أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حرب بلا إسم: كيف تهرب موسكو من الحقيقة؟















المزيد.....

حرب بلا إسم: كيف تهرب موسكو من الحقيقة؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 00:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


25 آذار/مارس 2026


ليست أخطر الحروب تلك التي تُعلن رسميًا، بل تلك التي تُخاض تحت أسماء مخففة، تُربك الإدراك وتؤجل الإعتراف. في الحالة الروسية، لم تعد المسألة مجرد توصيف لغوي لصراع عسكري في أوكرانيا، بل تحولت إلى إشكالية سياسية وقانونية عميقة: كيف يمكن لدولة أن تخوض حربًا ممتدة، متعددة الجبهات، دون أن تسميها حربًا؟
منذ عام 2022، جرى تقديم التدخل العسكري الروسي بوصفه «عملية عسكرية خاصة»—تعبير يوحي بالحدود، والدقة، والمرحلية. لكن الزمن، كما هي عادته، كان كفيلًا بتقويض هذه السردية. فالصراع الذي كان يُفترض أن يكون خاطفًا، تمدد، وتشابك، وتحوّل تدريجيًا إلى مواجهة مفتوحة، لا مع أوكرانيا وحدها، بل مع منظومة غربية أوسع باتت طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في المعادلة.
هنا تتكشف المفارقة: الواقع يتضخم في إتجاه الحرب الشاملة، بينما الخطاب الرسمي يواصل الإنكماش داخل حدود «العملية الخاصة». هذا التناقض لا يقتصر على اللغة، بل يمتد إلى بنية القرار السياسي، وإلى العلاقة بين النصوص الدستورية والممارسة الفعلية، بل وحتى إلى وعي المجتمع ذاته بما يجري حوله.
فهل نحن أمام مجرد حذر سياسي في إختيار المصطلحات؟ أم أمام إستراتيجية إنكار محسوبة تهدف إلى تأجيل إستحقاقات الحرب—إقتصاديًا، وقانونيًا، ومجتمعيًا؟
وهل يمكن لدولة أن تربح صراعًا بهذا الحجم، بينما لا تزال مترددة في تسميته؟
هذا المقال يحاول تفكيك هذه الإشكالية، لا من زاوية الخطاب فقط، بل من خلال تتبع التوتر القائم بين الواقع العسكري، والإطار القانوني، والسردية الرسمية—حيث تبدأ الحرب، ليس عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما يُعترف بها كحرب.

وفي مقاله المنشور في موقع «svpressa.ru» بتاريخ 22 مارس 2026، يطرح الإقتصادي والمفكر الروسي فالنتين كاتاسونوف سؤالًا صادمًا في صياغته ومباشرًا في مضمونه: «على من نكذب ونحن نعيش في حالة مواجهة عسكرية مع الغرب الجماعي؟».
السؤال ليس بلاغيًا فحسب، بل هو مدخل لتحليل أعمق يطعن في التوصيف الرسمي للحرب في أوكرانيا، ويعيد طرحها كـ«حرب مكتملة الأركان» لا مجرد «عملية عسكرية خاصة».

أولًا: من “عملية خاصة” إلى “حرب غير معلنة”

منذ البداية، يستحضر كاتاسونوف المفارقة الزمنية والسياسية: «لقد دخلنا العام الخامس من العملية العسكرية الخاصة… ولم يعد اللسان يطاوعنا على تسميتها كذلك».

هنا لا يكتفي الكاتب بوصف طول أمد الحرب، بل يربطه بتآكل الخطاب الرسمي ذاته. فـ«العملية الخاصة» كانت، وفق الرواية الرسمية، ضربة خاطفة تهدف إلى «نزع السلاح وإجتثاث النازية». لكن الواقع، كما يقدمه، مختلف جذريًا: «قيل لنا: إصبروا قليلًا… الأمر لن يستغرق سوى أشهر. لكن العملية إمتدت، ثم تحولت إلى صراع طويل بلا أفق واضح».

بهذا المعنى، يتحول الزمن إلى عنصر تفكيك للسردية، حيث كل شهر إضافي يضعف منطق «الإستثناء» ويقرب الحدث من تعريف «الحرب».


ثانيًا: الإشكالية الدستورية… بين النص والتطبيق

يستند كاتاسونوف إلى المادة 87 من الدستور الروسي، والتي تنص على أن الرئيس يعلن الأحكام العرفية في حال وقوع عدوان أو تهديد مباشر به. ويضيف: «الوضع الحالي منصوص عليه بوضوح في الدستور… لكن ما نراه هو تجاهل فعلي لهذا النص».

