أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد العبيدي - بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟














المزيد.....

بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 22:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في غالب الحروب، لا تقتصر المواجهة على السلاح وحده، وإنما تمتد إلى الأفكار والمعاني التي تمنحها شرعيتها. وفي حرب الشرق الدائرة اليوم، يبدو أن الصراع قد مضى بعيدًا في هذا الاتجاه، ليأخذ طابعًا نفسيًا أكثر حساسية وخطورة، يتمثل في ربطه بالإرادة الإلهية وتحويله إلى طريق نحو الخلاص الغيبي. إذ في المعسكر الأمريكي–الإسرائيلي، يُبذل جهد، وعلى أعلى المستويات، لتقديم الحرب بوصفها حتمية توراتية تمهّد لظهور المسيح المخلّص، وكأن الدمار المصاحب لها ليس مأساة إنسانية، وإنما جزء من قدر محتوم. وفي المعسكر الإيراني المقابل، تُطرح الفكرة ذاتها بصيغة أخرى، حيث يُنظر البعض من كبار رجال الدين إلى وقائع الحرب بوصفها سبيلًا للتعجيل بظهور المهدي المنتظر، وكأن الألم الجماعي خطوة في طريق الوعد الغيبي. واللافت في هذا الطرح، أنه رغم اختلاف المرجعيتين، فإن قاسمهما المشترك يظل واضحًا: إضفاء طابع مقدّس على العنف، وربطه باسم إله واحد يقرّ الطرفان بعبادته، ومنح الحرب معنىً مُضلِّلًا يعيد تشكيل الوعي، ليبدو العنف تضحية، وتغدو التضحية قُربى إلى الله.
إن إضفاء الطابع المقدّس على الحرب، أو تصويرها سبيلًا للتقرّب إلى الله، لا يكشف عن قوة في الإيمان بقدر ما يفضح خلطًا خطيرًا بين المقدّس والبشري. فالدين، الذي شُرِّع ليكون مجالًا للرحمة والعدل، يُحرَّف في هذا السياق ليغدو أداةً تُكسى بها الحروب شرعية غيبية، تُطيل أمدها وتُغذّي مستويات العنف والدمار فيها، حتى تُفضي إلى إضعاف وعي الإنسان، وطمس قدرته على التمييز بين الإيمان في جوهره، وتسخيره لتبرير القتل والتدمير. غير أن الأخطر في هذا التوظيف، أنه لا يمنح كل طرف شعورًا بأنه يدافع عن قضية، بقدر ما يرسّخ لديه قناعة بأنه ينفّذ إرادة إلهية، وهو ما يرفع أفعاله فوق المساءلة، ويُجرّدها من أي نقد أخلاقي. ومتى ما ترسخ هذا الاعتقاد، يصبح من الصعب مساءلة الأفعال الخطأ أو مراجعتها، لأن ما يُنسب إلى الله يُوضع بطبيعته خارج دائرة النقد. غير أن هذا التصوّر يغفل حقيقة جوهرية، وهي أن ربط العنف بالمقدّس لا يقرّب الإنسان من الله، وإنما قد يباعده عنه. فالقرب إلى الله يُعرف بما يثمره من عدل ورحمة وصونٍ للحياة، وهي معانٍ لا تستقيم مع تحويل الحرب إلى عبادة، ولا الألم إلى وسيلة. وعلى هذا النحو حين يُستدعى الدين لتبرير التدمير، يفقد جوهره الأخلاقي، وينحرف عن رسالته، ويتحول في نهاية المطاف من نورٍ للهداية إلى سببٍ للصدام.
في النهاية، ستتوقف هذه الحرب كما توقفت غيرها، وسيهدأ غبارها دون أن يظهر المسيح الذي وُعِد به هذا الطرف، أو المهدي الذي ينتظره ذاك. وستبقى الخسائر وحدها شاهدة. لكن الأخطر من الحرب ذاتها هو ما تتركه خلفها من استعداد نفسي لإعادة إنتاجها. فحين لا يتحقق “الظهور” الموعود، لا يُعاد النظر في الفكرة، بل يُعاد توظيفها، وتُستدعى مرة أخرى لتبرير صراعات قادمة، وكأن الدماء التي أُريقت لم تكن كافية. وهكذا يُدخِل الخطاب الغيبي الإنسان في دائرة مغلقة من العنف، وعنفٍ مؤجَّل، تُغذّيها تأويلات لا تنتهي، تتماهى مع تدينٍ متطرف في سعيه إلى معنى يبرّر الألم، ووعدٍ يخفّف وطأة الخسارة، حتى وإن كان هذا الوعد نفسه ما يدفع إلى تكرار المأساة. ومع ذلك، لا يكون الطعن في الإيمان ذاته، وإنما في تحويله إلى أداة انتظارٍ مؤجَّل، تُبنى عليه الحروب وتُدار باسمه الصراعات، فيما يظل الإنسان وسطه مشروع أضحية مؤجَّلة.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة


المزيد.....




- لندن تستدعي السفير الإيراني وتفتح تحقيقاً في إحراق سيارات إس ...
- مقر خاتم الانبياء: الجمهورية الاسلامية الايرانية تسيطر على م ...
- الوحدة الإسلامية.. مَن بعد إيران؟
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا تجمّعاً لجنود -جيش- ا ...
- مشاهد جوية تكشف آثار هجوم حرق متعمد يستهدف سيارات إسعاف يهود ...
- حرس الثورة الإسلامية: نُفِّذت الموجة الـ 76 مستهدفة القواعد ...
- حرس الثورة الإسلامية: الموجة الـ 76 نُفِّذت بصواريخ قوية تعم ...
- حرس الثورة الإسلامية: تم استهداف البنية التحتية للجيش الصهيو ...
- حرس الثورة الإسلامية: استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المس ...
- إضرام النار في مركبات تابعة لخدمة إسعاف يهودية في لندن


المزيد.....

- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد العبيدي - بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