أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن الريع والرقمنة















المزيد.....

21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن الريع والرقمنة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن للمشروع الثوري في العالم العربي أن يتقدم دون إعادة بناء أدواته النظرية على أسس تتناسب مع خصوصية التشكيلات الاجتماعية في المنطقة. النظريات الماركسية التي تطورت في سياق أوروبا الصناعية في القرن التاسع عشر، أو في سياق حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، تحتاج إلى ترجمة نقدية وإعادة صياغة لتستطيع تفسير واقع يتسم بسيطرة نمط الإنتاج الريعي، وتشكل طبقات على أسس مغايرة للنموذج الكلاسيكي، وتداخل متزايد بين البنى المحلية والعولمة الرقمية. هذه المهمة ليست ترفاً أكاديمياً يمكن تأجيله، بل هي شرط ضروري لأي ممارسة سياسية جادة، لأن غياب النظرية السليمة يؤدي إلى ممارسة عمياء تتخبط بين الإصلاحية والعفوية، وتفشل في قراءة التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع.

الماركسية العربية في مراحلها السابقة، رغم عظمتها في لحظات معينة، ظلت أسيرة إرثين ثقيلين. الإرث الأول هو النزعة الاقتصادية الميكانيكية التي اختزلت التحليل الطبقي في علاقات الملكية والمواقع في الإنتاج، دون الالتفات الكافي إلى تعقيدات البنى الاجتماعية في المجتمعات الريعية حيث تتداخل الطبقات مع العصبيات القبلية والطائفية والمناطقية، وحيث لا تنطبق مفاهيم "البروليتاريا" و"البرجوازية" بالمعنى الصناعي الكلاسيكي. هذا الإرث جعل اليسار العربي يقرأ الواقع من خلال قوالب جاهدة، فيفشل في فهم طبيعة الدولة البونابرتية الجديدة، وفي استيعاب التحولات التي طرأت على الطبقة العاملة في زمن الاقتصاد غير الرسمي والرقمنة.

الإرث الثاني هو التبعية النظرية، حيث ظلت الماركسية العربية لوقت طويل مستوردة من مراكز الإنتاج النظري في الغرب أو في التجارب الثورية الأخرى (الروسية، الصينية، الكوبية)، دون أن تخضع لنقد جذري يربطها بخصوصية الواقع العربي. هذه التبعية أدت إلى استيراد صراعات نظرية لا تعبر عن التناقضات الحقيقية في مجتمعاتنا، مثل الصراع بين "الستالينية" و"التروتسكية" في سياقات لا تتوفر فيها ظروف النقاش التي أنتجت هذه الصراعات في أوروبا. كما أدت إلى إهمال تطوير مفاهيم قادرة على تفسير ظواهر مركزية في الواقع العربي: الريع النفطي كأساس لنمط إنتاج كامل، الدولة العسكرية-الأمنية التي تندمج في التراكم الرأسمالي، الإسلام السياسي كظاهرة طبقية وليس مجرد أيديولوجيا، الاقتصاد غير الرسمي كفضاء رئيسي لاستغلال العمل، الهجرة كإعادة تشكيل للقوى العاملة على المستوى الإقليمي والدولي.

المهمة الأولى لإحياء الماركسية العربية هي نقد هذا الإرث، ليس من منطلق "تحديث" أو "تليين" الماركسية كما يفعل بعض التيارات الإصلاحية، بل من منطلق إعادة بناء أدواتها على أسس صالحة لفهم الواقع الراهن. هذا النقد يتطلب العودة إلى المنهج الجدلي نفسه، الذي يرفض التعامل مع النظرية كعقيدة جامدة، ويدرك أن التحليل الطبقي يحتاج إلى إعادة اختراع في كل مرحلة تاريخية جديدة. ما كتبه ماركس عن إنجلترا الفيكتورية لا يمكن نقله كما هو إلى مصر أو تونس أو اليمن اليوم، لكن المنهج الذي وضعه يمكن تطويره لتحليل واقع جديد تختلف فيه علاقات الإنتاج وطبيعة الطبقات وأشكال الصراع.

