أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية تركيا إلى بلد يثير القلق أكثر مما يثير الاحترام؟














المزيد.....

تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية تركيا إلى بلد يثير القلق أكثر مما يثير الاحترام؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 06:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المشكلة في تركيا اليوم ليست أنها دولة ضعيفة. على العكس، هي دولة ثقيلة، جيشها قوي، موقعها استثنائي، وحضورها الإقليمي لا يمكن تجاهله. لكن المأساة أن السلطة الحالية نجحت، خلال سنوات طويلة، في تحويل هذا الثقل من مصدر جذب إلى مصدر قلق. صارت تركيا في نظر كثيرين بلداً يجب أن يُحسب له الحساب، لا بلداً يُراد الاقتراب منه. هي دولة يخشاها الجيران، يتفاوض معها الكبار بحذر، ويستخدمها الحلفاء عند الحاجة، لكن هذا شيء مختلف تماماً عن أن تكون دولة محبوبة أو مُلهِمة.

السلطة الحالية لم تبنِ صورة تركيا على الاستقرار والموثوقية والازدهار الهادئ، بل على التوتر الدائم، والخصومة السريعة، واللعب على حافة الأزمات. رأينا خلال السنوات الماضية اشتباكات دبلوماسية مع قوى عربية وإقليمية، وتوترات مزمنة مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، وخلافات حادة مع إسرائيل، وتباينات مستمرة مع الولايات المتحدة وأوروبا حول السلاح وروسيا والعقوبات والطاقة. صحيح أن أنقرة حاولت في بعض المراحل ترميم بعض هذه العلاقات، لكن الضرر على الصورة بقي قائماً: تركيا بدت كدولة كثيرة الشجار، كثيرة الابتزاز السياسي، وكثيرة الانتقال من خصومة إلى مصالحة ثم إلى خصومة جديدة.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق: الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض نفسها، بل أيضاً بقدرتها على كسب الثقة. تركيا اليوم قد تنجح أحياناً في الوساطة، كما ظهر في أدوارها بين روسيا وأوكرانيا أو في قنوات الرسائل بين واشنطن وطهران، لكن حتى هذا الدور لا يمحو حقيقة أن صورتها الخارجية باتت مرتبطة أكثر بفكرة “الدولة التي لها أجندة خفية” لا “الدولة التي يمكن الوثوق بها ببساطة”. الوسيط القوي شيء، والجار المطمئن شيء آخر. وأردوغان نجح في الأول أكثر بكثير من الثاني.

بل إن الضرر لم يقع فقط في الخارج. داخلياً أيضاً، صورة القيادة نفسها تآكلت. وفق مركز بيو، 55% من الأتراك كانت لديهم نظرة غير إيجابية إلى أردوغان في استطلاع 2024، مع تقييمات مختلطة للحكومة وثقة محدودة بأنها تعمل لمصلحة البلاد. هذا مهم جداً، لأن السلطة التي تُضعف الثقة في الداخل لا تستطيع بسهولة أن تصنع جاذبية في الخارج. كما أن بيو أظهر في 2025 أن مستوى الثقة الاجتماعية في تركيا منخفض جداً مقارنة بدول كثيرة أخرى، وهو مؤشر أعمق من السياسة اليومية: حين يصبح المجتمع نفسه أقل ثقة، تنعكس هذه الأزمة على صورة الدولة كلها.

لقد أرادت السلطة الحالية أن تجعل من تركيا دولة “يهابها الجميع”، لكنها لم تفهم أن الهيبة بلا جاذبية تتحول إلى عزلة باردة. الخوف قد يمنع الآخرين من تجاهلك، لكنه لا يجعلهم يحترمونك أخلاقياً أو يرتبطون بك وجدانياً. وعندما تصبح علاقاتك الخارجية قائمة على الصفقات المؤقتة، والتهديدات الضمنية، واستعراض العضلات، والتقلبات الحادة، فإن النتيجة الطبيعية هي أن الآخرين يتعاملون معك لأنهم مضطرون، لا لأنهم يريدونك شريكاً مفضلاً. هذا فرق هائل بين النفوذ وبين المحبة، بين التأثير وبين الشرعية المعنوية.

لقد خسرت تركيا كثيراً من “القوة الناعمة” التي كان يمكن أن تكون سلاحها الأذكى. كان يمكن لهذا البلد أن يُعرف بوصفه نموذجاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ناجحاً في العالم الإسلامي والشرق الأوسط وأوروبا المجاورة. لكن السلطة الحالية فضّلت خطاب التعبئة والاستقطاب، داخلياً وخارجياً، على بناء صورة دولة متزنة ومطمئنة. وبدلاً من أن تكون تركيا مثالاً جذاباً، تحولت في عيون كثيرين إلى مثال على الدولة التي تملك طاقة كبيرة لكن تُدار بعقلية الخصومة الدائمة.

حتى محاولات التطبيع والترميم التي قامت بها أنقرة لم تُلغِ هذه الحقيقة، بل أكّدتها أحياناً. لأن كثرة المصالحات بعد كثرة الخصومات لا تُنتج صورة دولة ناضجة، بل صورة دولة متقلبة. مرة تتشاجر مع الجميع، ومرة تعود لتطلب التهدئة، ومرة تعرض الوساطة، ومرة تلوّح بالقوة. من يتابع هذا المسار لا يخرج بانطباع “تركيا القوية والواثقة”، بل بانطباع “تركيا القلقة التي تبحث دائماً عن معركة ثم عن مخرج منها”.

والنتيجة النهائية واضحة: تركيا لم تصبح دولة بلا نفوذ، لكنها صارت دولة يُخشى غضبها أكثر مما يُرغب في قربها. هذه ليست بطولة، بل فشل سياسي طويل المدى. لأن الدول العظيمة حقاً لا تحتاج فقط إلى أن يخاف منها خصومها، بل إلى أن يثق بها جيرانها، ويحترمها شركاؤها، ويشعر الناس أن الاقتراب منها فرصة لا مخاطرة.

لقد نجحت السلطة الحالية في تضخيم حضور تركيا، لكنها أضعفت جاذبيتها. رفعت الصوت، لكنها خفّضت الرصيد المعنوي. جعلت من البلد لاعباً لا يمكن تجاهله، لكنها جعلته أيضاً بلداً صعب الحب. وهذه ربما تكون أخطر خسارة لأي دولة تريد أن تقود: أن تكون قوية بما يكفي لتُخيف، لكنها لم تعد جميلة بما يكفي لتُلهم.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه


المزيد.....




- من حوريات البحر إلى فقمات تتحوّل إلى بشر.. تتقاطع الأساطير ف ...
- بعد تهديدات الحرس الثوري.. رئيس إيران يوجه رسالة إلى دول الم ...
- بحضور السعودية وتركيا ومصر.. باكستان تستضيف قمة رباعية لبحث ...
- حساب السعرات الحرارية ليس فعّالاً، جرّب الأكل بذكاء بدلاً من ...
- -أخيراً، أدرك دونالد ترامب أن إسرائيل تلاعبت به- - مقال في ا ...
- أضرار كبيرة في نظام الرادار بمطار الكويت إثر هجمات بمسيرات
- مقتل أكثر من 20 مهاجرا قبالة السواحل اليونانية بقوا 6 أيام م ...
- رغم تجريده من اللقب ومنحه للمغرب... منتخب السنغال سيعرض كأس ...
- الحوثين يدخلون حرب الشرق الأوسط.. ما الدلالات؟
- غارات إسرائيلية مكثفة على عدة مناطق في إيران


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية تركيا إلى بلد يثير القلق أكثر مما يثير الاحترام؟