|
|
يثرب عشية الاسلام
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 23:27
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
وَلِكَيْ لا نَغْرَقَ فِي التارِيخِ كَثِيراً الَّذِي لَنْ يُفِيدَ بَحْثَنا نوجز القَوْلَ أَنْ يَثْرِبَ كانَت عَشِيَّةَ الإِسْلامِ تَتَكَوَّنُ أَساساً مِن اليَهُودِ والأوس وَالخَزْرَجِ، وَتَتَمَيَّزُ بِالزِراعَةِ حَيْثُ غاباتُ النَخِيلِ، وَوَفَّرَت المِياهَ وَاِعْتِدالَ الجَوِّ وَكانَ اليَهُودُ أصحاب كِتابٍ وَهُم مَنْ يَمْلِكُ التَنْظِيمَ وَالاِقْتِصادَ، إذ كانَت المُزارِعُ فِي الغالِبِ مِلْكاً لَهُم وَهُناكَ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ تَواجُدِهِم وَمَتَى وَغالِبِيَّةُ تِلْكَ الرِواياتِ لا قيمة لَها وَعُنْصُرُ السَذاجَةِ والتأليف فِيها واضِحٌ، وَرُبَّما أولى طَلائِعُ اليَهُودِ، كَما أَشَرْنا، كانُوا مِن التُجّارِ الَّذِينَ وَصَلُوا إِلَى هٰذِهِ المَناطِقِ لِشُؤُونِ تِجارَتِهِم، فأعجبهم خِصَبُ الأرض فَقَرَّرُوا الاِسْتِقْرارَ فِيها أَوْ رُبَّما هاجَرُوا إليها خَوْفاً مِن اِضْطِهادٍ كانَ يَحُومُ حَوْلَهُم فِي فِلَسْطِينَ أَوْ غَيْرِها مِن الأسباب، وَيُحَدِّدُ الدكتور بَدْرَ عامَ 586 ق م بَدْءَ هِجْرَتِهِم، وَاِزْدادَت فِي عَهْدِ تيتوس(طيطُوس) عامَ 70 م (وَهٰذا ما ذكرناه نَقْلاً عَن الدكْتورِ جَواد عَلِي) وما بعدها وَالأَغْلَبُ يُرَجِّحُ أَنْ اِسْتَوْطَنُوا يَثْرِبَ قَبْلَ الأوس وَالخَزْرَجِ. أما الأوس وَالخَزْرَجُ فَهُم مِن أصول يَمَنِيَّةٌ كَما أَشَرنا يُقالُ إنهم وصلوا بَعْدَ اِنْهِيارِ سَدٍّ مأرب، حَيْثُ وَجَدُوا أَمامَهُم اليَهُودَ يَمْلِكُونَ الحُقُولَ وَغاباتِ النَخِيلِ، فَعَمِلُوا عِنْدَهُم وَمَعَهُم، وَكانَ مِن اليَهُودِ تُجّارٌ يَذْهَبُونَ إِلَى الشامِ لِلتِجارَةِ فَخَلَقَت سُوقٌ أوسع وأنشط، (فِي أثناء الحُرُوبِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَمُحَمَّد رأينا كَيْفَ تَعامَلَ القَرِيشِيُّونَ مَعَ تِلْكَ المَزارِعِ، وَتِلْكَ الحُقُولِ وَدَمَّرُوها أَوْ اِسْتَغَلُّوها) أما الأوس وَالخَزْرَجَ، وَرَغْمَ كَوْنِهِم مَنْ أب واحِدٍ، إلا أنهم فِي حُرُوبٍ دائِمَةٍ حَوْلَ الكَثِيرِ مِن الأُمُورِ التافِهَةِ مِن حَرْبِ سَمِير إِلَى مَوْقِعَةِ الفِجّارِ الثانِيَةِ أَغْلَبِ الأوس وَالخَزْرَجِ مِن عَبَدَةِ الأصنام وَبَعْضٍ مِنهُم، وَرُبَّما قَلِيلٍ اِعْتَنَقَ اليَهُودِيَّةَ وَالبَعْضُ الآخَرَ، وَرُبَّما بتأثير مِن الأَفْكارِ وَالدِينِ اليَهُودِيُّ كانُوا مِن الحَنَفِيَّةِ (وَهٰذا رُبَّما ساعَدَ البَعْضُ مِنهُم عَلَى تَقَبُّلِ وَفَهْمِ دَعَواتِ مُحَمَّدٍ فِيما بَعْدُ) وَأَغْلَبُ تارِيخٍ يَثْرِبَ يُؤَشِّرُ عَلَى اِسْتِقْلالِها وإدارة شُؤُونِها بِنَفْسِها عَبْرَ الجَماعاتِ الأَساسِيَّةِ فِيها لِأَغْلَبِ الوَقْتِ ، عَلَى الرَغْمِ مِن الإشارات التارِيخِيَّةِ والأثارية الَّتِي تُشِيرُ إِلَى خُضُوعِهِم لِلدَوْلَةِ المُعَيَّنِيَّةِ ثُمَّ السَبْئِيَّةِ، وَلٰكِنْ يَبْدُو أَنَّ ذٰلِكَ الخُضُوعَ كانَ اِسْمِيّاً، أَوْ فِي حُدُودِ بَعْضِ المَدْفُوعاتِ، وَرُبَّما أَيْضاً كانَت خاضِعَةً لِسُلْطَةِ المَلِكِ نبُونِيد وَهُوَ آخر مُلُوكِ بابِلَ الكِلْدانِيَّةِ كَما ذَكَرنا، وَالَّذِي تَرَكَ بابِلَ، وَقَضَى