حامد محمد طه السويداني
الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 19:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قد يخطئ العديد من المؤرخين والكتاب ويعتقدون أن الأقليات الصغيرة التي تعيش في البلدان العربية هم من بقايا العثمانيون بل إن وجود الأتراك في الوطن العربي هو أبعد من هذا التاريخ فمن المعلوم ان هجرات قبائل الأتراك التي تدفقت على شكل موجات الى الدولة العربية الاسلامية في العهد العباسي لغرض الخدمة كأجراء ومقاتلين في الجيش العباسي نظراً لشجاعتهم ومراسهم في القتال منذ أن كانوا في منغوليا موطنهم الأصلي في أواسط آسيا فهم في قتال وحروب دائمة وبمرور الوقت أصبح السلاجقة الأتراك ذات نفوذ قوي وسيطروا على الخلافة العباسية واليهم ينسب النصر في موقعة عمورية المعروفة عندما صرخت المرأة المسلمة وامعتصماه وهي تستنجد بالخليفة المعتصم بالله الذي كانت أمه تركية الأصل. الذي جهز جيشاً ضخماً وفتح عمورية 223هـ استجابة لصرخة امرأة مسلمة أسرت وأهينت من قبل الروم.
بدأ استقرار الأتراك في الوطن العربي أيضاً قبل العهد العباسي ففي العهد الأموي وفي سنة 674م كان ضمن جيش والي خراسان عبد الله بن زياد حوالي 2000 مقاتل تركي مروا ببخارى ثم نسف ثم رامين ثم صاغنيان ثم استقروا بالبصرة وهكذا ظهرت الآثار الأولى للأتراك في الوطن العربي وبعد تأسيس الدولة الطولونية 868 – 905م وهي دولة تركية اسلامية حكمت مصر والأردن وسوريا وفلسطين وكان مؤسسها أحمد بن طولون وهو تركي من مدينة بخارى وكذلك من جديد قام الأتراك بتأسيس الدولة الأخشيدية وامتدت من مصر وسوريا والأردن وفلسطين وامتد نفوذها ولأول مرة حتى الحجاز التي فيها الكعبة المشرفة.
ومع ازدياد هجرة الأتراك الى البلدان العربية كانت هجرة السلاجقة الأتراك الذين جاءوا الى الوطن العربي وكانوا أغلب هؤلاء من الأتراك الأوغور الذين جاءوا من منغوليا في أواسط آسيا واستقروا في البلدان العربية وبعد ذلك عبروا الى الأناضول (تركيا الحالية) ويمكن القول أن الهجرة الكبيرة للأتراك نحو البلدان العربية كانت في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي. وبعد تأسيس الدولة العثمانية عام 1299م في الأناضول واتساع رقعتها توجه السلطان سليم الأول 1512 – 1520 الى بلاد الشام ومصر وتمكن من ضمها تحت حكم الدولة العثمانية في العام 1517 بعد هزيمة المماليك وليبدأ الحكم العثماني في البلاد العربية الذي استمر أكثر من 400 عام أي (أربعة قرون) وبعد انهيار الدولة العثمانية التي وطدت العلاقة مع الأتراك الموجودين في البلدان العربية التي كانت تحت حكمهم. إن سقوط الدولة العثمانية عام 1922 وخروجها مهزومة من البلدان العربية تركت وراءها اعداد قليلة من الجنود وأغلبهم ممن شارك في الحرب العالمية الأولى واستقروا في البلاد العربية.
أما فيما يخص الوجود التركي القديم في الأردن حين خضعت الأردن تحت الحكم العثماني قرابة أربعة قرون 1516- 1918 تاركة إرثاً تاريخياً وحضارياً واضحاً وقد تمثل على سبيل المثال في قلاع وحصون مثل (قلعة الفدين بالمفرق ومعان) وخط سكة حديد الحجاز 1902 ومباني ادارية (السرايا) وبقايا جذور عائلات من أصل تركي وتركماني فالأردن كانت تابعة ادارية لولاية دمشق وشهدت اهتماماً بإنشاءات ذات طابع أمني وخدمي للحجاج وقد بنى العثمانيون عدة قلاع وحصون لحماية طريق الحجاج منها كما ذكرنا قلعة الفدين وقلعة القطرانة وكذلك (السرايا العثمانية) مادياً وهو مبنى تأسس في العام 1896 وهو مظهر من مظاهر الأوقاف السلطانية تقدم الطعام والشراب للمسافرين، وكذلك قلعة معان وخط سكة حديد الحجاز في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ليربط دمشق بعمان والمدينة المنورة وكان هذا الخط حيوياً لنقل الجيوش والتموين أثناء الحرب العالمية الأولى أما فيما يخص الإدارة فقد شهدت الأردن تقسيماً ادارياً يتبع ولاية دمشق وتنتشر منها حالياً بعض القرى والمساجد ذات الطراز العثماني المعماري بالإضافة الى (الليرة العصملية) التي كانت متداولة في العهد العثماني ومن الجدير بالذكر الى الأسباب العديدة وراء هجرة الأتراك الى الأردن اذ كانت أول هجرة للأتراك في العهد العثماني للأردن عام 1860 حيث شهدت هجرة جماعية يقدر عددها (100) عائلة أغلبهم من اليوروك من الأوغور الأفشار واستقروا في قرية الرومان وهي قرية أردنية والواقع أن هذه العائلات اغلبها من مدن مختلفة من بلاد الأناضول (آيدن، قيصري، بولو، أورفة وأرزنجان) واستقروا في المناطق الخصبة التي تتوافر فيها المياه وخاصة قرية الرومان.
