|
|
حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المستقبل
عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 02:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قراءة تحليلية موسّعة في أزمة الدولة العراقية
المقدمة: ما الذي يعنيه أن تكون دولةً ولا تكون؟
ثمة فارق جوهري بين أن يحمل الكيان السياسي اسم الدولة، وبين أن يكون دولةً بالمعنى الحقيقي الذي أرسته الفلسفة السياسية الحديثة منذ هوبز وروسو حتى ماكس فيبر. الاسم يكفيه لافتة وعَلَم وكرسيٌّ في الأمم المتحدة. أما الدولة الحقيقية فتحتاج إلى شيء أصعب وأعمق وأكثر ندرةً: إرادةٌ جماعية راسخة، غير قابلة للتفاوض، على بناء مؤسسات تعلو على الجميع، وتخدم الجميع، ولا تُصادَر من أحد مهما بلغت قوته أو ادّعت شرعيته. الدولة بهذا المعنى ليست مبنىً حكومياً ولا علماً يرفرف فوق القصر، بل هي علاقةٌ ثقة متبادلة بين المواطن والمؤسسة، مبنية على يقين راسخ بأن القانون فوق الجميع وأن الحق لا يُصادَر بالقوة. وحين تتآكل هذه العلاقة، لا تسقط الدولة في الحال، بل تدخل في حالة أشد خطورةً من السقوط الصريح: حالة الجمود المُدار، حيث يبدو الكيان قائماً في الشكل لكنه خاوٍ في الجوهر، وهي حالة تُضفي على الفشل طابع الطبيعية فتجعله أقل قابلية للاعتراض والتغيير. العراق يعرف هذا الفارق جيداً — ليس نظرياً، بل من خلال مئة عام من التجربة المُضنية. فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 على يد الانتداب البريطاني، لم يتوقف الجدل حول سؤال واحد يعود في كل مرحلة بثوب مختلف: هل نحن نبني دولةً، أم نتقاسم دولةً موجودة؟ والفرق بين السؤالين ليس لفظياً؛ إنه الفرق بين مشروع وطني يخرج من رحم المجتمع ومشروع غنيمة يُوزَّع بين القوى المتصارعة. حين تُصبح المؤسسة حصةً لا أداةً، والوزارة غنيمةً لا خدمةً — فذلك ليس فساداً عرضياً يُعالَج بقانون أو تحقيق، بل هو نظامٌ بديل يعمل بكفاءة عالية لخدمة من صنعه. ما يواجهه العراق اليوم ليس أزمة حكومة أو أزمة قيادة يُحلّها تغييرُ الوجوه أو إعادة التوازن بين الكتل. إنه أزمة إرادة الدولة بمعناها الأعمق: تلك الإرادة الجماعية التي تُقرر أن المؤسسة ملكٌ للجميع لا لمن أسسها، وأن القانون فوق الجميع لا أداةٌ بيد من يملك السلطة، وأن المواطنة هي المرجعية العليا لا الطائفة أو القبيلة أو الحزب. هذه الإرادة حين تغيب، تتحول المؤسسات إلى واجهات — قائمة شكلاً، غائبة جوهراً. في هذه القراءة التحليلية نسعى إلى فحص أزمة الدولة العراقية بعيون مفتوحة لا تُجامل ولا تُهادن، مستعينين بمفاهيم علم السياسة وسوسيولوجيا الدولة وتجارب مقارنة من مجتمعات أخرى واجهت الأزمة ذاتها. نفحص طبيعة الخلل البنيوي، ونتتبع مساراته التاريخية، ونُقيّم مآلاته المحتملة، ونختم بالشرط الأدنى الذي لا تقوم للعراق دولة حقيقية من دونه.