ويذهب أبعد من ذلك، مستندًا إلى قانون «الأحكام العرفية» لعام 2002، ليؤكد أن الإجراءات المرتبطة بها—من التعبئة الإقتصادية إلى ضبط البنية التحتية—ليست مجرد خيارات، بل واجبات قانونية: «كل ما ورد في المادة السابعة من القانون… أصبح اليوم ضرورة حياتية».

الكاتب هنا لا يناقش فقط قرارًا سياسيًا، بل يطرح ما يشبه إتهامًا ضمنيًا بوجود فجوة بين الشرعية القانونية والممارسة الفعلية.


ثالثًا: “الأسباب الثمانية” — بناء حجة الحرب الكاملة

أقوى أجزاء المقال يتمثل في تفكيك كاتاسونوف للمادة الثالثة من قانون الأحكام العرفية، والتي تحدد ثمانية أسباب لإعلانها.
وهو لا يذكرها نظريًا، بل يعيد تأويل الواقع الروسي من خلالها، ليخلص إلى نتيجة حاسمة: «جميع الأسباب الثمانية… لم تعد إفتراضية، بل أصبحت واقعًا قائمًا».
1. الإجتياح العسكري
يشير إلى الهجمات داخل الأراضي الروسية، خصوصًا في كورسك وبيلغورود: «يمكن اعغتبار ذلك إحتلالًا جزئيًا لأراضي الإتحاد الروسي».

2. القصف والهجمات الجوية
مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة: «لا يوجد اليوم مكان في روسيا يمكن أن يشعر فيه المواطن بالأمان الكامل».

3. التهديد بالحصار البحري
«تتصاعد الدعوات في الغرب لفرض حصار بحري على روسيا».

4. إستهداف القوات خارج الحدود
الهجمات على القواعد الروسية في سوريا مثالًا.

5. إستخدام أراضي دول أخرى ضد روسيا
«أكثر من 50 دولة تشارك فعليًا في الحرب ضد روسيا».

6. العمليات التخريبية والعملاء
«تم الكشف عن خلايا نائمة تنتظر الأوامر لتنفيذ هجمات داخل روسيا».

7. إنتهاكات السيادة بوسائل غير مباشرة
من إختراق المجال الجوي إلى الصيد غير المشروع.

8. التهديد المباشر بالحرب «نسمع يوميًا عن إستعدادات أوروبا لمواجهة عسكرية محتملة مع روسيا».
بهذا البناء، يحول الكاتب النص القانوني إلى أداة إثبات، ويعيد صياغة الواقع كـ«حالة حرب مكتملة» وفق التعريف الرسمي ذاته.

رابعًا: نقد “الوهم السياسي” والإنكار الرسمي

أحد أكثر المقاطع حدة في المقال يتمثل في إنتقاد التبرير الرسمي بعدم إعلان الأحكام العرفية: «قيل لنا: لم يُعلن أحد الحرب علينا… إذن لا توجد حرب».

يرد كاتاسونوف على هذا المنطق بوضوح: «هذه إجابات مراوغة… ولا تتوافق مع الدستور ولا مع القانون».

هنا يتجاوز النقد الجانب القانوني إلى البعد النفسي والسياسي: الدولة—وفق طرحه—تتجنب تسمية الأشياء بأسمائها، ما يخلق حالة من «الإزدواجية» بين الواقع والخطاب الرسمي.

خامسًا: غياب التعبئة… جوهر الأزمة

يركز الكاتب بشكل خاص على ما يسميه «الغياب شبه الكامل للتعبئة الإقتصادية»: «لا توجد تعبئة كافية… لا عسكرية ولا إقتصادية».

ويحذر من أن هذا التناقض—بين حرب طويلة دون تعبئة شاملة—قد يؤدي إلى نتائج إستراتيجية خطيرة: «من دون تعبئة إقتصادية، لن تكون هناك لا ‘مدافع’ ولا ‘زبدة’».

هذه العبارة تستعيد بوضوح النقاش الكلاسيكي حول إقتصاد الحرب، حيث لا يمكن الفصل بين الجبهة العسكرية والقدرة الإنتاجية.


سادسًا: الحرب مع “الغرب الجماعي” — توسيع إطار الصراع

في ختام مقاله، يستند كاتاسونوف إلى تصريح سيرغي شويغو الذي يقول إن «56 دولة» تشارك فعليًا في الحرب ضد روسيا.

هذا الطرح يعيد تعريف الصراع من نزاع ثنائي (روسيا–أوكرانيا) إلى مواجهة حضارية أوسع: «فعليًا، نحن في حرب مع نظام كامل، لا مع دولة واحدة».