من أهم المجالات التي تحتاج إلى تطوير نظري هي نظرية الدولة في المجتمعات الريعية. اليسار العربي ظل لفترة طويلة أسير نموذجين متناقضين: إما اعتبار الدولة مجرد "لجنة لإدارة شؤون البرجوازية" كما في التحليل الماركسي التقليدي الذي صيغ في سياق رأسمالية مركزية، وإما اعتبارها كياناً مستقلاً فوق الطبقات يمكن "إصلاحه" أو "الاستيلاء عليه" عبر الانتخابات كما في الخطاب الليبرالي. كلا النموذجين يفشل في تفسير طبيعة الدولة البونابرتية الجديدة التي تجمع بين الاستقلال النسبي عن الطبقات في ظاهرها السياسي، والارتباط العضوي بالبرجوازية الريعية في جوهرها الاقتصادي، وبين سيطرة الأجهزة العسكرية-الأمنية على مفاصل الاقتصاد وتحولها إلى رأسماليين كبار، وبين استخدام القمع المباشر وأدوات الهيمنة الثقافية الحديثة في آن معاً. تطوير نظرية للدولة قادرة على تفسير هذه التعقيدات هو شرط لأي استراتيجية ثورية واقعية لا تكتفي بشعارات إسقاط النظام دون برنامج للتعامل مع هذه الآلة المعقدة.

المجال الثاني الذي يحتاج إلى تطوير نظري هو نظرية الطبقات في ظل الرأسمالية الريعية. المجتمعات العربية لا تعرف طبقة عاملة صناعية بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفته أوروبا في القرن التاسع عشر أو النمور الآسيوية في القرن العشرين، لكنها تعرف تشكيلات طبقية معقدة لا تقل أهمية: بروليتاريا مشتتة في الاقتصاد غير الرسمي وفي قطاعات الخدمات الهشة، برجوازية ريعية طفيلية لا تعيش من الإنتاج بل من الوساطة والاحتكار، طبقة وسطى منتفخة تعيش على وظائف الدولة أو على هامش الريع، فلاحون مهمشون يفقدون أراضيهم لصالح التوسع العمراني والاستثماري، عمال مهاجرون يعيشون في ظروف استرقاق حديث، ومهمشون حضريون يعيشون على هامش كل شيء. هذه التشكيلات لا يمكن اختزالها في قوالب جاهزة، لكنها ليست فوضى لا تخضع للتحليل الطبقي. إنها تحتاج إلى أدوات تحليلية جديدة قادرة على تتبع مصالحها المادية، وتناقضاتها الداخلية، وإمكانات تحالفها في مواجهة العدو المشترك. الصراع الطبقي في المنطقة لا يختفي بغياب البروليتاريا الصناعية الكلاسيكية، بل يأخذ أشكالاً جديدة تحتاج إلى قراءة جديدة.

المجال الثالث هو نظرية الأيديولوجيا والهيمنة في العصر الرقمي. اليسار العربي ظل لفترة طويلة يتبنى نظريات الأيديولوجيا التي تطورت في سياق الإعلام التقليدي والصحافة المطبوعة والتلفزيون، دون أن يستوعب التحولات العميقة التي أحدثتها الرقمنة في آليات إنتاج الوعي ونشره واستهلاكه. الهيمنة اليوم لا تتحقق فقط عبر مؤسسات التنشئة التقليدية مثل الأسرة والمدرسة والكنيسة أو المسجد، بل عبر خوارزميات المنصات الرقمية التي تصنع غرف الصدى، وحملات التضليل المنظمة التي تستخدم جيوشاً إلكترونية، والإعلانات المستهدفة التي تخترق خصوصية الأفراد، وصناعة المؤثرين الذين يعيدون إنتاج خطاب السلطة بوجوه شابة، وإنتاج المحتوى السريع الذي يستهلك وينسى في لحظات ولا يترك أثراً. تطوير نظرية نقدية قادرة على تفكيك هذه الآليات المعقدة، وعلى تحديد مواقع التدخل الممكنة داخل هذا الفضاء الرقمي المهيمن، هو شرط لأي مشروع ثقافي مضاد فاعل لا يكتفي بنقد الخطاب التقليدي للسلطة.

المجال الرابع هو نظرية التحول الثوري في ظل انسداد الأفق الإصلاحي. اليسار العربي يعاني من إرث ثقيل من الإصلاحية، التي ترى في الانتخابات والدساتير المدخل الوحيد للتغيير، وتتجاهل أن هذه الأدوات، في ظل سيطرة الدولة البونابرتية والبرجوازية الريعية على مفاصل الاقتصاد والإعلام والقضاء، لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة لا تمس جوهر علاقات القوة. في المقابل، تعاني التجربة الثورية في المنطقة من نزعة عفوية تكتفي بالاحتجاج دون تنظيم، وتفشل في بناء سلطة بديلة قادرة على تحطيم الدولة القديمة وملء الفراغ الذي يلي سقوط الأنظمة. الخروج من هذا المأزق بين الإصلاحية والعفوية يتطلب تطوير نظرية للتحول الثوري تراعي خصوصية المنطقة، وتجمع بين الرفض الجذري للنظام القائم والبناء التدريجي لقوى اجتماعية وتنظيمات قادرة على فرض البديل في اللحظة المناسبة.

هذه المهام النظرية لا يمكن أن تنجز في معزل عن الممارسة السياسية الفعلية. النظرية الماركسية الجديدة لا تُبنى في المختبرات الأكاديمية ولا في غرف الاجتماعات المغلقة، بل تنبثق من رحم النضالات الاجتماعية اليومية، وتتغذى من تجارب الجماهير في مقاومتها للاستغلال والقهر، وتختبر نفسها في الصراع الميداني مع أجهزة الدولة وأدواتها الأيديولوجية. لذلك، فإن مهمة المثقفين الثوريين اليوم ليست فقط قراءة الكتب وتطوير المفاهيم في برج عاجي، بل المشاركة العضوية في الحركات الاجتماعية الناشئة، والاستماع إلى هموم الطبقات الشعبية بلغتها المباشرة، وترجمة تجاربها وتطلعاتها إلى لغة نظرية قادرة على تعميمها وتطويرها وربطها بأفق استراتيجي أوسع.

كما كتب أنطونيو غرامشي في "دفاتر السجن": "التشاؤم بالعقل، التفاؤل بالإرادة". العقل يخبرنا أن المهمة التي بين أيدينا صعبة، وأن تراكمات عقود من الهزيمة والتبعية والتخلف النظري لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها. لكن الإرادة تخبرنا أن لا خيار أمامنا سوى المضي قدماً، لأن غياب النظرية الثورية يعني استمرار الهزيمة، واستمرار الهزيمة يعني مزيداً من المعاناة للطبقات المسحوقة التي تنتظر من يلتقط غضبها ويحوله إلى قوة واعية قادرة على بناء عالم جديد. بناء ماركسية عربية معاصرة هو شرط لاستعادة الأمل في التغيير، ولتحويل طاقات الغضب والتمرد التي تتفجر في الشارع العربي بين الحين والآخر من لحظات عابرة إلى قوة تاريخية مستدامة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...


المزيد.....




- هجمات جديدة بين إيران وإسرائيل.. وكاتس يتوعد بتوسيع الضربات ...
- روبيو: حرب إيران ستستغرق هذه المدة ويمكننا تحقيق أهدافها دون ...
- صور فضائية لـ-توأم أبو الهول- تحت رمال الجيزة.. ما حقيقة ذلك ...
- المغرب: السجن ثمانية أشهر لمغني راب بتهمة -إهانة هيئات منظمة ...
- عاجل | رئيس مجلس السلام للجزيرة: نسعى إلى تشكيل سلطة في غزة ...
- اتفاقية مشتريات دفاعية بين السعودية وأوكرانيا
- حزب الله يعلن استهداف جنود إسرائيليين في جنوب لبنان والجليل ...
- إسرائيل تعلن استهداف مصنع لاستخراج اليورانيوم في إيران
- طفل يحمي صديقه بجسده بعد إطلاق نار في مدرسة.. تكريم بطولي بع ...
- الناصري في بلا قيود: امريكا لا تحترم وساطة الحكومة العراقية ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن الريع والرقمنة