نزار فجر بعريني
الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 12:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
صباح الخير،
حرب الخليج الرابعة- حقيقة. أهداف السيطرة والتحكّم العسكرية والسياسية الأمريكية الإسرائلية المُعلَنة تخفي في طياتها دوافع الحرب الأمريكية الرئيسية، المرتبطة بالسعي إلى الهيمنة الاقتصادية، عبر الاستحواذ على مواقع مصادر و مخازن الطاقة ومسالك المعابر والطرق التجارية التي نجحت سلطة النظام الإيراني في امتلاكها أو التحكّم المباشر بها خلال حروب الخليج المتتالية ، منذ ١٩٨٠.
إذ يفسّر هذا العامل الرئيسي طبيعة مواقع التناقض والاختلاف في سياسات الحرب بين حكومة نتنياهو وإدارة ترامب،( خاصة رفض الإدارة لسياسات استهداف وتدمير مصادر الطاقة وخطوط الإمداد الإيرانية التي تعوّل واشنطن على الاستفادة المباشرة من مواردها الاقتصادية في نهاية الحرب)، فإنّه يبيّن طبيعة دوافع وأدوات واشنطن وطهران. في مسارات الحرب وجهود رسم مآلاتها، تسعى واشنطن للسيطرة على "جزيرة خرج " وبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام حركة التجارة العالمية، بينما، تسعي طهران لاستخدام "مضيق هرمز" كسلاح ضغط من أجل فرض تسوية سياسية، رغم ما قد تحمل نتائجها من تغيرات استراتيجية على صعيد علاقات قوى السيطرة العالمية!
لنحاول فهم أبعاد القضية ، وما تحمله من مخاطر على السلم الإقليمي وعلاقات التنافس والصراع الإمبريالي الدولي:
في الواقع، يشهد العالم واحدة من أخطر المناورات الجيوسياسية على مر التاريخ، لأن الصراع الدائر في الخليج قد لا يقتصر على النفط فحسب، بل يدور حول مَن يسيطر على النظام المالي ويحقق الهيمنة الاقتصادية العالمية في القرن الحادي والعشرين.
بعد أسابيع من الحشد العسكري والتصريحات التصعيدية من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وشن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، يوم ٢٨ شباط/ فبراير ٢٠٢٦، هجومًا واسع النطاق على إيران، بهدف مُعلن هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ودعوة الإيرانيين إلى استغلال "فرصة قد لا تتكرر لأجيال" لتولي زمام الأمور في بلادهم (وقد أسفرت الضربة الافتتاحية عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية)، و ردّ إيران بهجمات استخدمت فيها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة في اتجاه إسرائيل وقواعد أميركية، ومنشآت اقتصادية في دول الخليج العربية، والأردن، وقبرص، (في محاولة لإشعال المنطقة لرفع التكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها، وإلحاق أكبر ضرر ممكن بالاقتصاد العالمي لتوليد ضغوط دولية على إدارة ترمب لوقف الحرب)، ومع احتدام الحرب، تحاول طهران استخدام أقوى أسلحتها الجيوسياسية- مضيق هرمز:
فقد كشف مسؤول إيراني رفيع المستوى أنّ إيران تدرس إمكانية السماح لبعض ناقلات النفط بالمرور عبر مضيق هرمز بشرط أن تتم التجارة ب"اليوان" .
مضيق ضيق، لا يتجاوز عرضه ٣٤ كيلومترًا، قادر على زعزعة الاقتصاد العالمي برمته (١)، لكن الأخطر إذا ما تحقق هذا الأمر، فقد يُشكل تحديًا لهيمنة نظام البترو دولار الأمريكي الذي دام ٥٢ عامًا، وما يستجرّه من ردود أفعال أمريكية!
لماذا تُقدم إيران على هذه الخطوة؟ وكيف سترد الولايات المتحدة؟ وكيف سيكون رد فعل العالم أجمع إذا ما بدأ نظام النفط العالمي بالانقسام إلى عملتين؟ (٢)
لماذا تسعى إيران إلى كسر هيمنة الدولار؟
لم يبدأ الصراع الإيراني الأمريكي اليوم، بل هو صراعٌ متصاعدٌ منذ أربعين عامًا. فمنذ عام ١٩٧٩، اتسمت العلاقات بين طهران و واشنطن بالعداء. وعلى مرّ العقود، فرضت الولايات المتحدة عقوباتٍ متتالية على اقتصاد إيران، استهدفت صادرات النفط الإيرانية، والبنوك الإيرانية، والشركات الدولية التي تتعامل معها. ولأن النفط يُعدّ المصدر الرئيسي لدخل إيران، فقد كانت هذه العقوبات مدمرة. واجهت إيران فجأةً مشكلةً عويصة، إذ بات بإمكانها إنتاج النفط، لكن بيعه في السوق العالمية أصبح بالغ الصعوبة. ترفض معظم البنوك الدولية معالجة المعاملات الإيرانية، وتتجنب معظم شركات الشحن التعامل مع إيران، وتخشى معظم الدول من فرض عقوباتٍ ثانوية. لذا، بدأت إيران بالبحث عن أنظمة اقتصادية بديلة، وبرزت الصين كشريكٍ استراتيجيٍّ هام.