مُعْظَمَ سَنَواتِهِ فِي شَمالِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ وَقِيلَ إنه عَيَّنَ عَلَيْها حاكِماً، وَكانَت أموال الضَرائِبِ الَّتِي كانَت تَدْفَعُ إِلَى المَعْنِيِّينَ ثُمَّ السَبْئِيِّينَ أخذت تَذْهَبُ إِلَى خَزائِنِ بابِلَ، وَكانَت هُناكَ حامِيَةٌ لَهُ كانَت فِي يَثْرِبَ اِنْسَحَبَتْ بَعْدَ سُقُوطِ حُكْمِهِ. (لِلمَزِيدِ يَنْظُرُ د/عَبْدُ الباسِط بَدْرَ التارِيخِ الشامِلِ لِلمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ ص 41- وما بعدها) وَعَلَى غِرارِ الأسواق المَوْسِمِيَّةِ فِي مَكَّةَ وَضَواحِيها كانَت فِي يَثْرِبَ الأسواق مِنها سُوقُ الجُرْفِ وَالثانِيَةُ عَلَى طَرَفِ وادِي بَطْحانَ وَالثالِثَةِ بِالعَصَبَةِ كَما وُجِدَت فِي يُثْرِبَ بَعْضَ الصِناعاتِ مِثْلَ (صِناعَةِ السُيُوفِ والأدوات الزِراعِيَّةِ، بَلْ والاواني المَنْزِلِيَّةِ وَصِناعاتِ الخَشَبِ وَتَرْبِيَةِ، وَتَكْثِيرِ المَواشِي وَصِناعَةِ الخُمُورِ مِن العِنَبِ وَالتَمْرِ وَغَيْرِها)، هٰذا إضافة إِلَى الصِناعاتِ الخَشَبِيَّةِ، بَلْ وَالحُلِيِّ وَما تحتاجه البُيُوتِ عُمُوماً، بَلْ كانَت تَتَفَوَّقُ فِي صِناعَتِها عَلَى مَكَّةَ، وَلٰكِنَّ تِلْكَ الصِناعاتِ كانَت عَلَى ما يبدو أَيْضاً فِي الغالِبِيَّةِ بِيَدِ اليَهُودِ. أما مُجْتَمَعَ الأَعْرابِ مِن الأوس وَالخَزْرَجِ، فإنه كَما يَقُولُ خَلِيل عَبْدُ الكَرِيم فِي كِتابِهِ مُجْتَمَعٌ يَثْرِبُ "أَنَّ مُجْتَمَعَ يَثْرِبَ قَبْلَ الإِسْلامِ كانَ مُجْتَمَعاً أميا ساذَجاً، وَنَعْنِي الوَصْفَ اللُغَوِيَّ لا الاِصْطِلاحِيَّ ، لَمْ تَكُنْ فِيهِ مَجالاتٌ ثَقافِيَّةٌ أَوْ فَنِّيَّةٌ تُثْرِي الوِجْدانَ وَتَصْقُلُهُ – بِاِسْتِثْناءِ دائِرَةِ الشَعْرِ وَهِيَ ضَيِّقَةٌ وَمَحْدُودَةٌ" (مُجْتَمَعٌ يَثْرِبُ خَلِيل عَبْدُ الكَرِيم ص 15) إضافة إِلَى ما يبدو أنهم لَمْ يَكُنُوا بِالمُسْتَوَى الاِقْتِصادِيِّ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ اليَهُودُ، فَعَمِلُوا لَدَيْهِم وَكانُوا هُم الطَرَفَ الأضعف فِي يَثْرِبَ تَنْخُرُهُ الخِلافاتُ فِيما بَيْنَهُم وَأَيْضاً ما ذكرناه مِن أَنَّ البَداوَةَ كانَت مُسْتَحْكَمَةً فِي عُقُولِهِم رَغْمَ اِسْتِقْرارِهِمْ. وَفِي ظِلِّ هٰذِهِ الأوضاع، حاجَةِ اليَهُودِ إِلَى الأيدي العامِلَةِ وَحاجَةِ الأوس وَالخَزْرَجِ لِلعَمَلِ، وَكانُوا عَلَى دَرَجَةٍ مِنْ العَوَزِ، عَقْدَ تَحالُفٍ مِن الوِئامِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ لَنْ يَدُومَ فَبَدا الخِلافُ المَصادِرُ العربية وهي الأَكْثَرُ تَلَقِّيَ اللَوْمِ عَلَى اليَهُودِ فِي إساءة مُعامَلَةِ الأوس وَالخَزْرَجِ، بَلْ البَعْضُ رُبَّما بالَغَ فِي ذٰلِكَ، وَتِلْكَ الأَنْواعُ مِن الرِواياتِ مَلِيئَةٌ بِها الحَياةُ العَرَبِيَّةُ البَدَوِيَّةُ خاصَّةً فِي مُخْتَلِفِ الحَوادِثِ التارِيخِيَّةِ فَقِصَصٌ أَنَّ السَيِّدَ أَوْ المالِكَ يَدْخُلُ عَلَى الفَتاةِ قَبْلَ زَوْجِها عَرَفْناها مِنْ الحَدِيثِ عَن جَدِيسٍ وَطَسْمٍ وَغَيْرِها مِنْ الحِكاياتِ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ تَوَتُّرَ تِلْكَ العَلاقَةِ هِيَ أَيْضاً مِن ضِمْنِ الأسباب الَّتِي ساهَمَتْ فِي إقناع الأوس وَالخَزْرَجِ بِدَعَواتِ مُحَمَّدٍ كَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَصْدَرُ قُوَّةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ الرِجالِ، وَرُبَّما المالُ (وَهُوَ ما تحقق بِالفِعْلِ خِلالَ أقل مِنْ عَقْدٍ. عَلَى أنه وَقَبْلَ ذٰلِكَ كانَ ظهور مالك بْنُ العَجْلانِ ، وَيُقالُ إنه طَلَبَ مِنْهُمْ ( أَيٌّ مِنْ الغَساسِنَةِ) فَلَبُّوا نداءهِ (خاصَّةً أَنَّ الغَساسِنَةَ الَّذِينَ كانُوا نَصارَى يُمْقُتُونَ اليَهُودَ كَما يَقُولُ مُحَمَّد حُسَيْن هَيْكَل فِي كِتابِهِ حَياةَ مُحَمَّدٍ) وَجاءَ أبو جُبَيْلَةَ الغَسانِيُّ، وَرَتَّبَ لِليَهُودِ خُدْعَةَ قَتْلِهُمْ فِيها وَهُنا أَيْضاً نَعُودُ إِلَى رِوايَةِ طَسْمِ وَجَدِيسٍ، وَمَنْ هَبَّ لِمُساعَدَتِهِمْ وَنَفْسِ هٰذِهِ الرِوايَةِ تُكَرِّرُ هُنا فِي رِوايَةٍ مَلِكُهُمْ الفِطْيُونُ أَوْ الفَيْطَوانُ)، وَتَتَكَرَّرُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ مَعَ عَدَدٍ مِنْ الأقوام الأُخْرَى، وَهٰكَذا كُسِرَتْ شَوْكَةُ اليَهُودِ وَعادَ الوِئامُ وَسادَ، وَتَذْهَبُ الرِواياتُ بأن العَداءَ وَالحُرُوبَ المُسْتَمِرَّةُ بَيْنَ الأوس وَالخَزْرَجِ إنما أذكاها اليَهُودُ، وَذٰلِكَ مِن أجل زَرْعِ الفِتْنَةِ وإضعاف الطَرَفَيْنِ، فأوعزوا إِلَى جَماعَةٍ مِنهُم لِلتَحالُفِ وَتَبَنِّي الأوس وَجَماعَةٍ أُخْرَى لِتَبْنِيَ الخَزْرَجَ، وَذٰلِكَ مِن أجل شَقَّ تِلْكَ الوَحْدَةَ وَبِالتالِي إضعاف الطَرَفَيْنِ، بَلْ إن اليَهُودَ شارَكُوا فِعْلاً فِي تِلْكَ المَعارِكِ سَواءٌ إِلَى جانِبِ الخَزْرَجِ أَوْ الأوس خاصَّةً فِي حَرْبِ سَمِيرٍ وَحاطِبٍ أَوْ بُعاثِ ناهِيكَ عَن مَدِّ هٰذا الطَرَفِ، أَوْ ذاكَ بِالسِلاحِ وَالمُؤْنِ، وَبِذٰلِكَ اِسْتَمَرَّت الحُرُوبُ بَيْنَهُم ما يقارب القَرْنِ جَرَت فِيها أَكْثَرُ مِنْ عشر حُرُوبٍ أولها حَرْبُ سَمِير الَّتِي سُمِّيَتْ سُبَّةً إِلَى رَجُلٍ مِن الأوس كانَت الحَرْبُ بِسَبَبِهِ وَهُوَ سَمِيرُ بْنُ زَيْدٍ، وَاِسْتَمَرَّت هٰذِهِ الحَرْبُ سِجالاً عِشْرِينَ عاماً ، أما حَرْبُ حاطِبٌ، فَقَدْ قامَتْ أَيْضاً بِسَبَبِ ضَيْفٍ كانَ عِنْدَ حاطِبِ بْنِ قَيْسٍ الأوسي، أما بُعاثٍ فَقَدْ كانَت أشد الحُرُوبِ، وأشدها دَمَوِيَّةً وَقَسْوَةً وَكانَت سِجالاً بَيْنَ الطَرَفَيْنِ، وَقَدْ حَدَثَت قَبْلَ الهِجْرَةِ بِخَمْسِ سَنَواتٍ وَبَيْنَ تِلْكَ الحُرُوبِ الكَبِيرَةِ كانَت هُناكَ العَدِيدُ مِن الحُرُوبِ الأقل اِتِّساعاً مِنها وَقْعَةُ بَنِي جَحْجَبا وَمَوْقِّعَةُ السَرّارَةِ وَمَوْقِّعَةُ الحَصِينِ بِنْ لاسِلْت وَمَوَقَّعَةُ فارِعٍ وَيَوْمَ الرَبِيعِ وَالفُجّارِ الأولى وَالثانِيَةُ وَغَيْرُها، نَحْنُ هُنا سنأتي فَقَطْ عَلَى مَوْقِعَةِ جَحْجبا حَيْثُ سَنَجِدُ فِيها مَعْلُومَةً مُهِمَّةً مَشَوِّقَةً تَقُولُ الرِوايَةُ:" أحد الخَزْرَجِيِّنَ وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عمرو المازني تَزَوَّجَ مِنْ امرأة مِنْ بَنِي سالِم أحد فُرُوعِ الأوس، وَقَدْ أسكنها قَرِيبٌ مِنْ حَيٍّ بُنِي جَحْجَبا ، فَلَمْ يُطِقْ أحيحة أَنْ يَرَى ذٰلِكَ الخَزْرَجِيَّ يَمُرُّ مِنْ حَيِّهِمْ، فَنُصِبَ لَهُ كَمِينَ وَقَتَلَهُ، فَقامَ إخوته لِلثائِرِ، اِنْهَزَمَ بَنِي جَحْجَبا وَلٰكِنْ أحيحة هَرَبَ فَقَرَّرَ عاصِمُ بْنُ عَمْرو أخ كَعْبَ مُلاحَقَةٍ أحيحة