إشكالية التأسيس: دولة وُلدت بلا ميثاق المفارقة الأولى: دولة قبل مجتمع يميّز علماء السياسة عادةً بين نموذجين لتكوّن الدولة: النموذج الأول هو الدولة التي تنبثق تدريجياً من رحم المجتمع، كما جرى في أوروبا الغربية حيث سبق تطور الطبقات والمصالح والعقود الاجتماعية قيامَ المؤسسات الرسمية. والنموذج الثاني هو الدولة التي تُفرَض من الخارج أو من فوق، حيث تسبق المؤسسةُ الرسميةُ نشوءَ الهوية الوطنية الجامعة والعقد الاجتماعي الصادر من إرادة شعبية حقيقية. العراق ينتمي بامتياز إلى النموذج الثاني. فالدولة العراقية الحديثة لم تكن ثمرة نضج تدريجي لمجتمع سياسي ناضج، بل كانت إعادة رسم لخريطة جغرافية-سياسية بيد الانتداب البريطاني عقب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً باتفاقية سايكس-بيكو وتداعياتها. رُسمت الحدود بمسطرة دبلوماسية، وجُمعت تحتها مجموعات بشرية متعددة الموروثات والتطلعات والمرجعيات، ووُضع على رأسها ملكٌ غريب عن الأرض التي حكمها. هذه البداية المركّبة زرعت في جذور الدولة العراقية إشكالية الشرعية والانتماء التي لم تُحسم حتى اليوم. الأشد دلالةً أن الهوية الوطنية العراقية — بمعناها الجامع الذي يتجاوز الانتماءات الفرعية — لم تسبق قيام الدولة الرسمية، بل جرى الاشتغال على تشكيلها بعد التأسيس. وهذا عكس مسار الدول المتماسكة التي تنبثق الدولة فيها من رحم هوية وطنية مترسّخة لا العكس. هذه المعضلة التأسيسية ألقت بظلالها الثقيلة على كل مراحل التاريخ العراقي اللاحقة. قرن من الانقطاعات: السلطة التي لا تتراكم بدلاً من التراكم المؤسسي التدريجي الذي يحتاجه بناء الدولة الحقيقية، عاش العراق طوال قرنه الأول سلسلة من الانقطاعات الحادة التي أعاقت أي محاولة للتراكم. الانقلابات العسكرية المتعاقبة منذ عام 1958 لم تكن مجرد تغيير وجوه في السلطة، بل كانت في كل مرة محو لما بُني وبداية من الصفر بمنطق مختلف كلياً. كل نظام أسّس مؤسساته وفق ولائه وأيديولوجيته وإقصائه للآخر، ثم جاء من بعده ليُسوّي ما بنى غيره بالأرض. في ظل هذه الانقطاعات المتكررة، لم تنشأ ثقافة مؤسسية متراكمة تفوق الأفراد وتستمر بعدهم. بدلاً من ذلك رسخت ثقافة مختلفة تماماً: ثقافة تماهي المؤسسة بالشخص الحاكم أو الحزب الحاكم، بحيث تعيش المؤسسة بعمر من أسّسها وتموت بموته أو بإزاحته. الجيش لم يكن جيش الدولة، بل جيش القائد. القضاء لم يكن مؤسسة العدل، بل أداة الحاكم. التعليم لم يكن صناعة العقل، بل صناعة الولاء. وهكذا دواليك. ثم جاء احتلال 2003 ليُضيف فصلاً جديداً من الانقطاع، لكن هذه المرة بطابع مختلف: لم يكن انقطاعاً من داخل المنظومة السياسية العراقية، بل من خارجها كلياً. قرار حل الجيش العراقي وتفكيك جهاز الدولة البعثي — وإن كان مفهوماً من منطق إزالة آليات الاستبداد — أفضى في الواقع العملي إلى إفراغ مؤسسي شامل في لحظة واحدة، وتُرك المجتمع العراقي يواجه فراغاً لم يكن مهيأً لملئه. كانت اللحظة فرصة تاريخية نادرة لبناء دولة حقيقية من الصفر، لكنها تحولت إلى كارثة المحاصصة التي ملأت الفراغ المؤسسي بأسرع مما بنى أي شيء. الدولة ليست مبنىً حكومياً ولا علماً يرفرف فوق القصر، بل هي علاقة ثقة متبادلة بين المواطن والمؤسسة — وحين تتآكل هذه العلاقة، يبدأ العدّ التنازلي نحو الانهيار الصامت.
