ياسر محمد السليمان
الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 13:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دخلت سوريا معترك مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولي الرئيس أحمد الشرع قيادة البلاد في مرحلة انتقالية حساسة تهدف إلى إعادة بناء الدولة وتثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة العلاقات الإقليمية والدولية. وإن هذه المرحلة تحمل تحديات كبيرة، لاسيما على مستوى المناطق الحدودية ، حيث تمثل الحدود السورية مع لبنان والعراق أحد أخطر الملفات الأمنية والسياسية، بسبب وجود قوى مسلحة غير سورية ذات نفوذ وتأثير مباشر على الداخل السوري، وعلى رأسها حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي.
فالواقع الجديد في سوريا يجعل من قضية ضبط الحدود وإعادة السيادة الكاملة للدولة أحد أهم اختبارات الرئيس الشرع، لأن نجاحه في هذا الملف سيحدد مستقبل الدولة السورية، وقدرتها على الاستقرار وبناء علاقات متوازنة مع دول المنطقة ولاسيما دول الجوار.
- التحديات على الحدود السورية اللبنانية:
أ. نفوذ حزب الله داخل الأراضي السورية
منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، أدى حزب الله دورًا عسكريًا مباشرًا داخل سوريا، حيث شارك في القتال إلى جانب النظام السابق، وسيطر على مناطق استراتيجية قرب الحدود اللبنانية مثل القصير والقلمون ومناطق في ريف دمشق.
هذا الوجود أوجد واقعًا جديدًا يتمثل في:
انتشار قواعد ومخازن سلاح قرب الحدود.
سيطرة غير مباشرة على بعض المعابر.
شبكة تهريب وسلاح عابرة للحدود.
نفوذ أمني في مناطق لبنانية سورية مشتركة.
وبعد سقوط نظام الأسد، أصبح هذا الوجود تحديًا مباشرًا للحكومة الجديدة، لأن حزب الله لا يزال يمتلك بنية عسكرية وشبكة نفوذ في تلك المناطق.
التحدي الأساسي:
يتمثل التحدي في أن الحكومة السورية الجديدة تريد:
حصر السلاح بيد الدولة
ضبط الحدود
إنهاء أي وجود عسكري غير رسمي
بينما حزب الله يعدّ الحدود السورية جزءًا من عمقه الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل.
وهذا يخلق تضاربًا في المصالح.
ب. التوازن بين الصدام والتفاهم
الرئيس أحمد الشرع يواجه معضلة سياسية وأمنية معقدة:
خيار الصدام
محاولة إخراج حزب الله بالقوة
فرض سيطرة الدولة على الحدود
إغلاق خطوط الإمداد
لكن هذا الخيار قد يؤدي إلى:
صدام عسكري
تدخل إيراني غير مباشر
توتر مع لبنان
زعزعة الاستقرار الداخلي
خيار التفاهم
التنسيق الأمني
تقليص الوجود العسكري تدريجيًا
ضبط الحدود دون مواجهة مباشرة
لكن هذا الخيار قد يواجه انتقادات داخلية لأنه يُظهر ضعف الدولة.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يفرض الشرع سيادة الدولة دون إشعال حرب جديدة.
ج. ملف التهريب والسلاح والمخدرات
الحدود السورية اللبنانية كانت خلال السنوات الماضية مركزًا لتهريب:
السلاح، المخدرات الوقود، الأموال، المقاتلين
إذاً فالحكومة السورية الجديدة مطالبة بـ:
إعادة ضبط المعابر
نشر الجيش
إغلاق طرق التهريب
التعاون مع الدولة اللبنانية
لكن المشكلة أن حزب الله يملك نفوذًا قويًا في هذه المناطق، مما يجعل تنفيذ هذه الإجراءات معقدًا.
ثانياً: التحديات على الحدود السورية العراقية
أ. وجود الحشد الشعبي
الحشد الشعبي العراقي يمتلك وجودًا عسكريًا غير مباشر على الحدود السورية العراقية، خاصة في:
البوكمال
القائم
مناطق شرق سوريا
هذه المناطق تعدّ ممرًا استراتيجيًا يربط:
إيران، العراق، سوريا، لبنان
وهو ما يُعرف بالممر البري الإيراني.
التحدي
الحكومة السورية الجديدة تريد:
السيطرة على الحدود
إنهاء الميليشيات
منع التدخل الخارجي
بينما الحشد الشعبي يعدّ وجوده جزءًا من حماية المصالح الأمنية العراقية والإيرانية.
