أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - سدنة الغيب: صراع العروش بين السماء والأرض














المزيد.....

سدنة الغيب: صراع العروش بين السماء والأرض


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 00:24
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الهيمنة على العوام، وتبادل الأدوار بين الآلهة ساكنة السماء والكهنة على الأرض.
- أيهما صنيعة الآخر، أيهما الخالق وأيهما المخلق؟
- هل الآلهة هي التي توظف الكهنة، أم الكهنة هم من يوظفون الآلهة؟

منذ فجر الحضارة، والمشهد يتكرر: صروح شاهقة، بخور يتصاعد، وعوام يخرّون سُجَداً أمام تماثيل وأيقونات صامتة لآلهة وأنصاف آلهة وملوك وقديسين. خلف هذا المشهد، تدور أعقد عملية تبادل أدوار في التاريخ البشري، حيث تلتقي "الهيمنة" بـ "المقدس". السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس مجرد تساؤل لاهوتي، بل هو تفكيك لبنية السلطة: من الذي صنع الآخر؟ ومن يوظف من؟

أولاً: الخالق والمخلوق.. معضلة المرآة
في الجدل الفلسفي والاجتماعي، تبدو العلاقة بين "الآلهة" و"الكهنة" كحلقة مفرغة، لكن التدقيق في التاريخ يكشف أن الإنسان هو المهندس الأول.
• الآلهة كصناعة بشرية: هي التجسيد لأسمى المخاوف وأقصى الآمال. خلق الإنسان الآلهة لتفسير الطبيعة، ثم جاء الكهنوت ليعطي لهذه الآلهة "صوتاً" و"تشريعاً".
• الكهنة كصناعة إلهية (ظاهرياً): يدعي الكاهن أنه لم يختر منصبه، بل "اصطفاه" الرب. هنا تصبح الآلهة هي "الخالق" الشرعي لسلطة الكاهن أمام العوام.
الحقيقة أن العلاقة هي تخلق متبادل؛ الكاهن يخلق "هيبة" الإله عبر الطقوس، والإله يخلق "شرعية" الكاهن عبر الغيب.

ثانياً: من يوظف من؟.. إدارة الاستثمار الروحي
إذا نظرنا إلى المؤسسة الدينية ككيان وظيفي، سنجد أن الإجابة تميل بوضوح نحو "الأرض":
1. الكهنة يوظفون الآلهة: الآلهة في يد الكهنوت هي "الأداة المطلقة". إنها الموظف الذي لا يطلب أجراً، ولا يعترض، ولا يخطئ. يوظف الكاهن اسم الإله لـ:
• جباية الأموال: (القرابين، النذور، الزكوات).
• ضبط السلوك الاجتماعي: تحويل القوانين البشرية إلى "أوامر سماوية" غير قابلة للنقاش.
• التصفية السياسية: وصم المعارضين بـ "الهرطقة" أو "الكفر".
2. الآلهة توظف الكهنة (في وعي العوام): بالنسبة للمؤمن البسيط، الكاهن هو مجرد "موظف استقبال" في ديوان الملك السماوي. هذا الاعتقاد هو سر قوة الكهنوت؛ فالعوام يتحملون طغيان الكاهن لأنهم يرونه "توجيهاً" من الإله.

ثالثاً: الهيمنة على العوام.. سيكولوجية القطيع والمقدس
تعتمد الهيمنة على قاعدة ذهبية: "اجعل الخوف مقدساً، والجهل فضيلة".
• تبادل الأدوار: عندما يغيب الإله (بالصمت)، يحضر الكاهن (بالتحدث نيابة عنه). وعندما يشتد ظلم الكاهن، يلوذ العوام بالإله، فيخبرهم الكاهن أن الصبر "مفتاح الجنة".
• المقايضة الكبرى: يقدم الكهنة للعوام "الأمان الروحي" مقابل "الانصياع المادي". إنها عملية تبادل للأدوار حيث يصبح الإله هو "الشرطي الغائب"، والكاهن هو "المحقق الحاضر".
خاتمة: فك الارتباط
إن الآلهة -بمفهومها المؤسسي- كانت دوماً الثمرة التي قطفها الكهنة من شجرة الخوف البشري. الكهنة هم من رسموا ملامح الآلهة، وهم من قرروا متى تغضب ومتى ترضى. وفي نهاية المطاف، يبقى الإله فكرة سامية في قلوب المحبين، لكنه يتحول إلى "سلاح" في يد من يدّعون احتكار التحدث باسمه.

صناعة "الإله" كغطاء للشرعية
في عالم الميتافيزيقا، الكاهن هو "المهندس الخفي". لكي يهيمن على العوام، لا بد له من "خالق" يتجاوز قوانين المادة، ليكون هو (أي الكاهن) المترجم الوحيد لإرادته.
• أيهما المخلق؟ الإله في المنظور الكهنوتي هو "تضخيم" لصفات يحتاجها الكاهن لضبط المجتمع. إذا أراد الكاهن "النظام"، خلق إلهاً شديد العقاب. وإذا أراد "المال"، جعل القرابين باباً وحيداً للمغفرة.
• الوظيفة: الكاهن هنا "يوظف" الإله كقوة ردع معنوية. الإله لا ينزل ليعاقب السارق أو المتمرد بنفسه، بل يترك "التفويض" للكاهن ليقوم بذلك باسمه.

