أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الجديدة














المزيد.....

عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الجديدة


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 11:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن شعلة "نوروز" التي أُوقدت هذا العام في دمشق إحياء لتقليد ثقافي عريق، بل كانت إيذاناً بانبلاج فجر سياسي جديد وتكريساً لنهج "سوريا المواطنة" التي بدأت تتبلور ملامحها بوضوح تحت قبة قصر الشعب، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع وفداً كردياً موسعاً ضم نخبة من السياسيين والأكاديميين والفعاليات الاجتماعية والنسائية من كافة مناطق التواجد الكردي، في مشهدٍ اختزل بجمالياته وتفاصيله إرادة التغيير وكسر قيود الماضي، إذ لم يعد الحديث باللغة الكردية أو ارتداء الزي التقليدي ممارسة ثقافية في الخفاء، بل باتت هذه العناصر جزءاً أصيلاً في بنية الدولة وحضورها الرسمي في قلب العاصمة، وهو ما يمثل قطيعة معرفية وسياسية تامة مع "العهد البائد" الذي اتسم بسياسات الصهر القومي والإنكار الممنهج
اختيار قصر الشعب لهذه التحولات يحمل دلالة بالغة العمق، فالمقر الرئاسي الذي طالما ارتبط في الذاكرة الجمعية السورية بثقافة الاستئثار والمركزية القمعية، شهد في هذا اليوم تحولاً جذرياً في دلالته المكانية، إذ تحول إلى فضاء للتعددية والاعتراف بالآخر، عندما ارتدى بعض أعضاء الوفد الزي الكردي التقليدي وتحدثوا باللغة الكردية التي كانت ممنوعة في العهد البائد، ليصبح قصر الشعب شاهداً على قطيعة جذرية مع نظرة النظام السابق التي كانت تختزل الهوية الوطنية في قالب أحادي وترى في التنوع الثقافي والعرقي تهديداً لا ثراءً ، وما يعمق هذه الدلالة هو تزامن اللقاء مع عيد النوروز، الذي قضت الأنظمة السابقة عقوداً في محاولة طمسه ومنع الاحتفال به، وسقط عدد من الشهداء في سبيله ، ليتحول بذلك إلى عيد وطني معترف به رسمياً، في تأكيد عملي على أن الدولة الجديدة لم تعد تنظر إلى الشعب الكردي بعين الريبة، بل باتت تشاركه فرحته وتعترف بتراثه الثقافي.
وفي ذات السياق يمثّل المرسوم 13 عن تبني الدولة لرؤية جديدة للهوية الوطنية السورية ، اذ تقوم على الاعتراف بالتعدد والغنى الثقافي بدلاً من إنكاره. فقد شكل منع التحدث باللغة الكردية لعقود طويلة واحداً من أقسى أشكال القمع الثقافي التي مارستها الأنظمة السابقة، وكان هذا المنع يعبّر عن نظرة اختزالية للوطنية السورية ترفض التعدد وترى فيه خطراً على الوحدة الوطنية ، وبالتالي جاء إقرار اللغة الكردية كلغة "وطنية" ليصحح مساراً تاريخياً ، ويؤسس لمفهوم جديد للوحدة لا يقوم على التوحيد القسري بل على الاعتراف بالتنوع كأساس لها ، فالوحدة الحقيقية لا تُبنى عبر طمس الخصوصيات وإنما عبر الاعتراف بها وتكريسها ضمن إطار وطني جامع.
ان أثر هذا التحول يجب أن يمتد إلى ما هو أبعد من الجانب الرمزي، ليعيد تشكيل العقد الاجتماعي بين الدولة ومكونات المجتمع السوري. فالاستقبال الرئاسي لوفد كردي في قصر الشعب، والإنصات لمطالبهم والاحتفاء بتراثهم، يرسم نموذجاً جديداً للعلاقة بين المركز والأطراف، ويؤسس لثقافة سياسية تقوم على الحوار والمشاركة بدلاً من الإقصاء والقمع ، وحضور الوفد من كافة مناطق التواجد الكردي، وبمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية واجتماعية ونسائية، يعكس اتساع الخطاب الوطني الجديد لاستيعاب كل التنوعات داخل المكون الكردي نفسه ، ويؤكد أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تكون كاملة ما لم تشمل كل الفئات والقطاعات.
ما يميز هذه الخطوة أنها جاءت مترافقة مع معالجة فعلية لبعض المظالم التاريخية، فالاعتراف بالكينونة الكردية وإقرار اللغة والنوروز ليس مجرد تنازلات تكتيكية ، بل تأسيس لدولة تقوم على الاعتراف بالمظالم كمدخل أساسي للمعالجة، وبدون هذا الاعتراف تظل الجروح مفتوحة وتبقى إمكانية العودة إلى سياسات الإقصاء قائمة ، وهنا تكمن أهمية اللقاء في كونه ترجمة عملية للنصوص القانونية إلى واقع سياسي، وتأكيد على أن الدولة الجديدة جادة في تجاوز ماضيها.
