أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد التركي مترنحًا؟















المزيد.....

رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد التركي مترنحًا؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس صحيحًا أن الاقتصاد التركي يقف اليوم على حافة الانهيار الكامل، لكنه ليس صحيحًا أيضًا أنه تعافى تعافيًا مريحًا. الصورة الأدق هي أن تركيا تعيش حالة تحسن نسبي فوق أرضية هشة: التضخم تراجع مقارنة بذروته، والنمو ما زال قائمًا، والاحتياطيات والوضع الخارجي صارا أقل هشاشة مما كانا عليه في ذروة الاضطراب، لكن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن سنوات طويلة من السياسات المتناقضة، وفقدان الثقة، والاعتماد المفرط على التمويل الخارجي قصير الأجل. لهذا، فإن السؤال ليس لماذا لم ينقذ “الدعم” الأمريكي والخليجي تركيا، بل لماذا لم يكن هذا الدعم كافيًا لتحويل اقتصاد كبير ومعقد مثل الاقتصاد التركي إلى اقتصاد مستقر فعلًا. وفق تقييم صندوق النقد، انخفض التضخم من 49.4% في سبتمبر 2024 إلى 30.9% بنهاية 2025، مع نمو قُدّر بنحو 4.1% في 2025، لكن الصندوق ما زال يتحدث عن مخاطر مرتفعة وتكاليف مستمرة لعملية التصحيح.

أول ما يجب قوله هو أن كثيرًا من الكلام عن “الدعم الأمريكي” مبالغ فيه إذا فُهم بوصفه إنقاذًا مباشرًا. الولايات المتحدة شريك تجاري واستثماري مهم لتركيا، نعم؛ فقد بلغ حجم تجارة السلع بين البلدين 36.8 مليار دولار في 2025، كما بلغ الاستثمار المباشر الأمريكي في تركيا 6.6 مليارات دولار في 2024، لكن هذا لا يساوي برنامج إنقاذ مالي ولا يزيل الاختلالات البنيوية داخل الاقتصاد التركي.

أما الدعم الخليجي، فهو أكثر واقعية من حيث الودائع، والاتفاقات، والاستثمارات، وشراء الأصول، وتعزيز العلاقات التجارية. خلال 2024 و2025 استمرت الاستثمارات الخليجية في قطاعات تركية مثل الطاقة والبنية التحتية والدفاع، كما توسعت التجارة التركية مع دول الخليج، وبدأت تركيا ودول مجلس التعاون مفاوضات اتفاق تجارة حرة في 2024. لكن هذا النوع من الدعم، مهما كان مهمًا، لا يعالج وحده أمراضًا مثل التضخم المزمن، وضعف استقلالية السياسة النقدية في الماضي، وارتفاع كلفة التمويل، واختلالات الإنتاج، وتآكل الثقة.

المشكلة الأولى أن الاقتصاد التركي لم يتعب فقط من نقص المال، بل من سوء إدارة المال لسنوات. فحين تُدار السياسة النقدية بعناد أيديولوجي، وتُخفض الفائدة في بيئة تضخمية، وتُستنزف الثقة بالمؤسسات، لا يكفي لاحقًا أن تأتيك أموال من الخليج أو ترتفع تجارتك مع أمريكا حتى يهدأ كل شيء. الضرر هنا ليس مجرد فجوة سيولة، بل ضرر في المصداقية. والمصداقية في الاقتصاد لا تُشترى بسرعة، بل تُبنى ببطء وتُهدم بسرعة. حتى التقارير الإيجابية نسبيًا من IMF والبنك الدولي وOECD ما زالت تصف مسار خفض التضخم بأنه تدريجي وحساس للمخاطر، لا قصة نجاح مكتملة.

المشكلة الثانية أن ما يأتي من الخارج لا يغيّر تلقائيًا طبيعة النمو. الاقتصاد التركي نما طويلًا اعتمادًا على الائتمان السريع، والطلب المحلي، والإنشاءات، والاستدانة الخارجية. هذه الوصفة قد تعطي نموًا سريعًا، لكنها لا تبني دائمًا اقتصادًا متوازنًا وعالي الإنتاجية. وعندما تبدأ عملية التصحيح، تظهر الحقيقة المزعجة: لا يمكن الاستمرار في النمو بنفس السرعة، ولا يمكن خفض التضخم بلا ألم، ولا يمكن جذب الرساميل بشروط أفضل من دون رفع الفائدة وتشديد السياسة المالية. ولهذا يبدو الاقتصاد مترنحًا: لأنه ينتقل من نموذج سهل سياسيًا إلى نموذج أصعب وأكثر كلفة اجتماعيًا.

المشكلة الثالثة أن الدعم الخليجي نفسه له حدود. هو قادر على:

تهدئة أسواق مؤقتًا،

تحسين الاحتياطيات،

تمويل مشاريع،

وشراء وقت سياسي واقتصادي.

لكنه لا يستطيع وحده أن يغيّر:

سلوك الأسعار،

توقعات التضخم،

بنية الإنتاج،

ضعف الادخار المحلي،

أو حساسية الاقتصاد التركي للصدمات الخارجية.

بكلمات أخرى: الدعم الخارجي قد يمنع الانكسار، لكنه لا يضمن التوازن. وهذا هو الفارق الذي يغفله كثيرون.

ثم هناك المشكلة الرابعة: الاقتصاد التركي كبير ومعقّد، ويتأثر بعوامل تتجاوز حتى الدعم السياسي. تركيا مرتبطة بأوروبا تجاريًا وصناعيًا، وتتأثر بضعف الطلب في ألمانيا، وبتقلبات أسعار الطاقة، وبالبيئة التجارية العالمية، وبالمخاطر الجيوسياسية المحيطة بها. BNP Paribas، مثلًا، حذّرت في أواخر 2024 من أن تباطؤ أوروبا والمنافسة الصينية والقيود التجارية العالمية قد تختبر صلابة الاقتصاد التركي في 2025. أي أن أنقرة لا تتحرك داخل مختبر مغلق يمكن تعويضه ببضعة مليارات أو تفاهمات سياسية.

وهناك سبب خامس أكثر حساسية: ارتفاع الفائدة ضروري، لكنه مؤلم. لكي ينخفض التضخم، احتاجت تركيا إلى سياسة نقدية مشددة. لكن هذه السياسة نفسها تضغط على الاستثمار والاقتراض والطلب الداخلي، وتجعل الشركات والأسر تعيش في مناخ أصعب. لذلك يبدو المشهد متناقضًا: كلما فعلت الدولة ما يجب فعله لخفض التضخم، شعرت قطاعات واسعة أن الاقتصاد “مترنح” أو ثقيل الحركة. هذا ليس تناقضًا تركيًا فقط، بل ثمن معروف لأي تصحيح جاء متأخرًا. صندوق النقد نفسه يرى أن المسار الحالي يحقق نتائج، لكنه يحمل مخاطر وكلفة، وأن أي تراجع في الصرامة قد يبطئ الهبوط في التضخم.

كما أن جزءًا من التذبذب التركي سببه أن الأسواق لم تنسَ بسهولة. المستثمر لا ينظر فقط إلى أرقام اليوم، بل يسأل: هل ستبقى هذه السياسات قائمة؟ هل ستبقى المؤسسة النقدية مستقلة؟ هل ستعود المفاجآت السياسية؟ هل سيُقدَّم النمو القصير المدى على الاستقرار مرة أخرى؟ هذا الشك يفسر لماذا لا يتحول كل خبر إيجابي إلى ارتياح طويل الأجل. الثقة، مرة أخرى، هي جوهر المسألة.

ثم إن “الدعم” الأمريكي والخليجي ليس مجانيًا دائمًا من حيث الأثر السياسي. بعضه يشتري وقتًا، وبعضه يخلق انطباعًا بصلابة أكبر مما هو موجود فعلًا، وبعضه يخفف الضغط من دون أن يجبر السلطة على إنجاز إصلاحات أعمق بالسرعة المطلوبة. وهنا تتحول المساعدة من علاج جذري إلى مسكن فعّال: يمنع الانهيار، لكنه قد يؤجل المواجهة مع الأسئلة الأصعب، مثل إصلاح سوق العمل، وتعزيز الإنتاجية، ورفع جودة التعليم والتكنولوجيا، وتحسين استقلالية المؤسسات، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد السياسي القائم على الولاء والائتمان الرخيص.

لهذا كله، يبقى الاقتصاد التركي متمايلًا حتى وهو يتحسن. ليس لأن أمريكا والخليج لم يقدما شيئًا، بل لأن ما قُدِّم يظل أقل بكثير من حجم المشكلة البنيوية. هناك فرق بين اقتصاد يحصل على أوكسجين واقتصاد شُفي فعلًا. تركيا اليوم أقرب إلى الأول من الثاني.

الخلاصة أن الاقتصاد التركي لا يزال مترنحًا لأن الدعم الخارجي، مهما بلغ، لا يعوض:

سنوات من تآكل المصداقية،

اختلال نموذج النمو،

كلفة خفض التضخم،

الهشاشة تجاه الخارج،

وتعقيد الانتقال من اقتصاد سياسي شعبوي إلى اقتصاد أكثر انضباطًا.

قد تنجح تركيا في استكمال التصحيح، بل هناك مؤشرات على أنها قطعت شوطًا مهمًا. لكن الطريق ما زال طويلًا، والاقتصاد لن يصبح مستقرًا حقًا لمجرد أن واشنطن تتاجر معه أكثر أو أن الخليج يودع ويستثمر أكثر. الاستقرار الحقيقي لا يُستورَد؛ بل يُبنى من الداخل.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...


المزيد.....




- وزارة الدفاع الإماراتية: دفاعاتنا تعاملت مع 4 صواريخ و25 مُس ...
- مصدر إيراني لـCNN: سنقيم نظامًا جديدًا لعبور مضيق هرمز.. ماذ ...
- تحليل يثير تساؤلات.. هل تسبب صاروخ باتريوت أميركي بانفجار حي ...
- الأنشطة التي ستنظمها شبكة اللجنة من أجل إلغاء الديون غير الش ...
- ريبورتاج - لبنان: مسعفون متطوعون يواصلون العمل في النبطية وس ...
- نتنياهو: حان الوقت لانضمام قادة دول أخرى للحرب
- هجوم صاروخي إيراني: ما حجم الإصابات التي أعلنت عنها إسرائيل؟ ...
- بول شرادر يراجع مواقفه.. إسرائيل تفقد أحد أكبر داعميها في هو ...
- إيران تُحوّل عقيدتها العسكرية من الدفاع إلى الهجوم
- إسرائيل تصعّد -حرب الجسور- في لبنان فما علاقة -الرجل المجنون ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد التركي مترنحًا؟