وهنا يكمن التحول الأخطر: إذا كان الخصم «منظومة دولية»، فإن أدوات المواجهة يجب أن تكون بحجم هذا التحدي—أي تعبئة شاملة.


خاتمة: دعوة للإستيقاظ أم خطاب تعبوي؟

ينهي كاتاسونوف مقاله بنبرة تحذيرية صريحة: «نحن لا نزال نائمين… وقد حان وقت الإستيقاظ».

في هذا الختام، يتكثف كل ما سبق: نقد للخطاب الرسمي، إستدعاء للنصوص القانونية، توصيف للحرب كواقع قائم، ودعوة مباشرة لإعلان الأحكام العرفية.

لكن السؤال الأهم الذي يتركه النص مفتوحًا: هل هذا تحليل قانوني موضوعي؟ أم خطاب تعبوي يهدف إلى دفع الدولة نحو مزيد من التصعيد؟

في كل الأحوال، يقدم مقال فالنتين كاتاسونوف نموذجًا واضحًا للتيار الروسي الذي يرى أن «نصف الحرب أخطر من الحرب الكاملة»—وأن التردد في تعريف الصراع قد يكون، بحد ذاته، أحد أكبر المخاطر الإستراتيجية.

*****


هوامش

عن المؤلف:
فالنتين كاتاسونوف، المولود في 5 أبريل 1950، هو أستاذ وخبير إقتصادي روسي بارز، ورئيس الجمعية الإقتصادية الروسية. حائز على دكتوراه في الإقتصاد وعضو في أكاديمية العلوم الاقتصادية وريادة الأعمال، وقد عمل مستشارًا دوليًا للأمم المتحدة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الدولي.
تتناول أبحاثه وتمويلاته بالمشروعات الإقتصاد الروسي والدولي وهروب رؤوس الأموال، وتجمع بين التحليل الأكاديمي العميق والرؤية النقدية للسياسات الإقتصادية.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل لإسرائيل حق في الوجود… بينما لا تولد فلسطين؟
- ديمونا وما بعدها: إختبار الردع وحدود القوة في مواجهة إيران
- من صدمة النفط إلى ولادة البترودولار: كيف أُعيد تشكيل الإقتصا ...
- حرب تتجاوز الجغرافيا: قراءة تحليلية في أطروحة “خطة ينون” كما ...
- حروب المضائق في النظام الدولي الجديد: بين نص القانون ومنطق ا ...
- ألكسندر دوغين - الترسانة السوفياتية في مواجهة الغرب
- ما بعد لاريجاني: هل أُغلقت نافذة التسوية بين واشنطن وطهران؟
- إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران
- ألكسندر دوغين - «الولايات المتحدة تعمل على تفكيك شبكة حلفائن ...
- لا حليف لأمريكا سوى إسرائيل
- إيران بين النفط والخوارزميات - كيف يقرأ مفكران روسيان الحرب ...
- ألكسندر دوغين - الحرب بوصفها نهاية للعالم
- لماذا توسّع إيران ضرباتها لتشمل دول الخليج؟ تحليل روسي
- الدين والسياسة في الحرب ضد إيران: قراءة تحليلية لأطروحات فال ...
- ألكسندر دوغين: الجميع منشغلون بإعادة تقسيم العالم… بينما نحن ...
- لغز حرب إيران: هل أخطأ ترامب الحسابات الكبرى؟
- ألكسندر دوغين - الخلافة العباسية الجديدة: كيف يتخيّل دوغين ص ...
- العدوان الثنائي على إيران - جردة حساب أولية
- إلى أن يرمش أحدهم أولاً: هل خرجت حرب الشرق الأوسط عن السيطرة ...
- حرب تتسع… ونقاش يتفجر في واشنطن


المزيد.....




- واشنطن تستعد لإرسال آلاف الجنود من الفرقة 82 إلى الشرق الأوس ...
- في إيران.. من يحاربون هم من يديرون المفاوضات
- العراق يعتقل 4 أشخاص بتهمة إطلاق صواريخ على قاعدة سورية
- واشنطن تعزز قواتها.. سيناريوهات خطيرة ونُذر -مستنقع- للأمريك ...
- ممثل خامنئي للجنود الأمريكيين: اقتربوا
- -بعيداً عن ويتكوف وكوشنر-.. مصدران لـCNN: إيران أبلغت إدارة ...
- عاجل | واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين: الرئيس ترمب يرفض است ...
- ما شروط أمريكا وإيران لوقف الحرب؟
- ضربات المسيّرات الإيرانية تدفع قبرص لطلب اتفاق جديد مع بريطا ...
- الشيوخ الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترامب في الحرب على إيران ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حرب بلا إسم: كيف تهرب موسكو من الحقيقة؟