام والقذافي بفضل بنيته الشبكية، إلا أنه يجد نفسه الآن تحت وطأة ما يمكن تسميته "مرض ذاتي مناعي". إذ أصبحت الأدوات الدفاعية التي اعتمدها كنظام الحرس الثوري وتوسعاته الاقتصادية مصدرًا أساسيًا لنقمة الشعب وعزلتها عن العالم الخارجي. رغم قوة هذه الهندسة، إلا أن نقطة ضعفها القاتلة هي "التآكل من الداخل". النظام الإيراني بنى "قلاعاً" تحميه من الانقلابات والحروب، لكنه لم يبنِ جسوراً مع أجيال ما بعد الثورة. ورغم نجاح النظام سابقًا في التعامل مع الأجيال السابقة عبر جهاز "الباسيج" ومنح الامتيازات، فإن التحدي اليوم ينبع من جيل جديد وُلد وترعرع في عصر الفضاء الرقمي، وهو جيل منفصل عاطفيًا عن الإرث الثوري. انتشار الصور والفيديوهات أصبح يكسر حاجز الخوف الذي اعتبر مقدسًا لفترة طويلة. في الأنظمة البعثية، كان مجرّد التفوه بكلمة ضد الرئيس يقود إلى اختفاء أصحابها، بينما اليوم تحولت المواجهات إلى ميادين إيران علانية وبجرأة غير مسبوقة، مما يشير إلى تراجع فاعلية الردع النفسي بشكل خطير. لكن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران قد عطل هذا التحدي وربما قد خنقه إلى أجل.
إن سقوط النظام الإيراني -إذا حدث- لن يكون "انفجاراً" مفاجئاً كما حدث في طرابلس أو بغداد، بل سيكون "انهياراً هيكلياً" نتيجة توقف التروس المتداخلة عن العمل معاً، حيث تصبح المؤسسات الموازية (التي كانت سر قوته) هي أدوات تدميره الذاتي في صراعها على البقاء. النظام الإيراني ليس مجرد "دكتاتورية"، بل هو "منظومة تكيّف". سر قوته هو أنه تعلم من دماء الأنظمة التي سقطت قبله، فبنى جيوشاً موازية، واقتصاداً أسود، ونفوذاً عابراً للحدود. إن نظام ولاية الفقيه ليس مجرد دكتاتورية تقليدية، بل هو بنية شبكية معقدة استخلصت الدروس من دماء الأنظمة التي سقطت قبلها. لكن التاريخ يثبت أن الأنظمة التي تحصن نفسها ضد الانقلابات والحروب الخارجية، غالباً ما تنهار أمام "الصدأ الداخلي" وفقدان الشرعية الأخلاقية. السقوط في إيران -إذا وقع- لن يكون نسخة مكررة من سيناريوهات بغداد أو طرابلس، بل سيكون تفككاً هيكلياً لبنية لم تعد قادرة على حمل تناقضاتها الوجودية. ارتبكت الأنظمة البعثية في تعريف "المجال الحيوي"، فخاضت حروباً حدودية استنزفت قواها. في المقابل، ابتكرت طهران استراتيجية "الساحات البديلة". من خلال بناء أذرع إقليمية مخلصة، نقلت إيران خطوط دفاعها الأولى إلى عواصم عربية متعددة. هذه الاستراتيجية جعلت تكلفة الإطاحة بالنظام في طهران "باهظة دولياً"؛ فالعالم يدرك أن أي اهتزاز في المركز سيؤدي لانفجارات إقليمية متزامنة. هذا "الردع بالوكالة" هو صمام أمان جيوسياسي لم يمتلكه صدام حسين حين واجه التحالف الدولي وحيداً داخل حدوده الجغرافية.
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عقيدة -الانتحار الاستراتيجي-: يكرر نتنياهو خطيئة صدام حسين
-
روح العالم على حصان والكاوبوي راكبا صاروخ
-
جنازة النظام الدولي في مضيق هرمز
-
حين تروض -الأسواق- ما عجزت عنه -الصناديق-
-
ما بعد -هزيمة الجميع-: نحو إعادة تشكيل مشهد الشرق الأوسط
-
قُدّاسُ الملحِ.. وهذيَانُ الجسدِ العاري
-
أسطورة -العدو الأزلي-
-
مسرحية: زجاج الحقيقة
-
استقرار إيران ضرورة استراتيجية للشرق الأوسط
-
اشتراكية الإنسان.. لا -رأسمالية الدولة- البيروقراطية
-
وهم القطيعة مع الواقع
-
بعد أفول الإسلام السياسي- 2
-
بعد أفول الإسلام السياسي- 1
-
طيف القنب.. وابتسامة الزمان
-
حرية الإبداع بين مطرقة الاستبداد الحاكم وسلطة الشارع الثقافي
...
-
برزخ الكينونة
-
ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست
-
من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين
-
أوهام -التحضر- الليبرالي ومأزق اليسار العربي: رد على أطروحات
...
-
إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرمو
...
المزيد.....
-
لقاء رباعي في إسلام آباد لبحث الحرب في الشرق الأوسط.. هل تنج
...
-
رغم انتهاء مهلة الخارجية.. السفير الإيراني -لن يغادر لبنان ن
...
-
الحقيقة لا تحجبها الفيالق المستأجرة
-
محادثات رباعية في باكستان تبحث سبل إنهاء حرب إيران
-
وزراء الخارجية العرب يجمعون على ترشيح الدبلوماسي المصري نبيل
...
-
إيران توسّع هجماتها على دول الخليج والاتحاد الأوروبي يعلن تض
...
-
بنك أمريكي يدفع 72.5 مليون دولار لتسوية دعوى مرتبطة بملفات إ
...
-
لماذا يُعَد استهداف مصنع أداما ضربة موجعة لإسرائيل؟
-
بغداد بين الفصائل وواشنطن.. هل يجازف العراق بمواجهة داخلية؟
...
-
زعيم الجمهوريين لا يستبعد دخول قوات برية أميركية لإيران
المزيد.....
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
المزيد.....
|