وَكادَ يَظْفَرُ بِهِ، لٰكِنَّهُ هَرَبَ مَرَّةً أُخْرَى وَقَرَّرَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى شَوْكَةِ الخَزْرَجِ بِالحِيلَةِ فَقَرَّرَ مُهاجَمَتَهُمْ فَجْراً، عَلِّمَتْ زَوْجَةً أحيحة بِالأَمْرِ، وَكانَتْ مِنْ الخَزْرَجِ فَقَرَّرَتْ إبلاغ قَوْمِها فَعَمِدَتْ إِلَى رَبْطِ أطراف طِفْلِها بِخَيْطٍ؛ مِمّا سَبَّبَ لِلطِفْلِ إِلَى البُكاءِ طَوالَ اللَيْلِ؛ مِمّا أقلق زَوْجُها، وَمَنْعَهُ مِنْ النَوْمِ، وَفِي آخر اللَيْلِ فَكَّتْ الخُيُوطَ، وهدأ الطِفْلَ وَنامَ أَيْضاً احيحة نَتِيجَةَ تَعَبِهِ، فَتَسَلَّلَتْ زوجته سلمى الخزرجية وأخبرت قَوْمَها بِما عَزَمَ زَوْجَها، فَاِسْتَعَدُّوا لَهُ فَحِينَ وَصَلَ تَفَجاً بِالأَمْرِ، وَهُزِمَ ثُمَّ عَرَفَ أَنَّ هُناكَ خيانة، فَاِسْتَدَلَّ عَلَى زَوْجَتِهِ فَضَرَبَها وَطَلَّقَها وَطَرَدَها ،( وهناك رواية أخرى تقول انها كانت تاجرة وجميلة ولا تتزوج إلا والعصمة بيدها وانها حذرت زوجها احيحة من القيام بما ينوي القيام به ولأنه لم يمتثل تركته) وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الزَوْجَةَ، "سلمى" وَبَعْدَ فَتْرَةٍ تَزَوَّجَتْ مِنْ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مُنافٍ وَهِيَ الَّتِي وَلِدَتْ لَهُ عَبْدَ المَطَّلِبِ جَدُّ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ، هٰكَذا هِيَ الرِوايَةُ والتي ذكرتها مصادر عديدة تتفق في زواجها من هاشم ولكن دون الحديث عن ماضيها، ويتفق على اسمها سلمى وتسمى الخزرجية وتذكر ان هاشم عندما تزوجها اخذها معه الى مكة ولكن عندما حان موعد الولادة عاد بها(نفيذا لوعد قطعه) الى بني النجار حيث ولدت طفلا اسمته شيبة وَلٰكِنَّه عاش معها سبع سنوات الى ان اخذه عمه المطلب فسمته قريش عبد المطلب ظنا منهم انه عبد اشتراه المطلب ، وقد أورد قصة سلمى أيضا كتاب أيام العرب في الجاهلية ضمن حديثه عن الحروب بين الاوس والخزرج، (لِلتَوَسُّعِ فِي المَعْلُوماتِ يَنْظُرُ د/ بَدْرٌ مَصْدَرٌ سابِقٌ ص 75-وما قبلها وكذلك أيام العرب في الجاهلية منشورات المكتبة العصرية ص 70-71) وَتَحَدَّثْنا الرِواياتُ أَنَّ جَماعاتٍ تَنادَتْ لِلصُلْحِ وإنهاء الحُرُوبِ، وَهٰكَذا صالَحَ بَعْضٌ مِنْ الأوس الخَزْرَجَ، ولكن بعْضَ آخر أصر عَلَى الثأر، وَمِنْهُمْ بَنُو عَبْدِ الأشهل وَبَنُو عَمْرٍو، فَشَنَّ الخَزْرَجَ الحُرُوبَ عَلَى هٰؤُلاءِ مَنْ أجل إجبارهم عَلَى الصُلْحِ، وَبِما أنهم كانُوا أضعف مَنْ يواجهون الخَزْرَجَ لِذا فَكَّرُوا فِي الهِجْرَةِ حَيْثُ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَحالُفاتٍ تَدْعَمُ حَرْبَهُمْ مَعَ الخَزْرَجِ، فَقالُوا إنهم ذاهِبُونَ إِلَى العُمْرَةِ، وَكانَ مِنْ عاداتِ الأَعْرابِ حِينَ يَذْهَبُونَ إِلَى الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ يُعَلِّقُونَ عَلَى مَنازِلِهِمْ سَعَفَ النَخِيلِ مِنْ أجل أَنْ يَكْظِمَ الآخرين عنهم الغَزْوَ أَوْ السَرِقَةَ فَقَدْ كانَتْ لِهٰذِهِ المَراسِيمِ حُرْمَةٌ لَدَى الأَعْرابِ، وَهٰكَذا تَرَكُوا الخَزْرَجَ الإغارة عَلَيْهِمْ اِحْتِراماً لِرَغْبَتِهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ وَهُناكَ فاوَضُوا قُرَيْشٌ عَلَى الحَلْفِ، فَوافَقَتْهُمْ قُرَيْشٌ وَفِي تِلْكَ الأثناء كانَ أبو