وفي الأعوام 1936 – 1952 كانت هناك موجتي هجرة الى تركيا وخاصة في عام 1936 حيث غادرت أكثر من نصف العائلات التركية التي تعيش في الرومان وبين عامي 1934 – 1938 شهدت الحكومة التركية سياسة اعادة توطين الأتراك الذين جاءوا من البلقان وخاصة من رومانيا وبلغاريا حيث عاد أكثر من (400) ألف شخص الى تركيا ولذلك عاد أيضاً قسم من أتراك الأردن الى تركيا البلد الأم.
وهنا لا بد من الإشارة الى أن الوجود التركي في الأردن فيشير محمد الترك رئيس الجمعية الخيرية التركي التي تأسست في العام 1975 وهي جمعية تضم حوالي 448 مندوباً للجمعية وأكثر من 2000 عضواً فيقول: "إن الأزمات التي عاشتها الدولة العثمانية أواخر عهدها أي بحوالي 1870 قامت بتوطين الأتراك في المناطق الاستراتيجية في الدولة العثمانية ليكونوا عبارة عن مخافر أمامية للدولة العثمانية وكذلك استقرار بعض العائلات التركية في الأردن اثناء بناء خط سكة حديد الحجاز واستقرار العوائل لتقوم بالتجارة مع بلاد الأناضول والشام وفلسطين والحجاز واليمن كما كان هناك أسباب دينية دفعت العوائل التركية للهجرة الى الأردن لتكوين قريبة من القدس والأماكن المقدسة فضلاً عن بقاء بعض الجنود العثمانيون الذين قاتلوا أثناء الحرب العالمية الأولى.
أما فيما يخص مجتمعات الإرث العثماني في الأردن ومنهم (البخاريين) وهم مجتمع تركي يعيش في الأردن وهم من أصل أوزبكي تركي هاجروا من فلسطين الى الأردن عام 1948 وهم بالأصل هاجروا من أوزبكستان الى القدس في فلسطين ومع غزو تركستان من قبل الاتحاد السوفيتي واستقروا في القدس لأسباب دينية ويذكر أنه في العهد العثماني وتحديداً في العام 1731 قام البخاريون بتأسيس تكية وكان أول شيخ للتكية هو (عثمان بيك البخاري) وكان الغرض من انشاء هذه التكية هو استضافة القادمين من بخارى والعثمانيين من ناحية أخرى.
بدأ تواجد البخاريين في الأردن عام 1920 وكان في البداية لأسباب اقتصادية وقاموا بتأسيس سوق عمان المعروف بـ(سوق البخاريين) وكذلك أسسوا سوقاً آخر في العام 1927- 1928 في أربد سمي (سوق أربد) وهاجر البخاريون الى الأردن عام 1948 بعد قيام دولة اسرائيل وسكنوا في عمان وأربد وحافظوا على لغتهم الأوزبكية.
ولا يسعنا ونحن نتكلم عن الأقليات والعوائل التي سكنت وتغلغلت في المجتمع العربي فهناك أيضاً مجتمعات ذات أصول قوقازية من بقايا الإرث العثماني وهي مشابهة للمجتمعات التركية ويأتي الشراكسة والشيشان في مقدمة تلك المجتمعات وخاصة الشراكسة نظراً لمكانتهم في الدولة الأردنية استقر الشراكسة الذين فروا من الاحتلال السوفيتي بهجرات كبيرة الى الأراضي الأردنية في الأعوام 1868 – 1909 وجعلوا عمان مقراً لهم وانتشروا في محافظات أخرى في الأردن وقد لعبوا دوراً في تأسيس عمان وتحضرها وفي العام 1909 تم انتخاب (اسماعيل بابوك الشركسي) رئيساً لبلدية عمان ثم استقروا في مدن أخرى مثل جريش وناعور ووادي سير والزرقاء وصويلح وأسسوا أول جمعية شركسية في 16 كانون الثاني 1932 لجمع الشراكسة في الأردن وافتح لها عدة فرع في المدن الأردنية الأخرى.
وفي ختام هذه المقالة لا بد من الاشارة الى ابرز الشخصيات الأردنية البارزة وهم من اصول تركية وهذا يدل على التداخل الأثني بين العرب والأتراك منذ دخول الأتراك الدين الاسلامي ومنهم السيدة (لارا العبد الله اللات) حاملة لقب ملكة جمال الأردن وهي من أم سورية تركية الأصل وكذلك الملكة الأردنية (رانيا العبد الله) عقيلة الملك عبد الله الثاني جدها من جهة الأم تركي الأصل، وكذلك الفنان التشكيلي المعروف مهنا الدرة ولد من أم تركية الأصل والرياضي أحمد دوري أوغلو لاعب كرة السلة المعروف هو من أم تركية وكذلك الملكة (زين الشرف) والدة الملك حسين وجده الملك عبد الله الثاني تنحدر من أصول تركية قبرصية وغيرهم كثير ومن الجدير بالذكر أن الحكومات التركية المتعاقدة تتواصل مع هذه الأقليات وتدعمها عن طريق مؤسسة TIKA التركية بإقامة مشاريع زراعية وتعليمية وتحاول الاهتمام بهم وتوفير فرص لهم للدراسة في تركيا تمهيداً للاستفادة منهم وتوظيفهم لصالحها باعتبارهم اتراك وهذا الأمر تفعله تركيا من كل الأقليات التركي التي تعيش في الوطن العربي مثل سوريا والعراق والسعودية وليبيا وتونس والجزائر وجميع الدول العربية وقد تم توظيفهم في أحدث ثورات الربيع العربي ولا مجال لذكرهم في هذه المقالة البسيطة
#حامد_محمد_طه_السويداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