أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد كانون - صنم الخارج ومورفولوجيا الدولة: الدستور بين سيف الغلبة وميزان المصالحة














المزيد.....

صنم الخارج ومورفولوجيا الدولة: الدستور بين سيف الغلبة وميزان المصالحة


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 04:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تُولد سيادة الدول في فراغ رومانسي، بل في ساحات استقطاب جيوسياسي دامية. الصراع الداخلي (يمين/يسار) سرعان ما يستدعي "الخارج" كصنم براغماتي يُعبد لترجيح كفة على أخرى. وفي نهاية المطاف، لا يكون "الدستور النهائي" الذي يشكل هيكل الدولة مجرد عقد اجتماعي مثالي، بل هو انعكاس صارم لنتائج المعركة؛ إما وثيقة تُكرّس "الغلبة" الساحقة لمنتصر حسم صراعه بالحديد والنار (والحليف الأجنبي)، أو وثيقة "مصالحة" تفرضها توازنات العجز المتبادل أو غياب التدخل الخارجي.

إن القراءة المتأنية لتاريخ بناء الدول تكشف أن الأيديولوجيا غالباً ما تكون قناعاً لكيمياء المصالح. عندما يحتدم الصراع الداخلي، تذوب الحدود الوطنية، ويتحول التدخل الخارجي من "خيانة" إلى "ضرورة بقاء". لكن الأهم من سيرك المعارك هو "اليوم التالي" للحرب؛ حيث تُصاغ هوية الدولة وشكلها النهائي في نصوص دستورية. هذا الدستور ليس سوى الترجمة القانونية لمنتصر فرض إرادته (الغلبة!!)، أو أطراف أنهكها الصراع فارتضت اقتسام الكعكة (المصالحة!!).
وهنا نستعرض مختبرات التاريخ والواقع لتشريح هذه الجدلية:

١. إسبانيا (1936-1939): مختبر الاستقطاب ودستور "الغلبة المطلقة"
في المسلخ الإسباني، استدعى اليمين المحافظ الآلة العسكرية النازية والفاشية، بينما تُرك اليسار الجمهوري ليختنق بـ"الحياد الغربي" ويرتهن لستالين الذي مزقه من الداخل. النتيجة كانت سحقاً تاماً لليسار. شكل الدولة الناتجة كان ديكتاتورية شمولية، ودستورها لم يكن سوى وثيقة "غلبة" قاطعة صاغها فرانكو بحراب المنتصرين، مؤسساً لدولة عسكرية أقصت خصومها تماماً من الوجود السياسي.

٢. اليونان (1946-1949): سقوط الأيديولوجيا ودستور "الإقصاء"
في حربها الأهلية، أثبتت اليونان أن الانتماء للمعسكرات أقوى من الأيديولوجيا. تخلى السوفييت عن اليسار اليوناني بصفقة مع تشرشل، بينما حسم اليمين المعركة بضخ السلاح والمال الأمريكي (مبدأ ترومان). الدولة الناتجة كانت رأسمالية تابعة للغرب، والدستور النهائي بُني على "الغلبة" الصريحة التي جرّمت اليسار لعقود، لتصبح وثيقة التأسيس انعكاساً لانتصار المحور الأمريكي.

٣. سويسرا (1847): "الفراغ المحمي" ودستور "المصالحة"
على عكس سابقاتها، حُسم صراع سويسرا (حرب السوندرابوند) بين الليبراليين والمحافظين في بيئة معزولة جيوسياسياً بفضل مماطلة بريطانيا التي منعت تدخل فرنسا والنمسا. هذا "الفراغ المحمي" أدى لانتصار سريع لليبراليين، لكن الأهم هو شكل الدولة الناتجة؛ فلم يلجأ المنتصرون لسحق المهزومين، بل صاغوا دستور 1848 الفيدرالي القائم على "المصالحة" والتوافق، ليؤسسوا أهدأ وأكثر دول أوروبا استقراراً.

٤. فرنسا (1871): كوميديا الطبقية وتأجيل المصالحة
في فرنسا، تعرت الوطنية أمام المصالح الطبقية. حين استولت "كومونة باريس" العمالية على السلطة، لم يتردد اليمين الفرنسي (حكومة فرساي) في التحالف مع جيش الاحتلال البروسي لسحق أبناء وطنه. شكل الدولة الناتجة (الجمهورية الثالثة) بُني في بداياته على "غلبة" طبقية برجوازية ساحقة، ولم تأتِ دساتير المصالحة الاجتماعية إلا لاحقاً وبعد مخاضات عسيرة.