جَهْلٍ غائِباً عَنْ مَكَّةَ، فَلَمّا عادَ وَعُرِفَ بِالحِلْفِ وَخافَ مِنْ عَواقِبِهِ وَهُوَ التاجِرُ الحَسّاسُ عَلَى مُصالَحَةٍ لِذا عَمَدَ إِلَى تَخْرِيبِ ذٰلِكَ الحِلْفِ، فَعادَ الأوسِيُّونَ خائِبَيْنِ إِلَى يَثْرِبَ، وَعَقَدَتْ الأحلاف المُؤَقَّتَةُ، وَلٰكِنَّها خَرَقَتْ بِاِشْتِعالِ حَرْبِ الفِجارِ الثانِيَةِ. لا شك أَنَّ اليثربيين كانُوا مِن عَبَدَةِ الأصنام، وإن لَمْ تَكُنْ مَعابِدُ مَرْكَزِيَّةٌ فِي يَثْرِبَ، لٰكِنَّ بَعْضَ الأصنام كانَت فِي البُيُوتِ خاصَّةً فِي بُيُوتِ المُوسِرِينَ، وَقِيلَ أَنَّ الصَنَمَ الأَساسِيَّ كانَ مُناةَ، وإن اِخْتَلَفَ فِي مَكانِ الصَنَمِ وَشَكَلَهُ، وإحدى الرِواياتِ تَتَحَدَّثُ عَن سَهْلِ بِن حَنِيفٍ الَّذِي كانَ لَيْلاً يَسْرِقُ، وَيَكْسِرُ أصنام قَوْمَهُ وَيُعْطِي خَشَبَها لامرأة مُسْلِمَةً لِتَسْتَعْمِلَهُ حَطَباً فِي مَوْقِدِها، وَلِعَدَمِ وُجُودِ مَعابِدَ مَرْكَزِيَّةٍ، فَقَدْ كانَ اليُثَرْبِيُّونَ يَحُجُّونَ أَوْ يَعْتَمِرُونَ إِلَى مَكَّةَ شأنهم شأن أعراب الحِجازِ، أَوْ ما حَوْلَها وَبِالضَبْطِ تِلْكَ الزِياراتُ هِيَ الَّتِي وَفَّرَت الفُرْصَةَ لِمُحَمَّدٍ إِلَى اللِقاءِ بِهِم، وَمِن المَنْطِقِيِّ أَنَّ بَعْضٌاً مِن الأوس وَالخَزْرَجِ تَهَوَّدَ لِدَوافِعَ مُخْتَلِفَةٍ، وَلٰكِنْ لا يبدو أَنَّ عَدَدَهُم كانَ كَبِيراً ، هٰذا إِلَى جانِبِ أَنَّ الأخبار تَنَقَّلَ أَنَّ مِن الأَعْرابِ مَنْ كانَ يَتْبَعُ الحَنَفِيَّةَ، وَلٰكِنْ يَبْدُو أنهم بَعْضُ الأفراد لا غير لَمْ يَكُنْ هُناكَ فِي يَثْرِبَ تنظيم سِياسِيٌّ واحِدٌ، بَلْ كان إن صَحَّ القَوْلُ التَنْظِيمُ العَشائِرِيُّ هُوَ السائِدُ فَلِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِن الأوس وَالخَزْرَجِ لَها شُيُوخُها وَوجهاؤها يَدْيرُونَ شؤونها وَلِليَهُودِ كَذٰلِكَ، وإن كانُوا أَكْثَرَ تَنْظِيمِيّاً بِحُكْمِ الدِينِ الَّذِي يَجْمَعُهُم، وَرُبَّما كَما تَقُولُ الرِواياتُ فِي زَمَنِ العَمالِيقِ كانَ هُناكَ شَكْلٌ مِن أشكال الدَوْلَةِ عاصِمَتَها تَيْماءُ (كَما يُذْكَرُ د/ بَدْرٌ فِي وَصْفِهِ الحالَةَ السِياسِيَّةَ فِي يَثْرِبَ) فَطَبْعُ المُجْتَمَعِ الزِراعِيِّ، وَيُثْرِبُ هِيَ كَذٰلِكَ، الاِسْتِقْرارُ وَمُلازَمَةُ الأرض وَعَدَمُ الرَغْبَةِ فِي الحُرُوبِ وَالغَزَواتِ، وَلٰكِنَّ الحالَ فِيما بَعْدُ بَيْنَ الأوس وَالخَزْرَجِ لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ، وَعَلَى ما يبدو أَنَّ للأوس وَالخَزْرَجِ عَلاقاتٍ مَعَ أولاد عَمِّهِم مِن الغَساسِنَةِ، وَذَكَرْنا عَن دَعْمِهِم أثناء صِراعِهِم مَعَ اليَهُودِ، وَرُبَّما كانَت هُناكَ عَلاقاتٌ تِجارِيَّةٌ وَدَعْمٌ فِيما بَيْنَهُمْ.، وَلٰكِنْ لِتَحْكُمْ العَشائِرِيَّةُ لا نتوقع أَنْ تَكُونَ تِلْكَ العَلاقاتُ مُنَظَّمَةً وَمُسْتَمِرَّةً. قِيلَ عَنْ الحِجازِ بأنها "اِشْجُرْ أَهْلَ الأرض"، فَقَدْ كانَت يَثْرِبُ كَما قُلْنا واحَةً خَصْبَةً مَلِيئَةً بِالنَخْلِ وَالحُقُولِ وَعُيُونِ الماءِ، وَسَواءٌ عَبِيلٌ أَوْ العَمالِقَةُ أَوْ حَتَّى الأوس وَالخَزْرَجُ وَاليَهُودُ لَمْ يأتوا مِن فَراغٍ، بَلْ كانُوا مُزارِعِينَ وأرباب صَنائِعَ سَواءٌ مِن اليَمَنِ أَوْ فِلَسْطِينَ، وَلَيْسَ التَمْرُ وَحْدَهُ مِن مَحاصِيلَ يَثْرِبُ، بَلْ يَتَعَدّاهُ إِلَى الحُبُوبِ وَالخُضْرَواتِ وَالفَواكِهِ. لَقَدْ ساعَدَ مَوْقِعٌ يُثْرِبُ عَلَى الطُرُقِ التِجارِيَّةِ إِلَى اليَمَنِ، وَإِلَى الشامِ عَلَى نُمُوِّ حَرَكَةِ التَبادُلِ وَتَطَوُّرِها (وَهٰذا أَيْضاً ما اِسْتَفادَ مِنهُ مُحَمَّدٌ فِي محاصرة قُرَيْشٍ) فَغَدَت مَحَطَّةَ اِسْتِراحَةٍ وَسُوقٍ فِي نَفْسِ الوَقْتِ، وَقَدْ أَشَرنا إِلَى بَعْضِ الأسواق مِثْلَ سُوقِ الجُرْفِ، وَفِيما بَعْدُ سُوقُ زُبّالَةٍ حَيْثُ كانَت سُوقاً مَوْسِمِيّاً، ثُمَّ تَحَوَّلَت إِلَى سُوقٍ دائِمَةٍ (كَما يُذْكَرُ د/بَدر ص 102) وَكَذٰلِكَ سُوقُ حباشَة وَهِيَ نَفْسُ سُوقِ بَنِي قَيْنَقاعِ أَوْ سُوقُ الجِسْرِ. أما السُوقَ الأُخْرَى الكُبْرَى، فَكانَت بِالصَفاصِفِ بِالعَصَبَةِ حَيْثُ كانَ يَتَواجَدُ فِيها ثَلاثُمِئَةِ صانِعٍ وَغالِبِيَّةُ تِلْكَ الأسواق تَقَعُ خارِجَ المَدِينَةِ، وَفِي كُلِّ جِهاتٍ يَثْرِبُ وَكانَ اليَهُودُ مِن أهم عَناصِرِ تِلْكَ الأسواق بَيْعاً وَشِراءً، بَلْ وإقراضا وَالبَيْعِ بالآجل، وَكانَ التَعامُلُ فِيها يَجْرِي إضافة إِلَى المُبادَلَةِ السِلْعِيَّةِ بِالذَهَبِ وَالفِضَّةِ، بَلْ وَالدَنانِيرِ الرُومِيَّةِ وَالفارِسِيَّةِ، وَرُبَّما كانَت هٰذِهِ الأسواق بِتَعَدُّدِها وَتَعَدُّدِ سِلَعِها أنشط مِن أسواق مَكَّةَ، وَهٰذا ما يفسر أَيْضاً ،إضافة إِلَى عَوامِلَ أُخْرَى، نُمُوِّ وَتَطَوُّرِ الإِسْلامِ وَاِكْتِسابِهِ نَجاحاتٍ سَرِيعَةً و واسعة، خاصَّةً بَعْدَ أَنْ تَمَكَّنَ مِن نَزْعِ الزَعامَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ وَالاِقْتِصادِيَّةِ وَالسِياسِيَّةِ مِن أيدي اليَهُودِ وَبِالتالِي إلغاء دَوْرُهُم كليا تَقْرِيباً بَعْدَ إخراج بَنِي النضير ثم التَصْفِيَةِ الكامِلَةِ لِبَنِي قَرَيْظَةِ أْقَوَى التَجَمُّعاتِ اليَهُودِيَّةِ وَالاِسْتِيلاءِ عَلَى كُلِّ مُمْتَلَكاتِهِمْ وَمَزارِعِهِمْ. وَلَعَلَّ مِن الأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى بَعْضِ التَطَوُّرِ وُجُودَ المَحْمِيّاتِ وَهِيَ المَناطِقُ المُخَصَّصَةُ لِلرَعْيِ، وَالَّتِي لا يحق لأحد اِمْتِلاكِها أَوْ زَرْعَها أَوْ البِناءَ عَلَيْها، وَكانَتْ هٰذِهِ المَحْمِيّاتُ فِي جَمِيعِ أطراف يَثْرِبُ. وَقَدْ ذَكَرنا سُكّانَ يَثْرِبَ ونضيف إِلَى ذٰلِكَ أَنَّ اليَهُودَ والأوس وَالخَزْرَجَ كانُوا يُمَثِّلُونَ في واقع الأمر المُواطِنِينَ الأحرار الَّذِينَ لَهُم كامِلُ الحُقُوقِ فِي إطار العُرْفِ القَبائِلِيِّ، وَكانَ إِلَى جانِبِ هٰؤُلاءِ يُوجَدُ المُوالِي وَهُم أَبْناءٌ مِن خارِجِ القَبِيلَةِ اِرْتَضَت السَكَنَ تَحْتَ حِمايَةِ القَبِيلَةِ وَلَهُم تَقْرِيباً كُلُّ الحُقُوقِ عَدَى بَعْضِها وَأَهَمُّها عَدَمُ الزَواجِ مِن بَناتِ القَبِيلَةِ. أما الطَبَقَةِ الأخيرة فَهِيَ كَما فِي القَبائِلِ الأَخِرَى، وَمِنها قُرَيْشٌ وَهُم العَبِيدُ وَمَصْدَرُ العَبِيدِ إما مِن الغَزَواتِ والأسر أَوْ الشِراءِ، وَكُلَّما زادَ الثَراءُ زادَ عَدَدُ العَبِيدِ، وَهٰذِهِ الطَبَقَةُ لا حقوق لَها إذ يُشْتَرَى وَيُباعُ وَيُقْتَلُ وَيَنْقَلُ حَسَبَ أوامر سَيِّدِهِ أَوْ مالِكَةٍ، وَكانَت آنذاك تِجارَةً رابحة يقول الدكتورُ بَدْر أَنَّ لِفَرَسِ السَيِّدِ حُقُوق أَكْثَرَ مِنْ عَبْدِهِ. وَيَبْدُو أَنَّ اليَهُودَ، وَالَّذِينَ يَزِيدُونَ عَلَى عِشْرِينَ قَبِيلَةً (بنو قينقاع وَبَنُو النضير وبنو قريظة وَبَنُو زَيْدٍ وَبَنُو بَهْدَلٍ وَبَنُو عَوْفٍ وَغَيْرِهِم كما ذكرنا سابقا) اُدْخُلُوا عَلَى يُثْرِبَ الكَثِيرَ مِن التَنْظِيماتِ وَالرَخاءِ وَالعُمْرانِ، وَقَدْ أَشَرْنا فِي قُصُورِهِم وَقِلاعِهِم (آطامهم) عِنْدَ الحَدِيثِ عَن الحَرْبِ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةٍ، بَلْ وَالقِصَّةِ أوْ الرِوايَةِ المَشْهُورَةِ عَن بابِ خَيْبَرَ الَّتِي قَلَعَها عَلِيُّ بِن أبي طالِبٍ وَالكَثِيرُ يُعِزُّونَ الآطام إِلَى اليَهُودِ (الآطام قِلاعَ مُدَوَّرَةٍ ذاتُ أسيجة عالِيَةٍ)، وَيُقالُ إنه عِنْدَما وَصَلَ المُسْلِمُونَ إِلَى يَثْرِبَ كانَ هُناكَ نَحْوَ كانَ 72 أطما، وأن النَبِيُّ أمر بِبِناءِ 56 أُخْرَى، فَكانَ العَدَدُ128 أطما حَيْثُ يُقالُ إن النَبِيَّ مَنَعَ الأَنْصارَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ هَدْمِها، وَقالَ "إنها زِينَةُ المَدِينَةِ" وَقَدْ أخرج هٰذا الحَدِيثُ الإمام البَيْهَقِيُّ فِي[أخْبَرنَا أبو عبْدِ اللهِ الحافظُ قال: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْمَاعِيل....... عَنْ أبي هريرة قال: نَهى رَسُولُ الله(ص) عَنْ هَدمِ أطام المدينَةَ وَقال: "إنّها زِينَةَّ المَدِينَة"] (مَعْرِفَةِ السُنَنِ والآثار ابوبكر البهيقي المحقق عبد المعطي امين قلعجي الناشرون جامعة الدراسات الإسلامية-كراتشي باكستان ودور من دمشق وبيروت والقاهرة الطبعة الاولى10615/440/7) وَقَدْ نَوَّهْنا أَنَّ اليَثَرَبِيِّنَ لَمْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنْ مُجْتَمَعٍ أمي ساذَجٍ، وَقَدْ شَمِلَ ذٰلِكَ اليَهُودُ أَيْضاً، رَغْمَ أننا لا نعد اليَهُودُ إعرابا من الموغلين في القفر كما هو تصنيف ابن خلدون (بَدُوٌّ تُلاحِظِ الفِقْرَةَ اللاحِقَةِ)، الَّذِينَ رُبَّما كانَ الأحبار مِنهُم عَلَى شيء مِن المَعْرِفَةِ بِالكِتابَةِ والقراءة وكان لَهُم بَيْتُ المِدْراسِ أَوْ المِدْراشِ، وَلٰكِنَّ المَعْرُوفَ عَن الأحبار فِي كَثِيرٍ مِن قِصَصِ التارِيخِ لا يودون تَعْلِيمُ اِتِّباعِهِم ذٰلِكَ مِن أجل إدامة بَقائِهِم تَحْتَ سَيْطَرَتِهِم فَهُم يَنْقُلُونَ شِفاهاً القِصَصَ وَالتَعالِيمَ، وَلِهٰذا لَمْ نر أَوْ نَسْمَعُ لِعُلَماءَ أو أشخاص مُتَمَيِّزِينَ مِن يَثْرِبَ عَدَى بَعْضِ الشُعَراءِ، الَّذِينَ كانُوا مِن اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشرف وَسارَّة القَرْضِيَّةِ وسعيه بِنِ الغَرِيض، وَمِن الأوس وَالخَزْرَجِ، وَلَعَلَّ الفَتْرَةَ قَبْلَ الإِسْلامِ بِقَلِيلٍ مِثْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ، واحِيحَة اِبْنِ الجَلّاحِ وَحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وَكَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وَكانَ السِجِلُّ الشَعْرِيُّ يَشْمَلُ كَما شَعَرَ سائِرُ الأَعْرابِ يَشْمَلُ عَلَى المَفاخِرِ، وَعَلَى تَصْوِيرِ عَلاقاتِهِمْ وَقِيَمِهِمْ البَدَوِيَّةِ. إن الواقِعُ يُشِيرُ ، وَحَسْبَ المَعْلُوماتِ المُتَوَفِّرِ، فإن تارِيخُ يَثْرِبُ قَبْلَ الهِجْرَةِ هُوَ فِي الواقِعِ تارِيخُ اليَهُودِ، فَهُم كانُوا أَكْثَرَ تَماسُكاً وَأْقَوَى اِقْتِصادِيَّةً وَأَكْثَرَ تَنْظِيماً