أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟














المزيد.....

ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 16:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تعني بالضرورة نهاية الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران انبلاج فجر جديد، بقدر ما ستكون هدنة صامتة يلتقط فيها الطرفان بل وحتى العالم أنفاسه قبل حالة النسف الشامل ، فالحروب في هذه الربوع (الشرق الاوسط) لا تنتهي بتوقيع معاهدة ولا برفع علم النصر، هي تتراجع إلى الظلال متحولة من صراع الجيوش إلى صراع النفوس الباقية فوق ركام الذاكرة.

وبينما يراقب الجميع عن كثب المشهد الميداني المترامي الأطراف في الخليج وفلسطين ولبنان وسوريا والاردن والعراق، ثمة ادراك بان الواقع إزاء معادلة تاريخية معقدة تتجاوز الحسابات السياسة التقليدية لتنفذ إلى دهاليز الفلسفة الوجودية للواقع العربي المعاصر.
إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم اكثر من محاولة إعادة ترسيم للحدود السياسية، هو بمثابة تداخل جراحي كبير في الجسد الجيوسياسي دون تخدير، هو مشاريع دموية يتم حقنها في المنطقة على شكل جرعات. فالحرب الجارية بكل ما تحمله من دمار هائل ودماء قد فتحت جرحا غائرا في مفهوم الدولة نفسه. فالدولة القوية التي طالما تغنت بها النخب لم تكن سوى أسطورة تتهاوى أمام أول امتحان حقيقي لتفضح هشاشة البنية التحتية ليس للمباني والجسور والطائرات والصواريخ فحسب، وانما للمؤسسات وللقوانين الدولية والأخلاق الانسانية والهويات والانتماءات الوطنية.
من العبث الحديث عن عيد قادم في ما بعد الحرب لأن الحروب حين تنتهي في الشرق الأوسط لا تترك فائزا ومهزوما بمفهومهما الكلاسيكي، بل تصنع مشهدا دراميا الكل خاسر، والرابح الوحيد هو الموت والدمار الذي يربح كل رهاناته. ثم سرعان ما تتحول الحرب وخطاباتها إلى سقف عال لا يستطيع أحد تجاوزه ليصبح الانتقام تبرير لكل الأخطاء المقبلة وكل الاستبدادات القادمة باسم المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق تتبدى الحقيقة المرة المتمثلة في أن ما بعد الحرب لا يعني بالضرورة البناء، ففي كثير من الأحيان تطغى الهيمنة والاحقاد والنتقام والجهوزية لجولة جديدة من العراك الدموي، فالمشرق العربي وربما العالم اجمع مقبل على حقبة أشبه بتلك التي وصفها الفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر في كتابه الشهير "انحطاط الغرب"، حيث يسود القانون الغابي، وتصبح القوة هي المعيار الوحيد للحق وتغدو الدبلوماسية مجرد غطاء لتقاسم النفوذ على جثث المدن المهدمة. ومع تراجع نفوذ هذل الطرف، وصعود هيمنة ذاك الطرف إقليميا ودوليا، يجد الإنسان العربي نفسه محاصرا بين املاءات "المنتصر" او انتظار انتقام "المهزوم" بعد حين.

قراءة المشهد القادم تفرض التخلي عن نظرة السطحية السياسية التي تتوقع تدخلا خارجيا منقذا أو قمة عربية طارئة تضع الامور في نصابها، فالعالم اليوم منشغل بإعادة بناء نظامه الخاص، والشرق الأوسط بالنسبة له ليس سوى حوض صرف صحي يجب تأمين حدوده لمنع الفيضان. وإذا كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس قد قال يوماً: ان الحرب هي أصل كل شيء، ففي الشرق المكلوم يمكن القول إن الحرب هي نهاية كل شيء وبداية لحقبة من الوحشية المقنعة بمساحيق الديمقراطية أو المقاومة، وهي حقبة لا مكان فيها للحالمين، هي فقط للمنتفعين الذين يقتاتون على أوجاع النكبة، عازفين على وتر الطائفة والمذهب والقبلية ليضمنوا بقاءهم في مواقعهم المحاطة بأسوار من الخوف والريبة.

إن "عالم ما بعد الحرب" سيكون صحراء قاحلة تتناثر فيها الواحات فقط لمن يملك ثمن الدخول، عالم يتطلب نزع أقنعة الأمل الزائف والنظر بوضوح وجرأة ، فلا خلاص دون الاعتراف بان العرب محاصرين باطماع وشهية شرسة لا تعرف الاشباع، فيما العرب ما زالوا محشورين داخل متاهات بالية رثة صنعوها بانفسهم، وما الحروب ليست سوى انعكاس لفشل حكومات العرب في تحويل الذات العربية من كائن متعصب ورجعي، إلى انسان مدني يؤمن بالعقلانية الضامنة لحد أدنى من التعايش والمواطنة والصانعة لواقع عربي محصن ومجهز بالمخرجات الحضارية الراهنة ومشارك فاعل في صناعتها.

دكتور محمد وهاب عبود - باحث وأكاديمي



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد
- القابضون على الذكاء الاصطناعي
- شيطنة فنزويلا
- جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
- البودكاست وثقافة الثرثرة
- سلطة النهب
- ال -ترند- والانجراف الجمعي
- فرنسا القديمة وكاليدونيا الجديدة
- الأجيال وجدل الأفضلية المزمن
- كورونا العادل في زمن الظلم
- كورونا_من زاوية اخرى
- قوى الامن في مستنقع السياسة
- حب رقمي
- سلاح ألمعرفة ألمضادة
- كيف خدعونا ؟
- كيف خدعونا ؟؟
- ها هم السياسيون


المزيد.....




- عناقٌ حقيقي بعدما تخلت أمه عنه.. شاهد -بانش- القرد يجد الدفء ...
- -اهتزت الأرض-.. ما حقيقة فيديو -التجربة النووية في إيران-؟
- ما هي الجزر الصغيرة في الخليج التي قد تكون هدفًا لهجمات ترام ...
- دول أوروبية تتخذ إجراءات مستعجلة لمواجهة تداعيات حرب الشرق ا ...
- القلق: هل هو رسالة من العقل أم من الجسد؟
- ريبورتاج: أوضاع إنسانية صعبة بالنبطية جنوب لبنان بسبب الحرب ...
- بوتين: موسكو لا تزال صديقا وفيا وشريكا موثوقا لإيران
- 20 مصابا في منطقة ديمونة جنوب إسرائيل جراء هجوم صاروخي إيران ...
- حرب إيران.. نهاية قريبة أم منعطف خطير للصراع؟
- من وراء الكواليس.. كيف يدير روته ضغوط ترامب على الناتو؟


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