أزمة الشرعية المؤسسية: الهياكل الفارغة المؤسسة الصورية وظاهرة الدولة المُزيَّفة يُميّز الباحث في العلوم السياسية جويل ميغدال بين نوعين من الدول: الدولة القوية التي تمتلك قدرة اختراق المجتمع وتنظيمه وفق أهداف مركزية، والدولة الضعيفة التي تفشل في ذلك وتُهزم أمام شبكات القوة الاجتماعية الأهلية. العراق يمثل نموذجاً مركّباً لا يقع في أيٍّ من القطبين تماماً: دولة تمتلك مؤسسات رسمية متكاملة — وزارات وجيشاً وقضاءً وبرلماناً — لكن هذه المؤسسات لا تعمل وفق منطق الدولة، بل وفق منطق من يشغلونها. الفرق جوهري. المؤسسة الحقيقية تعمل وفق قواعد ومعايير تتجاوز الأفراد، بحيث يمكن استبدال الموظف دون أن تتأثر وظيفة المؤسسة. أما المؤسسة الصورية فهي أقرب إلى مساحة يشغلها شخص أو جماعة، وتعمل وفق مصالحهم وولاءاتهم وتتوقف عندما يغيبون. في العراق، الوزارات هي الغالب الأعم أقرب إلى النموذج الثاني: كل وزارة تعكس هويةَ الجهة الحزبية أو الطائفية التي استلمتها ، وتدور في فلكها، وتصبح أداةً للتوظيف الفئوي والخدمات الانتقائية لا أداة للسياسة العامة. هذا ما يُفسّر الظاهرة اللافتة التي يلاحظها كل مراقب للشأن العراقي: وجود مؤسسات ضخمة العدد والموازنة لكنها عاجزة عن أداء أبسط وظائفها الجوهرية. وزارة الكهرباء لا تُنتج كهرباء كافية. وزارة الصحة لا تُقدّم رعاية صحية تليق. وزارة التعليم لا تُخرّج كفاءات. ليس لأن الموارد معدومة — فالعراق يمتلك ثروات نفطية ضخمة — بل لأن المؤسسة صُنعت لتخدم غرضاً مختلفاً تماماً عن غرضها الرسمي المكتوب. المحاصصة: المنطق الذي يحكم كل شيء أُرسيت المحاصصة السياسية في العراق بعد 2003 باعتبارها ضرورة توافقية مرحلية لاستيعاب التعدد الطائفي والقومي في مرحلة انتقال دقيقة. كان المنطق المُعلَن أن يشعر كل مكوّن بأنه ممثَّل ولا يُقصى، وأن هذا التوافق يضمن الاستقرار في مرحلة إعادة البناء. لكن ما كان يُفترض أن يكون ترتيباً مرحلياً تحوّل إلى نظام راسخ وعميق يُعيد إنتاج نفسه في كل دورة انتخابية. المحاصصة بوضعها الراهن لا تعني أن كل مكوّن ممثَّل فعلياً، بل تعني أن قيادة كل مكوّن تحصل على حصة في الموارد والسلطة. وهذا تمييز جوهري يُغيب في خضم النقاشات السياسية اليومية. المواطن الشيعي العادي لا يستفيد من استحواذ قيادته على وزارة بعينها استفادةً حقيقية أكثر مما يستفيد المواطن السني أو الكردي من استحواذ قيادته على وزارة مقابلة. ما يستفيد منه هو وهمُ التمثيل لا حقيقته، ووهمُ الحماية لا فعلها. أما على مستوى المؤسسة فالنتائج كارثية. أي وزير يصل إلى منصبه بمنطق المحاصصة يواجه معادلة تعارض داخلي حادة: هو مدين بمنصبه للجهة التي رشّحته، ومُلزَم بإرضائها وتوظيف كوادرها وتمويل شبكاتها. وهو في الوقت ذاته مسؤول رسمياً عن تقديم خدمة عامة للمواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم. وفي غياب أي آلية محاسبة حقيقية، يسود المنطق الأول دائماً. النتيجة: وزارات تعمل لصالح من يشغلها لا لصالح من تخدمه. القانون بلا سيادة: حين تُصبح العدالة استثناءً تُعدّ سيادة القانون الركيزةَ الأساسية للدولة الحديثة بمعناها المعياري. سيادة القانون لا تعني وجود قوانين مكتوبة — فالعراق يمتلك منظومة قانونية شاملة — بل تعني أن تطبيق هذه القوانين يسري على الجميع بصرف النظر عن مواقعهم ومراتبهم. حين يستطيع النافذ الإفلات من القانون، وحين تُصبح الملاحقة القضائية أداةً سياسية لا أداةً عدلية، تتحوّل