وَتَحْكُمَهُم فِي الواقِعِ شَرِيعَةٌ واحِدَةٌ وَهُم الأقدم وَالمُحَرِّكُ لِعَجَلَةِ الحَياةِ، وَتِلْكَ مُجْتَمِعَةٌ تَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِم، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُم شأن لَما نَزَلَت الكَثِيرُ مِن الآيات حَوْلَهُم بِالاِسْمِ، أَوْ فَسَّرَت بأنها تَقْصِدُهُم فَقَط فِي البَقَرَةِ 15 آية وآيات أُخْرَى فِي ال عِمْرانٌ وَغَيْرُها ناهِيكَ عَن الأَحادِيثِ؛ وَكَذٰلِكَ لَما رَكَّزَ الإِسْلامُ عَلَى مُحاجَجَتِهِمْ وَمُناقَشَتِهِمْ وَالقَسْوَةِ تِجاهَهُمْ، وأن الأَحْداثُ فِي المَدِينَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَحْيانِ تَرْتَبِطُ بِهِمْ.
أما الأوس وَالخَزْرَجُ فَعَلاوَةٌ عَلَى قِتالِهِمْ المِسْتَرِ كانُوا أقرب إِلَى الفَقْرِ مِنْهُ إِلَى الغَنِيِّ، وَإِلَى الجَهْلِ والأمية أقرب. أما الوَضْعُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَقَدْ أخذت المُعادَلَةَ تَتَغَيَّرُ وأخذ الأوس وَالخَزْرَجَ (الأَنْصارَ) هُم مَنْ يَكْتُبُ التارِيخَ عَلَى حِسابِ تَراجُعِ دَوْرِ اليَهُودِ السياسي وَالاِجْتِماعِيِّ وَالاِقْتِصادِيِّ، وَلَمْ يَعُدْ بإمكانهم الحِفاظُ عَلَى مَكانَتِهِم فِي مُجْتَمَعِ يَثْرِبَ، بَلْ إن كُلَّ ما بنوه مِنْ مَجْدِ وَعِمارَةِ ال فِي خِلالِ أقل مِنْ عَقْدٍ إِلَى المُسْلِمِينَ الأَنْصارِ مِنْهُمْ (الأوس وَالخَزْرَجُ) أَوْ المُهاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ.
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يثرب- المدينة المنورة
-
وجهاء واسماء في مكة
-
حلف الفضول الحلقة الثانية
-
احلاف قريش الحلقة الاولى
-
قريش الجزء الثاني
-
قريش
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثالثة
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثانية
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الاولى
-
دراسات اخرى عن البدو الحلقة الثانية
-
دراسات اخرى عن البدو
-
علي الوردي والبدو
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الثاني
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الاول
-
ساطع الحصري وابن خلدون
-
العصبية القبلية عند البدو
-
أبن خلدون ومقدمته الجزء الثاني
-
ابن خلدون ومقدمته الجزء الاول
-
البدو
-
الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
المزيد.....
-
مقر -خاتم الأنبياء- لحرس الثورة الاسلامية: القوات المسلحة ا
...
-
من الزهد إلى المؤسسة.. دراسة تاريخية في تحولات العلاقة بين ا
...
-
حرس الثورة الإسلامية: استخدمنا خلال هذا الهجوم أنواع مختلفة
...
-
سفير إيران الدائم بالأمم المتحدة: الجمهورية الإسلامية وافقت
...
-
حرس الثوة الإسلامية: مضيق هرمز اليوم هو المؤشر لتغير ميزان ا
...
-
المقاومة الاسلامية في لبنان تستهدف تجمعا وآليات لجنود العدو
...
-
المقاومة الاسلامية في لبنان تستهدف تجمعاً لجنود العدو في بل
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف دبابتي -ميركافا- في بلدة
...
-
حرس الثورة الإسلامية: تدمير منظومات الدفاع المضاد للصواريخ ف
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف مستوطنة -كريات شمونة- للم
...
المزيد.....
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|