٥. ليبيا ومصر: إعادة الإنتاج في المختبر العربي
ليبيا (الدستور المفقود): تحولت لساحة استقطاب مفتوحة تعج بمرتزقة عواصم العالم. استدعى الجميع الخارج، فأصبح الخارج هو المرجح البيولوجي. النتيجة: غياب شكل نهائي للدولة، وتعذر كتابة دستور؛ لأن توازن الضعف بين الميليشيات وحلفائها الدوليين يمنع "الغلبة" التامة، ويفشل حتى الآن في إنتاج "مصالحة" حقيقية.
مصر (دستور الغلبة المؤسسية): امتصت مصر صدمة التدخلات بفضل "الكتلة الصلبة" للدولة. تم استبعاد الفصائل التي حاولت تفكيك هذه الكتلة، وفرضت الدولة احتكارها للقوة. شكل الدولة الناتجة هو دولة مركزية صلبة، ودستورها النهائي بُني على "غلبة" مؤسسات الدولة التاريخية وتوجهاتها الوطنية، مما مكنها من التحول لفاعل جيوسياسي يرسم خطوطاً حمراء في الإقليم (مثل سرت-الجفرة).

اذاً من السردية التاريخية السياسية نستخلص: أن الدساتير لاتكتب بحبر الأماني، بل بدماء المعارك وموازين القوى الخارجية والداخلية. من يستدعي الخارج لإنقاذه، يرهن شكل دولته ومضمون دستورها لإرادة هذا الخارج. وفي النهاية، الدستور هو "فاتورة" تُسدد؛ إما كإعلان "غلبة" يُقصي المهزوم ويحمي مصالح المنتصر وحلفائه، أو كعقد "مصالحة" يوزع النفوذ لتجنب الفناء المشترك. البقاء ليس للأكثر نبالة، بل لمن يتقن ترويض صنم الخارج لصياغة وثيقته الداخلية.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتحار المستعمرة: قراءة في كيمياء الفناء البشري
- ديالكتيك الخوف والمركزية: الوعي الجمعي بين غريزة النكوص وإرا ...
- ​العلمانية العربية: من الاستيراد القسري إلى الوعي العض ...
- الحديقة: جمهورية الغيوم والذات الحرة
- في يوم المرأة العالمي.. كرنفال التناقض الشرقي!!؟.
- سيمفونية الجسد: الرقص كوثيقة وجودية
- صراع النبوءات الرقمية: حين يمتطي -الجهل المقدس- صهوة التكنول ...
- الذكاء الاصطناعي هو ذكاء الطبيعة(الانتخاب الطبيعي) المعدل بش ...
- -التفوق الاسرائيلي/اليهودي.. وهم الجينات وحقيقة فن التحكم-:
- الدمج بين فلسفة التاريخ عند هيجل، وعلم النفس التحليلي عند فر ...
- -الشماتة المقدسة- او اذا اردتم، -الشامت الذي يظن أن الله معه ...
- اضطراب الشخصية الكاذب المتكرر
- القوة في (التوازن الديناميكي) و ليست في المرونة على حساب الث ...
- -الاتجاه أهم من السرعة-
- ما نخافه يتحقق ليس بسبب -قدر- أو -سحر-، بل بسبب آليات نفسية ...
- تفكيك جينولوجيا الوهم من جينولجيا الأخلاق:-
- شهوة السلطة ليست متجذرة في القوة بل في الضعف
- النجاح و الزمن
- كلمات عن الصراع: الزوجة الصالحة!: أو الزوج الصالح:
- المختصر المفيذ في ازمة الخطاب


المزيد.....




- مصر توضح حقيقة أنباء -رسو سفينة أجنبية بموانئها محملة بالفول ...
- ترامب يعلن تمديد المهلة قبل -تدمير محطات الطاقة الإيرانية- ل ...
- بسبب الحرب على إيران.. واشنطن تدرس تحويل مساعدات عسكرية من ...
- الاتحاد الأوروبي يتهم روسيا بدعم إيران استخباراتيا لاستهداف ...
- ترامب: السيطرة على النفط الإيراني -خيار مطروح-
- -سقوط الأقنعة-: هل كشفت حرب غزة عن الفجوة بين الأنظمة والشار ...
- خبير عسكري روسي: واشنطن تكرر أخطاء حرب فيتنام لذلك ستُهزم
- إيران تحظر على الفرق الرياضية السفر للدول التي تعتبرها -معاد ...
- تحسبا لمفاجآت ترمب.. إسرائيل تسابق الزمن لتدمير ترسانة إيران ...
- تزيد عن 9 آلاف.. خبراء يسجلون تزايدا مقلقا للأسلحة النووية ف ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد كانون - صنم الخارج ومورفولوجيا الدولة: الدستور بين سيف الغلبة وميزان المصالحة