|
|
عناصر القوة الإيرانية
ناجح شاهين
الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 12:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يميل عالم السياسة المقارنة غريزياً إلى مقارنة المواجهة الراهنة بين إيران والقوة المهيمنة الكونية بغيرها من المواجهات والاعتداءات التي تقوم بها واشنطون على امتداد العالم منذ عبرت الأطلسي بشكل صريح سنة 1944. ولعل أبرز الحالات التي تستحق المقارنة هي حالات مثل فيتنام وكوريا، وبشكل أخص الحالة العراقية سنة 1991 وسنة 2003. من المعروف أن الولايات المتحدة لم تنجح تماماً في الحرب الكورية في خمسينيات القرن العشرين، كما أنها فشلت في عدوانها على فيتنام الذي استمر عشر سنوات. ولكن دارسي النزاعات الدولية يرون أن تلك الإخفاقات ترتبط بتوازن القوى الدولية أيام الحرب الباردة ولا تنطبق على مرحلة انفراد أمريكا في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وما رافقها من صعود هائل للقوة الأمريكية بفعل تقدم التكنولوجيا المدنية والعكسرية على نحو لا مثيل له في الثلاثين سنة الأخيرة. وقد كان نصيب العراق أن يواجه تلك القوة العاتية منفرداً ليجد نفسه عاجزاً عن الدفاع عن نفسه على الرغم من تمتعه في ذلك الوقت بقوة برية كبيرة. قياساً على ذلك كان التوقع السائد أن إيران ستنهار في غضون ساعات أو أيام قليلة على الأكثر. لكن تلك التوقعات بدأت تخفت بعد أن امتصت إيران الضربات "الناجحة" الأولى، وشرعت في القتال ورد الضربات بكفاءة عالية. فما هي يا ترى "أسرار" القوة الإيرانية؟ أولاً: رسوخ القومية الإيرانية راهن الأمريكي على أن الشعب الإيراني "سيثور" ضد حكومته "الدكتاتورية" المكروهة من الشعب المقهور والمقموع والمجوع بفعل العقوبات الأمريكية والغربية. ولكن ما حدث أن الضربة التي استشهد فيها المرشد، وكان يفترض أن تسقط النظام، تلاها مباشرة خروج الناس إلى الشوارع دعماً لدولتهم وتنديداً بالعدوان. لقد تم جرح المشاعر القومية الفارسية ناهيك عن المشاعر الدينية، ومنذ ذلك اليوم يواظب الإيرانيون على النزول إلى الشوارع تضامناً مع بلادهم ورفضاً للعدوان الأمريكي والإسرائيلي. لو كانت الضربة التي تلقتها إيران قد وجهت إلى مصر أو السعودية أو الإمارات لكانت على الأرجح قد أدت إلى خروج الناس إلى الشوارع، إذ ما الذي يربط الناس بمحمد بن زايد أو سميه ابن سلمان أو أضحوكة المصريين عبد الفتاح السيسي؟ لكن إيران ليست الإمارات ولا قطر ولا السعودية. تمتد القومية الفارسية عميقاً في التاريخ على نحو ثابت ومستقر. وليس هناك من انفصام من أي نوع في الوعي الإيراني القومي. الإيراني فارسي متأكد من هويته القومية. وهويته القومية لم يتم تصنيعها في لندن سنة 1920 بعد البحث عن اسم لدولة وشعب لا وجود له (لنتذكر اختراع أسماء مثل الأردن أو الكويت على سبيل المثال لا الحصر). لقد ظلت فارس دولة وأمة حية منذ الألف الأولى قبل الميلاد. وحتى زمن الحضارة العربية الفارسية الإسلامية لم تكن فارس إحدى مقاطعات تلك الامبراطورية كما يوهمنا التاريخ الرسمي الذي يدرس في المدارس والجامعات العربية. لقد كانت فارس قلب هذه الامبراطورية طوال الوقت تقريباً. من خراسان خرجت الجيوش التي أسقطت الدولة الأموية بقيادة أبومسلم الخراساني. وقد هيمن الفرس على تلك الدولة إلى حد بعيد. ومن خراسان مرة أخرى، ستخرج الجيوش بقيادة طاهر بن الحسين وخليفة بني العباس المأمون الذي كانت أمه فارسية وزوجته فارسية، لتحاصر بغداد وتسيطر عليها ليبدأ عهد فارسي خالص تقريباً من حيث الإدارة والحكم والسياسة والحركة الثقافية والعلمية التي تكاد تكون فارسية مئة بالمئة يشهد عليها أسماء من قبيل الفارابي وابن سينا والغزالي والطوسي وابن الهيثم وسيبويه وابن الراوندي ...