سيادة القانون إلى أسطورة. الواقع العراقي شاهدٌ مؤلم على هذا. قرارات المحاكم تُعطَّل أو تُتجاوز حين تتعارض مع مصالح المتنفذين. المدانون بجرائم فساد موثّقة يستمرون في مناصبهم أو يعودون إليها بعد فترة وجيزة. الجهات التحقيقية تُعلن نتائج لا تُفضي إلى محاكمات حقيقية. والمواطن العادي يدفع ثمن هذا الواقع مضاعفاً: مرةً حين يُقيّد القانون حركته، ومرةً حين يعجز عن الحصول على حقه منه. ما يجعل هذه الأزمة أعمق هو غياب ما يُسمّيه الفيلسوف السياسي يورغن هابرماس الفضاء العام المحكوم بقواعد موضوعية. فضاءٌ يتقاطع فيه المتنافسون على أرضية من القواعد المشتركة التي يُحكّمها الجميع. في غيابه، لا يوجد تحكيم محايد، وتتحوّل كل مسألة خلافية إلى صراع قوة خام.
الدولة الغائبة والمجتمع في مواجهة ذاته تمدد الهويات الفرعية في فراغ الدولة من أكثر الظواهر المدهوشة في التجربة العراقية أن ضعف الدولة لا يُفضي إلى فراغ حقيقي، بل إلى ملء بديل. فالإنسان لا يعيش دون انتماء، والمجتمعات لا تستمر دون هويات جامعة وضامنات أمنية. وحين تتقاعس الدولة عن أداء هذه الوظائف، تتولاها البُنى الاجتماعية الأقدم والأكثر رسوخاً: الطائفة، والعشيرة، والمنطقة الجغرافية. وهذا ليس خياراً أيديولوجياً من المواطنين، بل هو استجابة عقلانية في مواجهة بيئة غير آمنة. حين لا تضمن الدولة العدالة في توزيع الفرص، تبحث عنها العشيرة. حين لا يُوفّر الجيش الأمن للجميع، تستعين بميليشيا الطائفة. حين لا تُقدّم المؤسسات الفرص المتكافئة، يُفتّش عن الواسطة في شبكة الانتماء الضيق. كل هذه الاستراتيجيات عقلانية على المستوى الفردي، لكنها كارثية على المستوى الجماعي لأنها تُعمّق الانقسام وتُضعف المؤسسة أكثر فأكثر في حلقة مفرغة. والأخطر أن هذه البُنى الفرعية — حين تُؤدي وظائف الدولة المتقاعسة — تُكتسب شرعيةً وظيفية تجعلها راسخة لا يسهل تجاوزها حتى حين تتحسّن قدرات الدولة الرسمية. الانتماء العشائري لم يُضعَف في العراق بعد عقود من الدولة الحديثة، بل ازداد رسوخاً في مراحل الأزمات، وبات يُشكّل قوة سياسية صريحة بدلاً من أن يكون مجرد رابط اجتماعي ثقافي. أزمة الثقة العامة: الرصيد المبدَّد الثقة العامة — أي ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وعدالتها واستقلاليتها — هي الوقود الذي لا تعمل الدولة الحديثة بدونه. وهي أيضاً المورد الأصعب استعادةً حين يُبدَّد. يستطيع المدير المالي الكفء أن يُعيد بناء اقتصاد خلال سنوات، لكن استعادة ثقة الناس بمؤسسات أخفقت وفسدت تحتاج إلى أجيال من الإصلاح المتواصل والمتراكم. في العراق، تُشير المسوح المتكررة إلى مستويات ثقة متدنية جداً بالمؤسسات الحكومية، ولا سيما مجلس النواب والقضاء والشرطة والخدمات المدنية. هذا التدني ليس مجرد خيبة أمل عابرة، بل هو موقف مُكتسَب بالتجربة المتكررة: وعود انتخابية لم تتحقق، وفساد علني لم يُحاسَب، وخدمات تدهورت رغم الموارد الضخمة، واستجابة للاحتجاجات بالقمع لا بالإصلاح. حين ينهار رصيد الثقة، يحدث شيء أشد خطورةً من مجرد سخط شعبي: تُصبح المؤسسة الرسمية اللاعبَ الأقل مصداقيةً في المشهد، ويتقدم عليها في ثقة المواطن فاعلون من خارجها يقدمون خدمات ملموسة — حتى وإن كانت هذه الخدمات مشروطة بالولاء لا متاحة بحق المواطنة. هذا هو الدائرة المفرغة الأشد تعقيداً: الدولة تفشل فتنشأ بدائل تشترط الولاء الفئوي وتُعمّق الانقسام، فتزداد الدولة ضعفاً وتزداد البدائل رسوخاً.
