أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد ع محمد - آلية ومعايير الهمج في سوريا















المزيد.....

آلية ومعايير الهمج في سوريا


ماجد ع محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الوقائع الميدانية المتكررة في أكثر من بقعة جغرافية منذ سقوط نظام البعث الحاكم، والاضطرابات البشرية لممارسي السطوة باسم السلطة من وقت فرار رأس السلطة السابقة إلى الآن، تؤكد بأن بلطجية السلطتين ـ الماضية والحاضرة ـ وشبيحتها المتلونين والمستحدثين هم من بؤرة ثقافية واحدة، فهم من أجل إثبات ولائهم المطلق للحاكم والحكومة جاهزون في كل مرحلة للنهش بأجساد الأبرياء والعزل، وبما أن أصحاب المخالب يتحركون بكامل الأريحية على مرأى الأجهزة الأمنية على طول البلد وعرضه، فهم إذن على أهبة الاستعداد لاختلاق الذرائع في أي مكانٍ كان كي يُفرغوا ما تجمع من الحقد المتراكم لديهم على كل الذين لا يشبهونهم.
وبات جليًا أن الهمج في سوريا لا يحتاجون إلى إذن أو ترخيص، ولا المنفعلون لأتفه سبب بحاجة إلى أوامر وقرارات، إنما فتوى عابرة من أرعنٍ عابر كافية لسوقهم سوق العجماوات، كما أنهم لا يحتاجون إلى الأدلة والبراهين لارتكاب أشنع التصرفات بحق أناسٍ لا شأن لهم بالذي هيَّج تلك القطعان المنفلتة، إنما يكفيهم خبر كاذب، أو قصة مختلقة، أو تسجيل مفبرك، حتى يُعبروا عن كامل همجيتهم، كما جرى السنة الماضية في حي جرمانا بمدينة دمشق، إذ إن تسجيلًا مفبركًا كان كافيًا للبدء بالعدوان الهستيري على أبناء الطائفة الدرزية في العاصمة السورية.
فبعد قيام شخصٍ واحدٍ في منطقة كوباني (عين العرب) بإنزال علم الدولة السورية من على ساريةٍ في مكانٍ عام، قام على إثرها عشرات الأنفار من مؤيدي السلطة السورية وحاملي ساطورها، بالاعتداء الوحشي على المدنيين الكُرد في أكثر من بقعة جغرافية وضربهم وإهانتهم وتكسير سياراتهم على الطرقات العامة، من دون أن يكون للمعتدى عليهم أي علم أو علاقة بما قام به ذلك النفر في كوباني؛ ولكن التواطؤ الضمني الواضح والذي له علاقة بالأحقاد السابقة وبالبنية الثقافية المشتركة بدا جليًا عندما تمت الاعتداءات على المدنيين العزل أمام عناصر الأمن الذين اكتفوا بالفرجة.
بل والأنكى من ذلك، أن عناصر الأمن أنفسهم في بعض النقاط شاركوا في تلك الاعتداءات الوحشية على المدنيين، وهو ما يشير إلى أن ممارسات القطعان المهاجمة على المحتفلين الكرد في عيد النيروز لها علاقة مباشرة بالبنية الأخلاقية والثقافية لهم، فالحقد الدفين هو الإطار الذي يجمعهم، والدليل على ذلك هو أن حادثة إنزال العلم حصلت في مكان واحد، وقام بها شخص واحد، بينما الهمج الذين اعتدوا على المدنيين الكرد كانوا بالمئات، وفي مناطق بعيدة عن بعضها جدًا كالشيخ مقصود بمدينة حلب ومنطقة عفرين وطريق إعزاز، هذا بالنسبة إلى الانتهاكات المصورة والتي علم الناس بها، وربما هناك عشرات الحالات المماثلة في أماكن أخرى ولكنها لم تصل للإعلام.
عمومًا لا ننفي بأن للرموز والأعلام القومية أو الوطنية مكانةً خاصة لدى معظم الأمم، ولكن الشعوب المتحضرة لا تتعامل معها وكأنها من المقدسات التي تدفعهم لارتكاب الجرائم دفاعًا عنها، ولا تمارس المجتمعات الراقية العنف الجماعي المفرط بحق أية جهة أو شخص بذريعة أنه أهان ذلك الرمز أو العلم، فمؤسسات الدولة هي وحدها المسؤولة عن محاسبة مرتكبي هكذا ذنوب، وعلى سبيل المثال فبالرغم من أن الصليب هو الرمز الأبرز والأكثر قدسية في الديانة المسيحية في كل العالم، ومع ذلك لم نرَ يومًا القطعان البشرية وهي تهاجم الصبابا أو المومسات اللواتي تتدلى الصلبان من بين نهودهن في ملاهي أو شواطئ العالم، بينما رأينا بعض الهمج من المسلمين في أكثر من مكان وهم يهجمون بطرائق وحشية على مَن قيل بأنهم أساؤوا إلى كتابهم المقدس.
كما أن الشعوب المتخلفة هي أكثر الشعوب التي تقدس الأعلام والرموز مقابل الحط من قيمة الإنسان وكرامته، ففي سوريا المبتلاة بآفة التخلف وسطوة المتخلفين، يمكن أن تعتدي عليك الأوباش المحسوبة على السلطة لمجرد الشك بأنك أسأت إلى صورة رمزهم أو علمهم، بينما في أميركا وعموم الغرب الحر فكيلوتات ممثلات الأفلام الإباحية هي أعلام تلك البلدان التي تعلي من قيمة الإنسان وليس الشيء المتعلق به، ولم نسمع يومًا بأن القطعان الهمجية أو شبيحة الدولة أو مؤيديها هاجموا استديوهات تلك الأفلام، أو غزوا منازل ممثلات البورنو دفاعًا عن العلم المستخدم كألبسة داخلية من قبلهن.
وباعتبار أن الهمج في سوريا من نفس الطينة البشرية، فهذا يعني بأن تصرفاتهم الحالية ليست وليدة اللحظة ولم تأتِ من فراغ، إنما هي امتداد لما كانوا عليه من قبل، والاختلاف الوحيد هو في الحجة التي ساقوها لأنفسهم وللعلم الذي يتلحفون به، والسمة المشتركة بين أصحاب المخالب في سوريا خلال العهدين، تبرهن بأن التربية الثقافية المعبّر عنها اليوم هي امتداد لتربية الأمس، والسلوك الممارس اليوم هو عين التصرف الهمجي الذي مورس طويلًا إبان سلطة الأمس، الأمر الذي يذكرنا بمكتوب الفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري في كتابه (الهمجية) بقوله: "ليست الهمجية بداية بل هي لاحقة حالة الثقافة السابقة لها".
وبالرغم من أن المجتمع الذي تناوله هنري هو المجتمع الغربي المعاصر الذي هيمنت عليه التكنولوجيا والتطور العلمي الكبير مقابل التراجع في الإطار الثقافي والفني، أي التقدم العلمي الملحوظ الذي يقابله تقهقر إنساني واضح، إلا أن السلوك والآلية التي يستخدمها الهمجيون في أبعد نقطة من كوكبنا تشبه إلى حد كبير سلوكيات وآليات الهمج في سوريا، فحسب الدراسات العلمية أن الإنسان الهمجي يتميز بتبني العنف كوسيلة أساسية للتعبير عن الرأي، ولديه تعطش لممارسة السطوة، وينتعش في ظل الفوضى والفلتان الأمني وانتشار داء المحسوبية، والهمجي يتسم بتبعية مطلقة، مع شوق جارف لفرض رأي واحد وقمع المخالفين، وهي نفس صفات الهمجيين في سوريا قبل وبعد.
ويبقى أخطر ما في موضوع الرعاع والهمجيين من حاملي سيف السلطة، أي سلطة كانت في سوريا، هو أنه إلى الآن ما تزال الرياح التغيرية تناسب وجهة سيولهم الجارفة بكل سلاسة في أيما اتجاه كان، طالما غابت القوانين التي تقيدهم، وتعطلت معايير العدالة التي تكبل تحركاتهم، وطالما أزيلت من أمامهم كل المصدات التي تحد من مخاطرهم، وما من شرائع صارمة تحد من هوسهم الهستيري في ممارسة العدوان بحق أي إنسان أو شريحة اجتماعية كانت.
في الأخير، ومن باب التذكير، فإن الاعتداءات الهمجية من قبل مؤيدي السلطة الجديدة تستحضر المثل الشعبي "خيار وفقوس"، حيث يعلم الكثير من السوريين أن عناصر من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) الذين هم الآن عمود الدولة السورية، سبق لهم أن داسوا على العلم نفسه في محافظة إدلب أكثر من مرة، ولم يتعرض أي نفر سوري آخر في منطقة أخرى للأذى بسبب تصرفهم آنذاك، ولا تعرض أي شخص على أيدي أناس آخرين للعدوان كرد فعل لما حصل في إدلب، وهذه الازدواجية القميئة تذكرنا بما أورده الكاتب والصحفي الإسباني رفائيل سانشيث فرلوسيو وذلك عندما استهزأ بالمعيار الأخرق للعدالة عبر هذا الحوار المقتضب:
"أبتِ، لماذا إذا كان الحريق الذي تسببتُ في إشعاله بدون قصد مماثلًا تمامًا للحريق الذي تسببه أخي، عاقبتموني أنا بقسوة أكثر منه؟
يا بني لأن رائحة الشياط كانت أكبر بكثير".