الخ والقائمة تطول ولا محل هنا لاستعراضها. وإذا فكر أحدنا في تجاهل أن الخليفة كان "نصف عربي"، فإن الدولة في الواقع كانت فارسية أكثر مما هي عربية. هناك أخيراً مسألة حاسمة تتمثل في أن إيران ظلت مستقلة عندما اجتاحت القبائل التركية في طبعتها العثمانية الوطن العربي ليظل خاضعاً للاحتلال العثماني مدة أربعة قرون بالتمام والكمال. وتلك الحقبة دون شك ساهمت في تذويب الوعي العربي وتلاشيه بينما ظلت إيران تحتفظ بهويتها وانتمائها العريق. وعندما دخلت إيران زمن القوميات الحديثة لم يكن عليها أن تبذل أي جهد لفعل ذلك، في الوقت الذي ضاع في المواطن العربي بين الانتماء للخلافة التركية، والهوية الإقليمية المصنعة في لندن وباريس، والهويات المناطقية والطائفية والإثنية العديدة، لتجد فكرة القومية العربية نفسها محاصرة بألف هوية وهوية. من هنا يمكن أن نفهم صعوبة أن يكون المواطن في سوريا أو السودان أو الأردن منتمياً على أرض صلبة، ناهيك عن مواطني إمارات النفط التي ما كانت لتوجد لولا اكتشاف الوقود الإحفوري فيها. ما قلناه أعلاه يلخص الموقف على الأرجح: إيران/فارس بلاد وأمة قائمة بانتماء راسخ لا علاقة له بالخميني أو خلفائه، فهي أمة من داريوس الكبير وقمبيز وخسرو أنوشروان مروراً بأبي مسلم وطاهر بن الحسين والدولة الصفوية وصولاً إلى الشاه والخميني. هذه الأمة تتحسس فوراً للعدوان الخارجي ولا تقبل به، وهو ما اتضح في فشل الحكم اليوناني والروماني والعربي الذي لم يدم في أي وقت سوى سنوات قليلة تلاها انبعاث المقاومة حتى التحرير وإعادة الدولة/الأمة إلى الاستقلال. بالتأكيد أن "خبراء" الغرب يتوهمون أن إيران نسخة أخرى من دول "الشرق الأوسط" التي يمسكها الجيش وقوة الإكراه التي تتمتع بها الدولة. ثانياً: "الأذرع" الإيرانية لم تكن إيران منذ قيام الثورة سنة 79 دولة معزولة داخل حدودها. وإنما "صدرت" منذ البداية روح الثورة "الحسينية" باتجاه لبنان والعراق واليمن والبحرين والكويت. بل إن المسلمين الشيعة سرعان ما رأوا فيها تجسيداً للإيمان الشيعي المضطهد في بلادهم، مثلما كان الحال في العراق والسعودية على سبيل المثال لا الحصر. وقد طغى نموذج الفداء الحسيني وشعاره الشهير "هيهات منا الذلة" على فكر الحركات التي تشكلت في المنطقة برعاية إيران وعلى رأسها حزب الله. ولا بد من أن نلاحظ هنا أن هذه القوى والحركات ليست "عميلة" لإيران بالمعنى الفج للكلمة، مثلما أن أكراد سوريا مثلاً عملاء لأمريكا. كل،ا هؤلاء شركاء في عقيدة الفداء أثبتوا أنهم مستعدون للتضحية بالغالي والنفيس على طريق كربلاء الذي يمتد حتى مجيء المهدي المنتظر. ولعل من السخرية بمكان أن السعودية تتواصل حالياً مع أنصار الله بغرض إقناعهم بعدم التدخل في الصراع القائم. والحقيقة أننا نشفق على السعودية، لأن صنعاء تدخر قوتها حالياً بالفعل، وتكتفي بالمشاهدة في انتظار أن تقدم دول الخليج على فتح جبهة ما ضد إيران، فتطلق عليها صنعاء عند ذاك نيرانها من الخلف والجوار. في الصراع الدائر حالياً يشهد الجميع على الدور المميز والمؤثر الذي يؤديه حزب الله في جبهة "الشمال" التي تستهلك ثلاث فرق عسكرية اسرائيلية. ثالثاً: تملك إيران تكنولوجيا الصواريخ والمسيرات ركزت إيران، مستخلصة التجربة مما جرى للعراق وغيره، على بناء قواتها المسلحة بالاعتماد على الداخل حتى لو شمل ذلك التعاون مع "أصدقاء" من قبيل كوريا الشمالية والصين وروسيا. في نهاية التحليل تمتلك إيران فعلاً تكنولوجيا صناعة الصواريخ والمسيرات بشكل لا جدال فيه. وقد لاحظنا أن روسيا نفسها قد اعتمدت خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير على المسيرت الإيرانية من طراز "شاهد" وغيرها. رابعاً: السياسة الإيرانية الذكية وفشل أمريكا في توحيد العالم ضدها لم تتصرف إيران في أي يوم بشكل أرعن من الناحية السياسية على طريقة الراحل صدام حسين الذي خاض مغامرات عسكرية هنا وهناك دون أن يفكر فيها على نحو كاف. بالعكس يمكن للمتابع أن ينتقد إيران على "صبرها" الاستراتيجي الذي سمح للأعداء أن يستفردوا في الأعوام الأخيرة بمقاومة غزة، ثم