مأزق المستقبل: بين الجمود والتحوّل ديمومة التوازن الهش من أكثر ما يُحيّر المراقب للشأن العراقي أن الدولة العراقية — رغم كل ما تقدّم — لا تنهار. وهذا الاستمرار ليس دليلاً على القوة، بل هو مفارقة تكشف عن طبيعة الأزمة. الجسد المريض الذي يرفض الموت ليس بالضرورة مُعافى؛ قد يكون ببساطة في حالة ديمومة المرض لا في طريق الشفاء. ما يحفظ هذا التوازن الهش عوامل متعددة تتضافر: الإيرادات النفطية الضخمة التي تُتيح شراء السلم الاجتماعي عبر الرواتب الحكومية الضخمة دون الحاجة إلى إنتاج حقيقي. والتوازنات الإقليمية والدولية التي تجعل أطرافاً متعددة تُفضّل استمرار الوضع القائم الهش على أي تحوّل قد يُفضي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ. والاتفاقيات الضمنية بين الفاعلين الرئيسيين على تقاسم الغنائم بدلاً من الصراع المفتوح عليها. لكن هذا التوازن ينطوي في ذاته على بذور عدم الاستقرار. الإيرادات النفطية مرهونة بتقلبات أسواق الطاقة العالمية التي لا يتحكم بها العراق، والاتفاقيات الضمنية تبقى رهينةً بإرادة من صنعها وقابلةً للانهيار مع أي تحوّل في موازين القوى الداخلية أو الخارجية. الدولة التي تعتمد على ريع الموارد ونظام المحاصصة لا تبني مناعةً ذاتية، بل تُراكم الهشاشة. العقبات البنيوية أمام الإصلاح الإصلاح الحقيقي للمنظومة العراقية ليس مستحيلاً نظرياً، لكنه يواجه عقبات بنيوية صلبة. أبرزها ما يُسمّيه علماء السياسة التشابك المؤسسي : حين تتشابك مصالح النخب المختلفة مع بنية النظام القائم تشابكاً وثيقاً، يصبح الإصلاح تهديداً مباشراً لمصالحها، فتصبح هي نفسها الحائلَ الأول أمامه. إصلاح منظومة التوظيف الحكومي يعني سحب أداة الشراء السياسي من يد الأحزاب. إصلاح القضاء يعني تقليص الحصانة الفعلية التي يتمتع بها المتنفذون. إصلاح المؤسسة الأمنية يعني تهديد نفوذ الجماعات المسلحة ذات النفوذ الراسخ. العقبة الثانية هي الضعف التنظيمي لقوى الإصلاح. حركة الاحتجاج الشعبي التي اندلعت عام 2019 كانت تجربةً استثنائية في عمقها وعفويتها وشعاراتها الوطنية الجامعة التي تجاوزت الانتماءات الطائفية. لكنها أيضاً كشفت الحد الفاصل بين التعبير الشعبي عن السخط وامتلاك الأدوات التنظيمية السياسية القادرة على ترجمة هذا السخط إلى تغيير مؤسسي فعلي. القدرة على الحشد الجماهيري لا تُرادف القدرة على إعادة هندسة المؤسسات. والعقبة الثالثة هي البُعد الإقليمي والدولي. العراق ليس جزيرةً منعزلة، بل هو ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، بعضها لديه مصلحة راسخة في استمرار الضعف المؤسسي العراقي لأن الدولة القوية المستقلة تُهدد نفوذها بطريقة لا تُهدده الدولة الهشة المتجزئة. هذا الضغط الخارجي لا يُسقط إمكانية الإصلاح لكنه يجعله أكثر تعقيداً ويتطلب وعياً استراتيجياً وطنياً لا يقل في أهميته عن الإرادة الداخلية.