تُعدّ الصين أكبر مستورد للطاقة في العالم، ويحتاج اقتصادها إلى كميات هائلة من النفط. في الوقت نفسه، تمتلك إيران احتياطيات ضخمة من النفط الخام، لكن عدد المشترين محدود بسبب العقوبات. وقد خلق هذا شراكة طبيعية. في عام ٢٠٢١، وقّعت إيران والصين اتفاقية تعاون استراتيجي لمدة ٢٥ عامًا، تتضمن استثمارات ضخمة وصفقات طاقة طويلة الأجل. بموجب هذا الترتيب، ستستثمر الصين مليارات الدولارات في البنية التحتية وقطاع الطاقة والتكنولوجيا. في المقابل، ستزود إيران الصين بإمدادات نفطية بأسعار مخفضة. لكن كان هناك جانب حاسم آخر لهذه الشراكة: أرادت الصين توسيع نطاق استخدام عملتها دوليًا. لسنوات، سعت بكين إلى تقليل الاعتماد العالمي على الدولار الأمريكي، وتُعدّ تجارة الطاقة أكبر ساحة معركة في هذا الصراع. إذا بدأ تداول النفط، وهو أهم سلعة، باليوان، فقد تكون التداعيات هائلة، وقد أدركت إيران هذا الأمر تمامًا.
من خلال تعطيل الشحن في مضيق هرمز، يمكن لإيران أن تسبب صدمة اقتصادية هائلة، ومن خلال ربط إعادة فتح المضيق بتجارة النفط القائمة على يوان، تحاول إيران القيام بشيء أكبر:
تحدي النظام المالي لأسواق الطاقة العالمية.
لعقود طويلة، بُني النظام الدولي على أساس الهيمنة المالية الأمريكية، لكن قوى عديدة تُغير هذا النظام اليوم، منها التناقضات الجديدة داخل النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي على صعيد العلاقات مابين قوى التحالف الغربي، الأوروبية والأميركية والأمريكية الكندية والاسترالية الصعود الاقتصادي الصيني، ومقاومة روسيا للعقوبات، والتعاون المالي بين دول البريكس ، وأنظمة الدفع البديلة.
من المؤكّد أن يُثير تداول النفط باليوان بدلاً من الدولار جدلاً حول مستقبل النظام المالي الدولي، لكن النتيجة لا تزال غير مؤكدة: هل ستدافع الولايات المتحدة عن البترو دولار بالقوة الاقتصادية أم العسكرية؟ هل ستدعم الصين سراً توسيع تجارة الطاقة القائمة على اليوان؟ هل ستُعيد الدبلوماسية فتح مضيق هرمز في نهاية المطاف وتُعيد النظام القديم؟
في أخطر درجات تصاعد وتائر الصراع، هدد الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، اليوم الأحد ، ٢٢ آذار ، بقصف وتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران، ما لم يتم فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية في غضون ٤٨ ساعة.
وكتب ترمب في تغريده "إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال ٤٨ ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها".
وجاء هذا التهديد الصريح عبر منصة "تروث سوشيال"، حيث وضع ترمب مهلة زمنية محددة للسلطات الإيرانية، مؤكدا أن الولايات المتحدة مستعدة لضرب مختلف محطات الطاقة الإيرانية، بدءا من المنشآت الكبرى، إن استمرت التهديدات للممر المائي الحيوي.
ويضع هذا الإنذار النهائي المنطقة أمام مرحلة جديدة من التصعيد، حيث يربط الرئيس الأمريكي بشكل مباشر بين حرية حركة السفن في المضيق وبين بقاء المنشآت النفطية والكهربائية الإيرانية قائمة.
