أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي














المزيد.....

الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن ذاكرة المأساة 1990-2003 كالحجر الجاثم على صدر العراقيين، ذاكرة بطعم العذاب، احداثها لم تعرف الرحمة ولم تقم وزنا للدموع التي ذرفتها الأمهات، حبكت فصولها قوى الغطرسة والجنون، وفي تفاصيلها المرة تختفي صرخات الملايين التي سحقتها عجلات المصالح والهيمنة.

في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وتلاشي التوازن الدولي الذي كان يشكل نوعا ما درعا واقيا للشعوب الضعيفة، انفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم ولم تتوان عن استخدام المنظمات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، كأدوات طيعة لتكريس هيمنتها، محولة الشرعية الدولية إلى ستار يخفي وجه القبح والطغيان، وكان الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق لمدة ثلاثة عشر عاماً أبلغ تعبير عن هذا التحول الدامي في موازين القوى.

لقد كان ذلك الحصار جريمة ضد الإنسانية وحربا ضروس استخدم فيها الجوع كسلاح فتاك، والحرمان كأداة قتل بطيء، مستهدفة الحجر والبشر على حد سواء. ففي الوقت الذي كانت فيه القرارات الدولية تحرم العراق من أبسط مقومات الحياة، بدت الولايات المتحدة وحلفاؤها كالجزار الذي يسل سكينه ببرود، غير آبهين بصراخ الأطفال الذين فارقوا الحياة جوعا ومرضا، معتقدين أن سياسةالتجويع أداة مثالية لتثوير الشعوب ومعاقبة الحكام وزيادة النقمة عليهم وكراهيتهم، وبالتالي زج الطرفين في صراع داخلي نتائجه حاكم مكروه داخليا وشعب منهك يبحث عن الخلاص، وبهذا قوى التسلط العالمي كانوا قد ضربوا عصفورين بحجر كما يقول المثل.

لقد تم تدمير البنية التحتية بشكل شامل، أما على المستوى الإنساني، فكان الثمن الأفدح هو أرواح ملايين العراقيين حيث تشير تقديرات إلى وفاة حوالي 1.6 مليون عراقي بسبب الحصار، معتركز مرعب للخسائر بين الأطفال يصل الى مليون ونصف، مع تقارير عن وفاة طفل من كل ثمانية أطفال بسبب انهيار النظام الصحي، وبحلول عام 1998، كانت بغداد تشيع وحدها نحو 400 طفل في اليوم الواحد بسبب نقص الغذاء والدواء، ليشكل ذلك كله إرثاً من الجروح العميقة التي تركها الحصار في بنية المجتمع العراقي.

ومن المؤسف أن يدفع الشعب العراقي الثمن غاليا لتخبطات نظام سياسي افتقر إلى الرؤية الاستراتيجية والحكمة اللازمتين لاستشراف المخاطر ورسم العلاقات الدولية، فالقرارات غير المحسوبة التي اتخذها النظام السابق، والمبنية على خلفيات أمنية وعسكرية ضيقة وعلى جهل فاضح بدهاليز السياسة العالمية، وضعت البلاد في فم التنين، وكانت بمثابة ذريعة سلمت للمعسكر الغربي لتبرير عدوانه وحصاره الغاشم مما جعل العراق ساحة للانتقام وتصفية الحسابات، ليس بسبب خطأ الشعب، بل بسبب طيش القادة وتهورهم.

إن الذاكرة العراقية الجريحة التي لا تلتئم، تحتفظ بتلك الصور من ألاطفال الجوعى والمرضى ومستشفيات خاوية من الدواء وبيوت خالية من الشبابيك كونها بيعت في سوق “العتيك” لسد الرمق،صور تحيل القلب حزنا وتثير الاشمئزاز من مجرد ذكر اسم “امريكا” التي سعت جاهدة لتقسيم النسيج الاجتماعي العراقي وإثارة النعرات الطائفية ووضع البلاد تحت وصاية أجنبية مقيتة بعد غزو بشع دمر البنية التحتية ومسح الدولة من الوجود، تلك السياسة العنصرية التي أمعنت في إذلال الشعب لتحقيق أهداف دنيئة تتعلق بالسيطرة على الموارد والنفوذ، ما هي إلا انعكاس لاختلال جوهري في المنظومة الدولية القائمة ونموذج سافر للطغيان الذي يستبيح كل المحرمات.

إن الجرائم لا تمحى بمرور الزمن ولا تسقط بالتقادم والدماء البريئة التي أريقت جوعا وحرمانا والأرواح التي سحقتها الغطرسة الأمريكية والغربية، تظل جرحا نازفا في ضمير البشرية، وتستدعي تعويضا ماديا ومعنويا، واعتذارا رسميا صريحا أمام العالم بأسره.

فتلك الحرب الاقتصادية الجائرة التي استأصلت الحجر والبشر، وهدمت العوائل ونالت من كرامتها، كانت جريمة إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويجب أن تواجه بوصمة عار تلاحق مرتكبيها عبر الأجيال.

ورغم أن هذه المطالبة قد تبدو في ظل الواقع الراهن ضربا من الخيال أو المثالية إلا أن سنة التاريخ وتداول الأيام تقضي بأن من كان في القمة قد يهوي إلى القاع، وأن ما يعد اليوم حلما مستحيلا، قد يغدو في الغد واقعا ملموسا، وان الأمم لا تبقى على حالهاوالقوى الطاغية لا تخلد، وإنما تصارع الزمن حتى يأتي يوم تُحاسب فيه على أفعالها وتدفع فيه ثمن آثامها، لتعرف البشرية أن العدالة وإن طال بها الزمن فإنها لا تموت.

دكتور محمد وهاب عبود، باحث وأكاديمي



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد
- القابضون على الذكاء الاصطناعي
- شيطنة فنزويلا
- جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
- البودكاست وثقافة الثرثرة
- سلطة النهب
- ال -ترند- والانجراف الجمعي
- فرنسا القديمة وكاليدونيا الجديدة
- الأجيال وجدل الأفضلية المزمن
- كورونا العادل في زمن الظلم
- كورونا_من زاوية اخرى
- قوى الامن في مستنقع السياسة
- حب رقمي
- سلاح ألمعرفة ألمضادة
- كيف خدعونا ؟
- كيف خدعونا ؟؟


المزيد.....




- لقاء رباعي في إسلام آباد لبحث الحرب في الشرق الأوسط.. هل تنج ...
- رغم انتهاء مهلة الخارجية.. السفير الإيراني -لن يغادر لبنان ن ...
- الحقيقة لا تحجبها الفيالق المستأجرة
- محادثات رباعية في باكستان تبحث سبل إنهاء حرب إيران
- وزراء الخارجية العرب يجمعون على ترشيح الدبلوماسي المصري نبيل ...
- إيران توسّع هجماتها على دول الخليج والاتحاد الأوروبي يعلن تض ...
- بنك أمريكي يدفع 72.5 مليون دولار لتسوية دعوى مرتبطة بملفات إ ...
- لماذا يُعَد استهداف مصنع أداما ضربة موجعة لإسرائيل؟
- بغداد بين الفصائل وواشنطن.. هل يجازف العراق بمواجهة داخلية؟ ...
- زعيم الجمهوريين لا يستبعد دخول قوات برية أميركية لإيران


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي