أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن المشهد السياسي التركي؟















المزيد.....

ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن المشهد السياسي التركي؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من الصعب فهم مستقبل أي حكم ذي مرجعية إسلامية في سوريا من دون فهم حقيقة ثقيلة كثيرًا ما جرى تجاهلها: هذا الحكم، أو ما يحيط به من قوى وتنظيمات وشبكات نفوذ، لم ينشأ في فراغ سوري خالص، ولم يتغذَّ فقط من الداخل الاجتماعي والديني، بل عاش طويلًا في ظل مظلة إقليمية كان لتركيا الأردوغانية فيها دور محوري، مباشرًا أو غير مباشر. ولهذا فإن سؤال اختفاء أردوغان عن المشهد السياسي التركي ليس سؤالًا عن تغيير شخص فقط، بل عن احتمال اهتزاز البيئة الحاضنة كلها: بيئة التموضع، والدعم، والحماية، والشرعية، والمرونة التي أتاحت لكثير من الفاعلين الإسلاميين السوريين أن يتنفسوا ويستمروا ويعيدوا تشكيل أنفسهم.

أردوغان، مهما اختلف الناس في تقييمه، لم يكن مجرد رئيس دولة مجاورة، بل كان بالنسبة إلى أطراف واسعة من الإسلاميين السوريين رمزًا سياسيًا ومعنويًا واستراتيجيًا في آن واحد. كان يمثل نموذجًا يوهم كثيرين بإمكانية الجمع بين الإسلام والسلطة والدولة والانتخابات والنفوذ الإقليمي. وحتى حين لم تكن تركيا تقدم دعمًا مطلقًا أو بلا حدود، فإن مجرد وجود أردوغان في الحكم كان يمنح هذه التيارات شعورًا بأن هناك ظهرًا سياسيًا كبيرًا في الإقليم، وأن الباب التركي، مهما ضاق، لن يُغلق بالكامل في وجوهها. وهذا الشعور وحده كان عنصر قوة.

لكن ماذا لو اختفى أردوغان عن المشهد؟ هنا ينبغي التمييز بين أمرين: بين مصير التيار الإسلامي السوري كوجود اجتماعي وسياسي، وبين مصير الحكم الإسلامي السوري كسلطة فعلية قادرة على الاستمرار. الأول لن يختفي، أما الثاني فقد يدخل في أزمة عميقة جدًا.

التيار الإسلامي في سوريا أوسع من أردوغان وأقدم منه. له جذور اجتماعية، ومساجد، وشبكات وعظ، وذاكرة صراع، وتعبيرات متعددة من المحافظة الشعبية إلى الحركية السياسية إلى السلفية الجهادية. لذلك من السذاجة الاعتقاد أن خروج أردوغان سيؤدي تلقائيًا إلى اختفاء الإسلاميين السوريين من المشهد. لكن الشيء المختلف هو أن “الحكم” يحتاج أكثر من الجذور الاجتماعية. يحتاج إلى اقتصاد، وحدود، وشرعية خارجية، وإدارة، وتوازنات، ودعم لوجستي، وممرات حياة. وهنا يظهر الوزن التركي الحقيقي.

إذا خرج أردوغان وجاءت سلطة تركية أقل حماسة للمشروع الإسلامي الإقليمي، أو أكثر انكفاءً إلى الداخل، أو أكثر تصالحًا مع البراغماتية الباردة، فإن أول ما سيتعرض للاهتزاز هو الهامش السياسي الذي تتحرك فيه القوى الإسلامية السورية. ستصبح الأولوية التركية أقل أيديولوجية وأكثر أمنية بحتة: حدود، لاجئون، تفاهمات، تقليل الكلفة، وربما صفقات إقليمية جديدة. عندها سيفقد الحكم الإسلامي في سوريا شيئًا أساسيًا: الإحساس بأن هناك من ينظر إليه كشريك أو كامتداد سياسي محتمل، لا مجرد عبء مؤقت أو ملف يجب ضبطه.

في هذه الحالة، قد يواجه هذا الحكم واحدًا من ثلاثة مصائر.

المصير الأول هو الاحتواء والتدجين. أي أن القوى الإسلامية الحاكمة أو شبه الحاكمة في الشمال السوري مثلًا ستُدفع دفعًا إلى مزيد من البراغماتية، والتخلي عن أجزاء من خطابها الأيديولوجي، والتحول من مشروع “حكم إسلامي” إلى سلطة محلية وظيفية: تدير الأمن، وتضبط الحدود، وتمنع الفوضى، وتؤدي ما يُطلب منها، لكنها تفقد تدريجيًا أوهام السيادة والمشروع الحضاري. بعبارة أخرى، تبقى الهياكل لكن تُفرغ من روحها الأصلية. هذا احتمال قوي جدًا، بل ربما هو الاحتمال الأقرب إن بقيت الحاجة التركية إلى وكلاء محليين، لكن من دون الرغبة في منحهم عمقًا سياسيًا واسعًا.

المصير الثاني هو التشظي والانقسام الداخلي. فجزء من تماسك كثير من البنى الإسلامية المسلحة أو الحاكمة كان قائمًا على وجود سقف خارجي يفرض حدود اللعبة. وإذا اهتز هذا السقف، قد تظهر التناقضات الكامنة بقوة أكبر: بين البراغماتيين والعقائديين، بين المحليين والعابرين للحدود، بين من يريد سلطة قابلة للبقاء بأي ثمن ومن يريد نقاءً أيديولوجيًا ولو أدى إلى الانتحار السياسي. عندها قد نرى انقسامات تنظيمية وخطابية حادة، وربما عودة بعض التيارات الأكثر تشددًا للتمرد على أي مسار “تطبيعي” أو إداري. وهذا يضعف الحكم الإسلامي لا لأنه يُهزم من الخارج فقط، بل لأنه يتفكك من الداخل.