شروط الخروج: ما الذي لا تقوم الدولة بدونه؟ أولاً: تحرير المؤسسة من الولاء الخاص إعادة بناء الدولة في العراق لا تبدأ من تغيير الوجوه، إذ ثبت أن الوجوه تتغير والمنطق يبقى. تبدأ من شيء أصعب وأعمق: بناء الإرادة الجماعية على تحرير المؤسسة من الولاء الخاص ورفعها إلى مرتبة المصلحة العامة. هذا يعني قبل كل شيء آلياتُ توظيف مبنية على الكفاءة والاستحقاق، ونُظُم محاسبة حقيقية لا تُوقف عند حدود الانتماء الفئوي، وفصلاً واضحاً ومُطبَّقاً بين المؤسسة والحزب وبين المال العام والمال الخاص. التجارب المقارنة كثيرة ومُلهِمة في هذا الشأن. كوريا الجنوبية في الستينيات، وسنغافورة في السبعينيات، ورواندا بعد المأساة ، كلها تُشترك في عنصر واحد: قرار سياسي حقيقي على بناء مؤسسة تعلو على الجميع، متزامن مع بناء آليات تجعل هذا القرار غير قابل للتراجع بتغيّر الحاكم. هذا ليس معجزة، هو إرادة. ثانياً: القانون كمرجعية عليا لا أداة لن تقوم دولة حقيقية في العراق ما لم يُصبح القانون مرجعيةً عليا لا أداةً بيد القوي. هذا يستلزم استقلاليةً قضائيةً حقيقية مصونة دستورياً ومحميةً بضمانات مادية لا تجعل القاضي رهينةً بيد المتنفذ، ويستلزم الملاحقةَ الفعلية للفساد الكبير لا فقط الصغير لأن الفساد الكبير هو الذي يُشكّل منطق النظام. والأهم من ذلك: تغيير الثقافة السياسية من ثقافة الإفلات من المحاسبة إلى ثقافة المحاسبة كقيمة راسخة. هذا التحوّل الثقافي يستغرق جيلاً أو جيلين لكنه يبدأ بخطوة واحدة: أن يُحاكَم مسؤول كبير فعلياً ويُدان ويخرج إلى السجن. ليس لأن شخصه مهم، بل لأن السابقة تُرسي مبدأ. ثالثاً: إصلاح تعليمي يُنتج المواطن لا الرعية المؤسسة التعليمية هي حقل إنتاج المواطن والعقل النقدي والانتماء الوطني المستنير. وإصلاحها ليس ترفاً، بل هو استثمار في الشرط الديموغرافي للدولة الحقيقية. التعليم الذي يُنتج خرّيجين عاجزين عن التفكير النقدي وغير مهيّئين لسوق العمل، يُنتج في الوقت ذاته مواطنين أكثر قابليةً للاستقطاب الطائفي وأقل قدرةً على المطالبة الفاعلة بحقوقهم. إصلاح التعليم الحقيقي يعني قبل كل شيء فكّ ارتباطه بالمحاصصة وجعله مؤسسةً تعمل وفق معايير الكفاءة والجودة لا وفق معايير الانتماء. ويعني استثماراً جاداً في المعلم المؤهَّل والمنهج النقدي والبيئة التعليمية الكريمة. لأن الجيل الذي تُبنى الدولة الحقيقية بأيديه يجب أن يكون قادراً أولاً على تصوّرها.