تبادل الأدوار: "فناء الذات في النص"
تحدث عملية ذكية جداً من "التماهي" بين الطرفين:
• اختفاء الكاهن خلف الإله: الكاهن الذكي لا يقول "أنا آمركم"، بل يقول "قال الرب". هنا يمحو الكاهن شخصيته البشرية الضعيفة ليرتدي رداء الألوهية المطلق.
• ظهور الإله عبر الكاهن: بما أن "الإله ساكن السماء" صامت ولا يتنزل بالوحي كل يوم، يصبح صمت الإله هو "المساحة" التي يتحرك فيها الكاهن. هذا الصمت هو الذي يمنح الكاهن سلطة "التأويل"، أي توجيه النص ليخدم موازين القوى على الأرض.
لغة الخطاب الميتافيزيقي: أدوات الهيمنة
يستخدم كهنة الميتافيزيقا لغة خاصة لضمان استمرار الهيمنة على العوام:
• الغموض المقدس: استخدام مصطلحات لا يفهمها العوام (السنسكريتية، اللاتينية، او اللغة القبطية القديمة، أو العربية المقعرة) ليوهموا الناس بأن التواصل مع السماء يتطلب "شفرة" لا يملكها إلا هم.
• احتكار "الحقيقة المطلقة": أي تساؤل من العوام يُصنف كـ "وسوسة" أو "نقص إيمان". هنا يُلغى العقل البشري لصالح "التسليم" للكاهن.
• المقايضة بالخوف والرجاء: الربط الدائم بين الطاعة الأرضية للكاهن والجزاء الغيبي في السماء.
هل الآلهة هي من توظف الكهنة؟
من الناحية التاريخية والاجتماعية، الكهنة هم من يوظفون الآلهة.
فالآلهة (كصورة ذهنية ومؤسسة دينية) لا تملك لسانًا ولا يدًا لتدير شؤون الأرض. الكاهن هو من "يستدعي" الإله في لحظات الصراع، وهو من "يُصمته" في لحظات التصالح مع السلطة.

القاعدة الميتافيزيقية: كلما زاد جهل العوام بطبيعة الأشياء، زادت حاجة الكهنة لاختراع "قوى غيبية" تفسرها، لضمان بقائهم كوسطاء لا يمكن الاستغناء عنهم.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مابين العقيدة والسياسة: تفكيك -الاستماتة- الإيرانية
- في النهايات دوماً لا يموت الأخطبوط
- أنياب السلطة على جثة الوطن: معضلة البقاء فوق الركام
- ملحمة الغضب ومصير الإنسانية
- سيكولوچية جمع المعقول والموروث
- أزمة الهوية في الشرق الأوسط: هل سقطت -الوطنية- في فخ الطائفي ...
- صراع السموّ والسطوة: قراءة في فلسفة -قوة الحق- مقابل -حق الق ...
- بين الانفتاح الساذج والمهادنة القاتلة: حين تغتال الحضارةُ نف ...
- أوروبا في مهب الريح: بين ضغوط -ترامب- وتآكل الهوية الديموغرا ...
- اليسار والتأسلم السياسي، من الراكب ومن المركوب؟
- التعددية Pluralism تحت المجهر
- تجسد الآلهة في عقائد الشعوب
- بين البراغماتية والانتهازية: هل تنفرد قطر بـ -الرقص على الحب ...
- الحياد بين سويسرا ودول الخليج
- الوحشية موروث فكري أم طبيعة بشرية
- صمود أم جنون: جدلية القتال حتى الرمق الأخير
- الهوية بين مطرقة التقديس وسندان الجمود: لماذا يتعثر الشرق؟
- لبنان: صراع الكينونة بين إرث التاريخ ومخاض المستقبل
- مخاضة الشرق الأوسط من -التبشير بالديمقراطية- إلى -إدارة الان ...
- يسوع واحد ورؤى متعددة


المزيد.....




- ركود حاد يضرب السياحة الدينية في النجف وكربلاء
- المقاومة الإسلامية في العراق تقصف قاعدة أمريكية في الأردن
- مقر -خاتم الأنبياء- لحرس الثورة الاسلامية: القوات المسلحة ا ...
- من الزهد إلى المؤسسة.. دراسة تاريخية في تحولات العلاقة بين ا ...
- حرس الثورة الإسلامية: استخدمنا خلال هذا الهجوم أنواع مختلفة ...
- سفير إيران الدائم بالأمم المتحدة: الجمهورية الإسلامية وافقت ...
- حرس الثوة الإسلامية: مضيق هرمز اليوم هو المؤشر لتغير ميزان ا ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان تستهدف تجمعا وآليات لجنود العدو ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان تستهدف تجمعاً لجنود العدو في بل ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف دبابتي -ميركافا- في بلدة ...


المزيد.....

- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - سدنة الغيب: صراع العروش بين السماء والأرض