أما المصير الثالث فهو الذوبان التدريجي داخل صيغة سورية جديدة غير إسلامية صريحة. وهذا لا يعني أن الإسلاميين سيخرجون من السلطة دفعة واحدة، بل قد يندمجون مع الوقت في إدارة هجينة، أو في جسم سياسي أوسع، أو في سلطة محلية أقل أيديولوجية وأكثر “تقنية”. عندها يتحول الحكم الإسلامي إلى مرحلة انتقالية في طريق شيء آخر: محافظة اجتماعية من دون مشروع حكم إسلامي واضح، أو سلطة أمر واقع تستخدم الدين كزخرفة لا كأساس. وقد يبدو هذا لبعضهم خيانة، لكنه بالنسبة لآخرين سيكون وسيلة للبقاء.

المشكلة الكبرى أن كثيرًا من الإسلاميين السوريين قد يكتشفون، إذا غاب أردوغان، أن قوتهم كانت أقل استقلالًا مما تصوروا. كانوا يظنون أنهم يمثلون مشروعًا قائمًا بذاته، فإذا بهم يكتشفون أن جزءًا كبيرًا من قابلية حياتهم السياسية كان مستندًا إلى توازنات غير سورية: إرادة تركية، ظرف إقليمي، خوف دولي من البدائل الأسوأ، وحاجة عملية إلى من يدير الفوضى. فإذا تغيرت هذه المعادلة، انكشف الضعف البنيوي: غياب الاعتراف الواسع، هشاشة الاقتصاد، فقر المؤسسات، محدودية الجاذبية خارج البيئة الحاضنة، وعدم القدرة على إنتاج نموذج حكم يطمئن الداخل والخارج معًا.

هناك بعد آخر لا يقل أهمية: اختفاء أردوغان لا يعني بالضرورة مجيء تركيا “معادية” بالكامل للإسلاميين السوريين، لكنه قد يعني مجيء تركيا أقل صبرًا على خطابهم، وأكثر برودة في التعامل معهم. وهذه البرودة وحدها كافية لتغيير كل شيء. ففي السياسة لا تحتاج الرعاية دائمًا إلى أن تتحول إلى عداء حتى يصبح الوضع خطيرًا؛ يكفي أن تتحول إلى لا مبالاة، أو إلى إدارة ملف بلا عاطفة ولا التزام تاريخي. وهذا بالنسبة إلى حكم هش ومحاصر قد يكون قاتلًا ببطء.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في شخصنة المسألة. فحتى في حال غياب أردوغان، ستبقى لتركيا مصالح بنيوية في شمال سوريا: أمن الحدود، منع موجات لجوء جديدة، احتواء الخصوم، والحفاظ على أوراق تفاوض. لذلك لن ينهار كل شيء في يوم واحد. لكن الذي سيتغير هو طبيعة السقف السياسي، ونبرة العلاقة، وحدود التسامح مع الطموح الإسلامي السوري. أي أن الحكم الإسلامي قد لا يسقط فورًا، لكنه سيفقد كثيرًا من قدرته على الحلم، وسيُجبر أكثر فأكثر على التحول من مشروع إلى وظيفة.

النتيجة الأكثر واقعية هي أن مصير الحكم الإسلامي في سوريا، في حال اختفاء أردوغان، لن يكون غالبًا الانتصار الكامل ولا الانهيار الفوري، بل التقلص. تقلص في الخطاب، وتقلص في الطموح، وتقلص في الاستقلال، وربما تقلص في المساحة. سيبقى الإسلام حاضرًا في اللغة والرموز والشرعية المحلية، لكن “الحكم الإسلامي” كفكرة كبيرة متماسكة قد يدخل طور الأفول، أو على الأقل طور التعديل القسري.

في النهاية، تكشف هذه الفرضية مأزقًا أعمق: أي مشروع حكم لا يستطيع أن يقف على قدميه من دون راعٍ خارجي كبير هو مشروع ناقص السيادة من الأصل، مهما رفع من شعارات الاكتفاء والتمكين. وإذا كان مستقبل الحكم الإسلامي في سوريا مرتبطًا إلى هذا الحد بمصير أردوغان، فهذه ليست فقط مشكلة في تركيا، بل مشكلة في بنية هذا الحكم نفسه. لأن الحكم الذي يهتز بخروج رجل من مشهد بلد مجاور ليس حكمًا راسخًا، بل ترتيبًا مؤقتًا يعيش في ظل توازنات قابلة للانقلاب.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها


المزيد.....




- في ظل الحرب الدائرة.. هل أصبح من المرجح الآن أن تسعى إيران ل ...
- فيديو متداول بزعم -مغادرة إسرائيليين عبر البحر بسبب قصف إيرا ...
- انقطاع شامل للكهرباء في كوبا وسط أزمة وقود وضغوط دولية
- إسرائيل تقصف جسرا رئيسيا في جنوب لبنان وحزب الله يهاجم شمال ...
- الانتخابات البلدية الفرنسية-تقديرات أولية: فوز إيريك سيوتي ب ...
- كاشف أسرار ديمونة.. ما المعلومات التي سربها؟ وكيف اختُطف؟
- هل دخلت الحرب مرحلة -النووي مقابل النووي- بشكل غير مباشر؟
- ماذا سيحدث لو ضربت أمريكا محطات الكهرباء الإيرانية؟.. النشطا ...
- جاسوس القبة الحديدية بألف دولار.. حقيقة أم اختلاق إسرائيلي؟ ...
- إيران تطالب بتعويضات عن الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي لمنشآت ...


المزيد.....

- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن المشهد السياسي التركي؟