خاتمة: العراق في مواجهة نفسه في نهاية هذه القراءة، ثمة حقيقة لا ينفع الهروب منها: العراق يمتلك من المقومات المادية والبشرية ما يكفي لبناء دولة حقيقية. الثروة النفطية، والشعب المتعلم نسبياً، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والتاريخ الحضاري العميق، هذه ليست بلاغةً وطنية، بل حقائق موضوعية. العقبة ليست في الإمكانية، بل في الإرادة، والإرادة لا تصنعها الموارد بل تصنعها الخيارات الجماعية. السؤال الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم ليس هل يمكن بناء الدولة، بل من يريد بناءها فعلاً؟ من مستعدٌّ للتنازل عن امتيازات محاصصةٍ مريحة لصالح مؤسسة تخضع الجميع لقواعدها؟ من مستعدٌّ لقبول محاسبةٍ لا تميّز بين صغير ونافذ؟ من مستعدٌّ لتعريف الانتماء الوطني بما يتجاوز الطائفة والعشيرة والحزب؟ العراق لا يحتاج إلى أبطال خارقين، بل إلى عقد وطني جديد: اتفاق صريح على أن المؤسسة ملكٌ للجميع، وأن القانون فوق الجميع، وأن المواطنة هي الهوية الأولى لا الأخيرة. حين تصبح مؤسسات التعليم والجيش والقضاء والإدارة المدنية محكومةً بقواعد لا بإرادات، عندها وعندها فقط يستعيد العراق المعنى الذي افتقده منذ عقود: أن يكون دولةً لا حقلَ صراعٍ سياسي دائم، وأن يكون وطناً لا مجرد جغرافيا تتقاسمها القوى المتصارعة. الطريق طويل والعقبات حقيقية والتشاؤم مفهوم. لكن ما لا يُقال كثيراً هو أن الأزمة ذاتها تنطوي على بذور إمكانية التجاوز: شعبٌ أثبت عام 2019 أنه يمتلك وعياً وطنياً جامعاً يتجاوز الانقسامات حين تسنح الفرصة، وجيلٌ شابٌّ يعي فشل المنظومة القائمة وإن عجز حتى الآن عن تغييرها، وإرثٌ حضاري يُذكّر بأن هذه الأرض أنتجت في لحظاتها الكبرى نماذج من العمران الإنساني لا تزال تُدرَّس في كتب التاريخ. المسار من الدولة المُزيَّفة إلى الدولة الحقيقية لم يُطوَ في أي مكان في العالم بمجرد قرار أو ثورة أو زعيم. إنه مشروع جيل أو أجيال من العمل التراكمي على بناء الثقة والمؤسسة والهوية الوطنية الجامعة. لكن كل مشروع طويل يبدأ بخطوة أولى. وأولى الخطوات في العراق هي الاعتراف الصادق بطبيعة الأزمة: لا نحتاج إلى وطنية شعاراتية أو تفاؤل مجاني، بل نحتاج إلى وضوح تشخيصي يُسمّي المشكلة بدقة ليفتح الطريق — ولو على المدى البعيد — نحو الحل.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
-
المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج
...
-
الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية
...
-
الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
-
بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
-
أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
-
الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء
...
-
حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
-
منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
-
التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
-
إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
-
غادرت حصن اليقين
-
الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا
...
-
وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
-
المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
-
كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
-
الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
-
الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي
-
الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
-
في انتظار أن يصبح سببًا
المزيد.....
-
واشنطن تستعد لإرسال آلاف الجنود من الفرقة 82 إلى الشرق الأوس
...
-
في إيران.. من يحاربون هم من يديرون المفاوضات
-
العراق يعتقل 4 أشخاص بتهمة إطلاق صواريخ على قاعدة سورية
-
واشنطن تعزز قواتها.. سيناريوهات خطيرة ونُذر -مستنقع- للأمريك
...
-
ممثل خامنئي للجنود الأمريكيين: اقتربوا
-
-بعيداً عن ويتكوف وكوشنر-.. مصدران لـCNN: إيران أبلغت إدارة
...
-
عاجل | واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين: الرئيس ترمب يرفض است
...
-
ما شروط أمريكا وإيران لوقف الحرب؟
-
ضربات المسيّرات الإيرانية تدفع قبرص لطلب اتفاق جديد مع بريطا
...
-
الشيوخ الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترامب في الحرب على إيران
...
المزيد.....
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
المزيد.....
|