أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مضاء رشد الباي - تونس وشبح تشاوشيسكو.. إحياء لنموذج السوفييت في القرن 21














المزيد.....

تونس وشبح تشاوشيسكو.. إحياء لنموذج السوفييت في القرن 21


مضاء رشد الباي

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 04:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


​بينما كان العالم يظن أن السقوط المروع لنظام "نيكولا تشاوشيسكو" في رومانيا عام 1989 قد أغلق للأبد كتاب "الدولة التقشفية"، تستحضر تونس في مطلع عام 2026 تلك الأشباح بدقة تثير الفزع. نحن لا نتحدث هنا عن تشابه عابر، بل عن "ارتداد تاريخي" كامل نحو نموذج "الدولة الزاهدة" التي تبيع لمواطنيها "الكرامة السيادية" في أطباق فارغة، وتستبدل الاقتصاد الحيوي بهياكل عفا عنها الزمن ورحلت مع الإيديولوجيات المولودة ميتة والقذافي تُسمى "الشركات الأهلية"، في مشهد يجمع بين بؤس الثمانينيات وانسداد أفق القرن الحادي والعشرين. فنحن أمام سياسة الهروب إلى الوراء وأسسنا عقيدة "الاختناق المالي" معناه سداد الديون على حساب بقايا المرافق العامة الوطنية حيث ​تعيش تونس اليوم ما يمكن تسميته بـ "السيادة الجائعة". فبذات العناد الذي أظهره تشاوشيسكو حين قرر تجويع الشعب الروماني لسداد ديون المصارف الدولية تأكيداً لـ "استقلاله ووطنيته"، تصر تونس على رفض الانخراط في المنظومة العالمية المفتوح والانفتاح على رأس المال الوطني و الأجنبي وكلمة أجنبي أصبحت في تونس "مريبة ويتخللها خيانة ضمنية للوطن"
​الواقع خلف هذا ما يحدث هو "دولة مفلسة" تمارس بيروقراطية إدارية تجاه مواطنيه تجاوزها الزمن منذ عقد كامل حيث تُوجه آخر مدخرات العملة الصعبة لسداد قسط قرض دولي، بينما تتوقف المخابز عن العمل ، وتفرغ المستشفيات من أبسط الأدوية الحيوية وتغيب فيها أبسط مقومات الحياة ؛ فالدولة التي تفتخر بأنها "لا تقترض" هي نفسها الدولة التي تعجز عن إيجاد حلول لشعب لا يملك حتى حق النقد تجنبا للدخول في مسارات قضائية مظلمة
​الاقتصاد القاعدي الذي نعيش تحت رحمته يعني"تأميم الفقر" عبر الشركات الأهلية؛ ​في رومانيا السوفيتية، كان الفشل يُغطى بشعارات "الإدارة الذاتية العمالية"، وفي تونس 2026، تُطرح "الشركات الأهلية" كبديل أيديولوجي للاقتصاد الحر. هذا التوجه ليس إلا "وصفة تزيد من الخراب المؤسساتي"؛ إذ أن ما يحدث اليوم هو تفتيت الملكية والإنتاج إلى وحدات بدائية تفتقر للتكنولوجيا والتمويل والكفاءة، في محاولة لاستبدال "رأس المال" بـ "الولاء القاعدي".
​هذا الانغلاق الاقتصادي أدى إلى "انعدام الحرية" في المبادرة الخاصة؛ فالدولة التي تتدخل في كل مفاصل التجارة، من المزرعة إلى المتجر، تحولت إلى "وحش بيروقراطي" يعجز عن الإنتاج وينجح فقط في التضييق. إن "تونس 2026" تعيد حرفياً إنتاج "فوضى التوزيع" التي ميزت أواخر العهد السوفيتي، حيث تدار الأسواق بالمرسوم والمراقبة لا بقانون العرض والطلب.
وإن فشل ذلك تنتقل إلى ​خطاب "التخوين الممنهج"عندما تصبح الدولة "عطّاراً" والمواطن "متهماً"
​في كل مرة يختفي فيها رغيف الخبز أو تنقطع المياه، يرتفع صوت الخطاب الرسمي ليس لتقديم حلول تقنية عملية برؤى واضحة، بل لجلد "المتآمرين" والدعوة والتأكيد وصيغ رسائل إنشائية لتحتكر السلطة دور المعارضة أيضا. هذا هو الرابط الأكثر بؤساً مع رومانيا 1988؛ حيث يُصنف كل عجز إداري كـ "خيانة عظمى"، ويُحول كل من ينقد الوجه إلى "عدو للشعب".
​لقد نجحت السلطة في خلق مناخ من "الرعب القانوني"؛ إذ أنها منظومة تقتات على "صناعة الأعداء" للتغطية على جفاف الخزينة، تماماً كما كان "البوليس السياسي الروماني يطارد الأشباح والناس بينما كانت رومانيا تغرق في الظلام والبرد.
​إن تونس في عام 2026 لا تعيش أزمة سياسية واقتصادية فحسب، بل تعيش "تحللاً تدريجياً لمفهوم المواطن والمواطنة بين الحقوق والواجبات. فالدولة التي تعجز عن القيام بوظائفها الحيوية وتكتفي بالوعظ الأخلاقي ومطاردة الخصوم، هي دولة وضعت نفسها على سكة "النموذج الروماني" بكل تبعاته الأليمة.
​المأساة الكبرى ليست في تكرار التاريخ، بل في الإصرار على العيش في ثمانينيات القرن الماضي بينما يطوي العالم صفحات القرن الحادي والعشرين وعالم الذكاء الاصطناعي



#مضاء_رشد_الباي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نيران الشرق الأوسط.. تكتيكات شطرنج
- - حبر قلمي أسود لا يكتب عن الألوان -
- مناعة القطيع في تونس : جريمة دولة ؟
- سلطة الكورونا على الإعلام


المزيد.....




- ترامب عن إيران: إذا لم يتوصلوا لاتفاق فسنكون كابوسهم الأسوأ ...
- -ترقبوا المفاجآت-.. مسؤول إيراني يعلق على هجمات حزب الله ضد ...
- فيديو متداول لإنزال جوي أميركي فوق إيران.. ما حقيقته؟
- البرلمان الأوروبي يقر اتفاق الرسوم مع واشنطن بشروط.. وتحذيرا ...
- الشروط التي يطرحها كل طرف لإنهاء حرب إيران
- لقاء خاص مع رئيسة معهد العالم العربي آن كلير لوجاندر
- إيران - الخليج: أي مشروع للأمن الإقليمي في زمن الحرب؟
- أمـريـكـا - إيـران: إنـزال عـلـى الأبـواب؟
- اللجنة الأولمبية الدولية تعلن حظر مشاركة الرياضيين المتحولين ...
- رصاص ومطاردة.. رحلة البحث عن عمل تنتهي بمأساة جنوبي الضفة


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مضاء رشد الباي - تونس وشبح تشاوشيسكو.. إحياء لنموذج السوفييت في القرن 21