#ماجد_ع_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في أزِقَّة الرقميات
- مغارة روناهي
- الشامان الكردي
- جنود الكراهية
- المقيَّد وأحلامه الحرة
- عَبدي وسِفرُ بارزاني
- في تقدير المكروهين
- الحجر على الساسة
- أوجلان يبارك قَتَلة الكرد
- مزاجية التعاطف الإعلامي
- بطانة القائد
- التلاقي المُسْتَتِر للمختلفين
- عوائق الاندماج راهناً
- القُطبُ تالي التخلّي والاستعجال
- رسائل الزعيم وأجنحة المتنورين
- السياسي والنكاية بالطهارة
- وقائع فردية لهدف جماعي
- عفرين وقوانينها الاستثنائية
- استثمار الرهينة
- مكافحة القوارض المسلحة


المزيد.....




- كيتي سبنسر تتألق بفستان من القرن الثامن عشر في موناكو
- إنذار ترامب لإيران يدخل ساعاته الأخيرة: ما خيارات واشنطن وطه ...
- العمدة الجديد لباريس إيمانويل غريغوار يتوجه إلى بلدية باريس ...
- تقرير: إسرائيل قد تواصل ضرب طهران حتى بعد وقف إطلاق النار
- إسرائيل تعلن شن هجمات على طهران ومدن أخرى واعتراض صواريخ أطل ...
- إيران تهدد بالرد بالمثل في حال تم استهداف محطاتها وشبكاتها ا ...
- تصويت عقابي في باريس ضد رشيدة داتي والماكرونية
- مهلة ترامب -بمحو- محطات الطاقة الإيرانية تنتهي بعد ساعات.. م ...
- مدير وكالة الطاقة الدولية يحذر من أن العالم قد يواجه أسوأ أز ...
- كأنه إعصار.. سكان ديمونة يروون لحظات ما بعد انفجار الصاروخ ا ...


المزيد.....

- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد ع محمد - آلية ومعايير الهمج في سوريا