الانعكاسات المستقبلية لهذا التحول تتجاوز حدود التعامل مع المكون الكردي لتصل إلى صميم مشروع بناء الدولة السورية الجديدة. فهذه الخطوة تؤسس لنموذج الدولة المدنية القائمة على المواطنة ، حيث يجب أن ينعم كل سوري بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الثقافي بحقوقه كاملة، كما تفتح الباب أمام نقاش جدي حول اللامركزية والإدارة المحلية الموسعة ، وتجربة التعامل مع الخصوصية الكردية قد تكون نموذجاً يمكن البناء عليه في التعامل مع بقية المكونات السورية، بما يحقق التوازن بين وحدة الدولة واحترام الخصوصيات.
والأهم من كل ذلك يجب أن يشكل هذا التحول ضمانة حقيقية للاستقرار طويل المدى، فالتجارب العالمية أثبتت أن الدول التي تستوعب تنوعها وتكرس حقوق جميع مكوناتها هي الأكثر استقراراً، بينما الدول التي تعتمد سياسات القمع والتهميش تكون عرضة للصراعات الداخلية ، وهنا تكمن رسالة اللقاء إلى الداخل والخارج على حد سواء: سوريا الجديدة تختار طريق الاستقرار عبر الاعتراف والشراكة، وتعيد الاعتبار لدولتها ومؤسساتها التي تتحول من رمز للقمع إلى فضاء للشراكة الوطنية.
غير أن الطريق لا يزال طويلاً، فهناك تحديات قانونية تتعلق بتضمين هذه المكاسب في الدستور الدائم لضمان استمراريتها، وتحديات عملية في تفعيل إقرار اللغة الكردية في المؤسسات الرسمية والتعليم والإعلام، وتحديات سياسية في توسيع نطاق المشاركة وترجمة النوايا إلى سياسات وبرامج ملموسة على الأرض. لأن الاعتراف بالحقوق خطوة ضرورية لكنها غير كافية، والأهم هو تفعيل هذا الاعتراف في واقع المواطن الكردي وفي حياة كل السوريين.
في النهاية، يمكن القول إن لقاء الرئيس الشرع بالوفد الكردي في قصر الشعب، والمرسوم 13 الذي سبقه، يمثلان لحظة فارقة في تاريخ سوريا، لحظة قطيعة مع ماض من القمع والتهميش، ولحظة تأسيس لمستقبل قائم على الاعتراف والشراكة.
ما تحقق انطلاقة لمرحلة جديدة في بناء الدولة السورية، بحيث تعترف بتنوعها وتكرس حقوق جميع مكوناتها، وتبني وحدتها الوطنية على أسس متينة من العدالة والمساواة ، وهو طريق طويل، لكن خطواته الأولى بدأت تحمل في طياتها وعداً بسوريا جديدة تليق بجميع أبنائها.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟
- عن الهوية السورية
- من دهوك ..هل يعيد الكرد في سوريا هندسة مشهدهم السياسي؟
- الكرد كأمة -لا تاريخية-: قراءة فلسفية وتاريخية في الإشكاليات ...
- تحدّيات الخطاب الكردي في سوريا ، بين الشعاراتية والواقعية..؟
- الكرد: إشكاليّة الهويّة والاعتراف في المشرق العربي
- النقد العادل والإصلاح الممكن :دفاع عن العمل السياسي الكردي
- الكونفراس الكردي : بين الوفد المشترك ودور ENKS
- ثمانِ سنوات على الاستفتاء: إرادة شعبية وإصرار على المشروع ال ...
- هل افل نجم المجلس الوطني الكردي؟ قراءة في خطاب التجييش
- الكرد في سوريا بين جغرافيا التاريخ وصراع الديموغرافيا


المزيد.....




- -زعزعتا استقرار الشرق الأوسط-.. رئيس الوزراء الإسباني يدين ا ...
- فيديو منسوب لـ-هجوم إيراني على مصفاة نفط إسرائيلية-.. ما حقي ...
- -لم يعد هناك أمان-، فلسطينيون يحذرون من تصاعد عنف مستوطنين ف ...
- -كان يستمتع بالخوف في أعيننا-... ناجيات من إبستين يروين معان ...
- اتهامات إسرائيلية للجيش اللبناني.. ونتنياهو: نوسّع -المنطقة ...
- تقارير إعلامية: إيران ردت بشكل -سلبي- على خطة ترامب لوقف الح ...
- محمد صلاح.. ظاهرة حقيقية بكل المقاييس
- محكمة ألمانية تحكم بسجن أربعة أدينوا بإنشاء شبكة لوجستية مرت ...
- إسرائيل تجهز خطوطها الحمراء تحسبا لسلام أمريكي إيراني
- دول خليجية تتصدى لهجمات صاروخية ومسيّرات إيرانية


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الجديدة