في خطاب مباشر إلى الشعب الأمريكي، يوضح الرئيس ترامب طبيعة الموقف الأمريكي:
أود أن أتحدث إليكم مباشرةً عما يحدث في مضيق هرمز. إنه ممر مائي بالغ الأهمية، إذ يمر عبره ما يقارب ٢٠% من النفط يوميًا. والوضع الآن خطير، حيث تراقب قوات الحرس الثوري الإيراني الحركة في المضيق. وتشير التقارير إلى إمكانية منح السفن الصينية أولوية المرور. تُعد الصين من أكبر مستوردي النفط الإيراني، ويمر معظم هذا النفط عبر هذا الممر.
دعوني أوضح الأمر: تؤمن الولايات المتحدة بالتجارة العالمية الحرة والمفتوحة. ولن نسمح بتقييد إمدادات الطاقة الحيوية بما يضر بالأسر الأمريكية أو الاقتصاد العالمي. نتابع التطورات عن كثب، وبحريتنا على أهبة الاستعداد لتقييم الوضع وضمان مرور السفن التجارية بأمان عند الضرورة. كما نعمل مع شركائنا وشركات الشحن لتقليل المخاطر والحفاظ على الاستقرار في المنطقة. وقد تأثرت أسواق الطاقة، وأتفهم قلق الناس بشأن أسعار الوقود. نتخذ خطوات لمنع حدوث اضطرابات طويلة الأمد. هذه لحظة تتطلب قوة وقيادة حكيمة وقرارات صائبة. العالم يراقب، وستواصل أمريكا حماية ودعم الاستقرار. وسنطلعكم على كل خطوة نتخذها. "
في المقابل، قال مقر خاتم الأنبياء العسكري الإيراني إن طهران سترد على أي هجوم ضد بنيتها التحتية للطاقة باستهداف بنى الطاقة والتكنولوجيا التابعة لأمريكا وإسرائيل.
---------------------------------
(١)-يُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية على وجه الأرض من الناحية الاستراتيجية. ويبلغ عرض أضيق نقطة فيه ٣٤ كيلومترًا فقط. ومع ذلك، يتدفق عبر هذا الممر الصغير حوالي ٢٠ مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقرب من ٢٠% من الإمدادات العالمية. ويعتمد كبار منتجي النفط على هذا الطريق. وإذا أغلق هذا المضيق، فإن العواقب ستكون فورية. أسعار النفط ترتفع، وتكاليف الشحن تنفجر. يرتفع معدل التضخم العالمي. وهذا بالضبط ما بدأ يحدث عندما اندلع الصراع. وبعد الضربات العسكرية التي تصاعدت حدة التوتر، قامت إيران فعليًا بتقييد حركة المرور إلى المضيق. أصابت أسواق النفط العالمية حالة من الذعر، وقفزت أسعار النفط فوق١٠٠ دولار للبرميل، وقد تصل إلى١٥٠ أو حتى ٢٠٠ دولار، إذا تفاقمت الأزمة!
(٢)-
"لكي نفهم ما يحدث اليوم علينا أن نعود أكثر من ٥٢ عاماً إلى الوراء: في عام ١٩٧٤، بعد أن هزت أزمات النفط أسواق النفط، عقدت الولايات المتحدة اتفاقية تاريخية مع المملكة العربية السعودية.
كانت الصفقة بسيطة ولكنها قوية بشكل لا يصدق: ستبيع المملكة العربية السعودية ومعظم منظمة OPIC النفط بالدولار الأمريكي فقط. في المقابل، ستوفر الولايات المتحدة الحماية العسكرية والضمانات الأمنية والوصول إلى الأسواق المالية العالمية. أنشأ هذا الاتفاق نظام البترو دولار، وغير العالم ... منذ تلك اللحظة فصاعدًا، كان على كل دولة في العالم تحتاج إلى النفط، أن تحتفظ بالدولار الأمريكي. كانت اليابان وألمانيا بحاجة إلى الدولارات، والهند والصين، حتى الدول التي كرهت السياسة الأمريكية، لا تزال بحاجة إلى الدولار لشراء الطاقة. أدى هذا إلى خلق طلب عالمي هائل على العملة الأمريكية، لقد أعطى هذا الطلب واشنطن قوة غير عادية، لأنه عندما يحتاج العالم إلى عملتك، فإنك تكتسب نفوذًا اقتصاديًا هائلاً: يمكن للولايات المتحدة فرض عقوبات، وتجميد الحسابات المصرفية، وقطع اتصال المقاطعات بالأنظمة المالية، والضغط على الحكومات من خلال الأنظمة المالية. لعقود من الزمن، أصبح هذا أساس القوة العالمية الأمريكية. ولكن مع مرور الوقت، بدأت بعض الدول في البحث عن طرق للهروب من هذا النظام، وأصبحت إيران واحدة من أكثر المنافسين تصميماً."
#نزار_فجر_بعريني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