لبنان، ثم سوريا، لينقضوا عليها بعد أن أجهزوا على "محيطها". بداهة أن الإجهاز على المقاومة اللبنانية كان وهماً، ولكن ذلك ليس موضوعنا هنا. ما يهمنا هنا هو قدرة الإيراني على بناء الصداقات والتحالفات بدءاً بالجيران عمان، وقطر، والكويت، والعراق والسعودية وسوريا البعث. وقد عمل الإيراني بتسامح ودهاء متقبلاً أن دول الخليج في حقيقتها محميات أمريكية إلى أن اضطر أخيراً إلى التصادم معها بمقدار أو بآخر. كذلك مد الإيراني علاقات الصداقة باتجاه أماكن بعيدة من قبيل أمريكا اللاتينية وعلى رأسها كوبا وفنزويلا التي اتضح أنها كانت هشة أكثر مما تخيل أي عالم سياسة في العالم. وهناك أيضاً محاولات إيران الدؤوبة لبناء تكتل إسلامي يتعالى فوق الخلاف الشيعي/السني ويشمل دولاً مؤثرة مثل تركيا وباكستان. أخيراً هناك علاقات التحالف الأكثر أهمية التي تشمل كوريا الشمالية والصين وروسيا التي زودت إيران بالكثير من عناصر التكنولوجيا التي تمتلكها. وبسبب السياسة الذكية الإيرانية فشل دونالد ترامب في حشد قوة دولية ضدها، بل إنه فشل في إقناع أوروبا أو إجبارها على مشاركته في مغامرته بما جعل حربه تفتقر إلى بريق الحرب الغنية بالمنافع التي نفذها المعتوه الآخر جورج بوش الابن. وإذا كانت فاتورة تدمير العراق قد دفعت من أموال البترودولار الخليجي، فإن هذه الدول قد تضطر هذه المرة إلى دفع فاتورة الحرب لأمريكا وفاتورة التعويضات التي تطالب بها إيران شرطاً لانتهاء الحرب. دول الخليج ستكون الأكثر تأثراً بالحرب بعد خفوت طبولها مثلما هي الآن الأكثر تأثراً بها ربما بعد إيران واسرائيل. ولكن المنطقة والعالم سيشهدان على الأرجح ولادة زمن جديد بمشاركة صينية كونية، وهيمنة ايرانية على منطقة "الشرق الأوسط". وقد أثبت الفرس دائماً أنهم لاعب جوهري في هذه المنطقة سياسياً وفكرياً واقتصادياً منذ زمن بعيد. أليسوا هم من زود العالم بالنرد والشطرنج وأمل "المخلص" الذي يولد من عذراء ويأتي في آخر الزمان ليخلص البشرية كلها؟!
#ناجح_شاهين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل نشهد نهاية الهيمنة الأمريكية؟
-
فنزويلا آخر فرائس الوحش الأمريكي
-
الحرب على فنزويلا : قراءة وتأملات
-
عطا الله حنا وزيارة البابا للبنان
-
قرار مجلس الأمن والعودة إلى دولة غزة
-
بين الفساد البنيوي والفساد العارض
-
أيان لستك والعقلانية السياسية الفلسطينية
-
أوسلو والحالة الفلسطينية الراهنة
-
الدولة وخطايا المقاومة
-
محور المقاومة يخسر المعركة الايديولوجية والإعلامية
-
المقاومة بين بؤس الواقع وبؤس التحليل
-
كيف أمكن لإسرائيل أن تمارس الإبادة وتجهر بالترانسفير؟
-
معالجة البانيز للقضية الفلسطينية
-
قراءة في العدوان الصهيوأمريكي على إيران
-
المواجهة الإيرانية مع الحلف الصهيوأطلسي: المحددات والآفاق
-
الإنسان السوي، الذي لا يفكر، وضرورة الحزب والقائد الكاريزمي
-
العيوب الاستراتيجية للنظام الأسدي
-
أوسلو، كورونا، سوريا والتلاعب بالوعي الشعبي
-
الفساد وقمع الحريات في سوريا البعث
-
مصر السيسي ونمط الإنتاج الكولونيالي
المزيد.....
-
سنتكوم تنفي إسقاط مقاتلة أمريكية من طراز إف-15 فوق إيران
-
-غرق مطار بيروت في مياه الأمطار-.. حقيقة الفيديو المتداول
-
لحظة قصف إسرائيل جسرًا حيويًا فوق نهر الليطاني في لبنان
-
إيران تهدد بغلق مضيق هرمز بالكامل حال نفذ ترامب وعيده بعد مه
...
-
الشرق الأوسط: توظيف الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتحركات المعارضة
...
-
هل دخلت الحرب في الشرق الأوسط في منعطف حاسم؟
-
بعد استهداف قاعدة دييغو غارسيا.. هل يمكن أن تكون أوروبا هدفا
...
-
كيف ستتطور الحرب بعد انقضاء مهلة 48 ساعة التي منحها ترامب لإ
...
-
مفاعل ديمونا: أقدم منشأة نووية في إسرائيل
-
ليلة الصواريخ جنوب إسرائيل.. ماذا قال النشطاء بعد استهداف مح
...
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|