ب. الصراع على المعابر الحدودية
المعابر بين سوريا والعراق تعدّ شريانًا اقتصاديًا وأمنيًا مهمًا.
أهمها:
معبر البوكمال
معبر القائم
الطرق التجارية
التحديات هنا تشمل:
السيطرة الأمنية
منع تهريب السلاح
ضبط حركة المقاتلين
إدارة التجارة
الحكومة السورية تسعى إلى جعل المعابر تحت سيطرة الدولة بالكامل.
لكن وجود الحشد الشعبي يجعل هذا الهدف صعبًا.
ج. النفوذ الإيراني غير المباشر
أحد أكبر التحديات هو النفوذ الإيراني في المنطقة.
إيران تعدّ:
العراق عمقًا استراتيجيًا
سوريا حليفًا مهمًا
لبنان جبهة مواجهة
ومن ثَمّ فإن:
الحشد الشعبي زائد حزب الله يشكلان شبكة نفوذ إقليمية
وهذا يضع الرئيس الشرع أمام معادلة صعبة:
إما:
تقليص النفوذ الإيراني
أو الحفاظ على التوازن
وهذا يتطلب سياسة خارجية دقيقة.
ثالثاً: التحديات الأمنية المشتركة على الحدود
أ. الجماعات المسلحة
الحدود مع لبنان والعراق تحتوي على:
فصائل مسلحة
شبكات تهريب
خلايا نائمة
مجموعات متطرفة
وهذا يوجد خطرًا دائمًا على الأمن.
الحكومة السورية الجديدة مطالبة بـ:
توحيد الجيش
بناء أجهزة أمنية حديثة
تأمين الحدود
وهي مهمة صعبة بعد سنوات من الحرب.
ب. الاقتصاد والتهريب
الاقتصاد السوري يعتمد جزئيًا على التجارة الحدودية.
إغلاق الحدود بشكل كامل قد يسبب:
أزمة اقتصادية
ارتفاع الأسعار
بطالة
نقص السلع
لذلك يجب تحقيق توازن بين:
الأمن والاقتصاد.
ج. التدخلات الإقليمية
الحدود السورية ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي ساحة صراع إقليمي.
فهناك تأثير من:
إيران
تركيا
الدول العربية
الولايات المتحدة
إسرائيل
وهذا يجعل أي قرار سوري مرتبطًا بتوازنات دولية.
رابعاً: خيارات الرئيس أحمد الشرع
أ. بناء جيش وطني قوي
أهم خطوة هي:
توحيد الفصائل
بناء جيش موحد
نشر قوات على الحدود
لأن الدولة من دون جيش قوي لا تستطيع فرض السيادة.
ب. التفاهم مع العراق ولبنان
الحل الواقعي هو:
اتفاقيات أمنية
تنسيق حدودي
لجان مشتركة
ضبط المعابر
وهذا يقلل من احتمالات الصدام.
ج. التوازن مع إيران
السياسة الأكثر واقعية هي:
عدم الدخول في صدام مباشر
تقليص النفوذ تدريجيًا
بناء علاقات عربية ودولية
لخلق توازن سياسي.
خامساً: التوقعات المستقبلية
الاحتمال الأول: الاستقرار التدريجي
تفاهم مع حزب الله
تنسيق مع العراق
ضبط الحدود
دعم عربي
وهذا يؤدي إلى استقرار.
الاحتمال الثاني: صراع محدود
توتر مع الحشد الشعبي
احتكاكات مع حزب الله
تدخلات إقليمية
لكن دون حرب شاملة.
الاحتمال الثالث: صدام إقليمي
مواجهة مع حزب الله
مواجهة مع الحشد الشعبي
تدخل إيراني
وهذا أخطر احتمال.
والنتيجة هي أن التحديات التي تواجه الحكومة السورية والرئيس أحمد الشرع على الحدود مع لبنان والعراق تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على فرض سيادتها وإعادة بناء مؤسساتها.
الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، بل هي عقدة سياسية وأمنية وإقليمية تتداخل فيها مصالح قوى عديدة، مثل حزب الله والحشد الشعبي وإيران ودول المنطقة.
وإن نجاح الرئيس الشرع في إدارة هذا الملف يتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية وهي:
قوة الدولة السورية
التوازن السياسي الإقليمي
القدرة على تجنب الصدامات العسكرية
وإذا تمكن من تحقيق هذا التوازن، فقد تدخل سوريا مرحلة استقرار حقيقية، أما إذا فشل، فقد تبقى الحدود مصدر توتر دائم يهدد مستقبل الدولة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