أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بولرباح - كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني بين الرواية والواقع.














المزيد.....

كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني بين الرواية والواقع.


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 13:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في يناير من سنة 2010، وفي قراءة لي لرواية الطريق للروائي الأمريكي كورماك مكارثي، سبق نشرها آنئذ بالحوار المتمدن وبهسبريس، طرحت سؤالا بدا حينها أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى القلق الوجودي المباشر: كيف يمكن حماية الإنسان من نفسه؟ هل تكفي الدولة والقوانين لضمان إنسانيته؟ وهل يمكن الاطمئنان إلى مستقبل الإنسان إن لم نوفر له شروطا تحول دون انزلاقه نحو التجرد من إنسانيته؟
رواية الطريق، التي صورت عالما ما بعد كارثة شاملة، لم تكن فقط خيالا أدبيا، بل كانت بمثابة مختبر أخلاقي يكشف ما يمكن أن يصير إليه الإنسان حين تنهار البنى التي تضبط سلوكه. في ذلك العالم الرمادي، حين يختفي القانون وتضمحل الدولة، يتعرى الإنسان من أقنعته الحضارية، وتظهر فيه نزعات بدائية، قاسية، بل مفزعة. هناك، لا يعود السؤال عن الخير والشر نظريا، بل يصبح مسألة بقاء، من عدمه.
غير أن ما كان يقرأ يومها باعتباره احتمالا روائيا، أصبح اليوم يشاهد على المباشر في أكثر من بقعة من العالم(غزة أبشع مثال). في الحروب والنزاعات المعاصرة، حيث تنهار القيم أمام منطق القوة، نرى الإنسان يفقد بوصلته الأخلاقية، لا بوصفه فردا معزولا، بل أحيانا ضمن منظومات سياسية وعسكرية تبرر العنف أو تعيد تعريفه. هنا، لا يتعلق الأمر بانحراف فردي، بل بإمكانية جماعية للتجرد من الإنسانية.
هذا التحول يعيد طرح السؤال الجوهري: هل القوانين كافية لحماية الإنسان؟ الجواب، كما توحي به التجارب، هو أن القوانين ضرورية لكنها غير كافية. فهي، في أفضل الأحوال، تنظم السلوك وتضع حدودا له، لكنها تظل رهينة بوجود سلطة قادرة على فرضها، وبإرادة سياسية تحترمها. أما حين تنهار الدولة أو المؤسسات الدولية، أو تنخرها التناقضات، فإن القانون يتحول إلى نص بلا قوة، وتترك النفس البشرية لمخزونها العميق، بما يحمله من تناقضات.
لكن هذا التحليل يظل ناقصا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار بنية النظام الاقتصادي ذاته. فداخل نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر، كما حلله كارل ماركس، لا يتحرك الفاعلون فقط بدوافع أخلاقية أو قانونية، بل بمنطق الربح والتراكم. في كتابه رأس المال، بين ماركس أن ما سماه "التراكم البدائي" للرأسمال، الذي تميز بكل أصناف العنف والبطش بالضعفاء وبالاستحواذ بالقوة على الموارد الطبيعية ووسائل الإنتاج، لم يكن مجرد لحظة تاريخية عابرة، بل منطقا يتجدد كلما دخل النظام في أزمة. في مثل هذه اللحظات، تعاد صياغة الأولويات: يصبح الحفاظ على دورة التراكم شرطا أعلى من الحفاظ على القيم، ويختزل الإنسان إلى مورد أو رقم ضمن معادلة اقتصادية.
هكذا، حين تشتد الأزمات، لا يتردد النظام الرأسمالي في التضحية بالفئات الأضعف، أو في تبرير أشكال من العنف الاقتصادي والاجتماعي، بل وحتى الحروب، باعتبارها وسائل لإعادة التوازن. وقد كان العالم مسرحا لحربين عالميتين لهذا السبب بالأساس. ورغم ما يبدو عليه النظام الرأسمالي من إمساكه بناصية قيم الحداثة، فإنه لا يتردد في حالات الازمات، خدمة لمصالحه، من توظيف مسوغات العنف العتيقة، مثل الدين والنعرات القبلية أو العرقية. في كل ذلك لا يقوم النظام الرأسمالي، في حقيقة الأمر، إلا بتصدير مسرح ما يعتمل بدواخله من حروب متواصلة، مستترة أو مكشوفة، بين مكوناته الإنتاجية أو التجارية أو المضارباتية، ومراكز النفوذ الاقتصادي، خارج المنظومة، عندما يستعصي عليها وحدها فك خيوط الأزمة. هنا، لا يعود فقدان الإنسان لإنسانيته مجرد انحراف فردي، بل يصبح مدمجا في بنية موضوعية تدفع نحو نزع الطابع الإنساني عن العلاقات.
من هذا المنظور، فإن سؤال "كيف نحمي الإنسان من نفسه؟" لا يمكن فصله عن سؤال: كيف نحمي الإنسان من الشروط التي تدفعه إلى التخلي عن إنسانيته؟
الفلسفة، من جهتها، قدمت أجوبة متعددة لهذا الإشكال. رأى توماس هوبز أن الإنسان، في حالته الطبيعية، ميال إلى الصراع، وأن الحماية لا تتحقق إلا عبر سلطة قوية تفرض النظام وتمنع الانفلات. في المقابل، اعتبر جان جاك روسو أن الإنسان في أصله خير، وأن المجتمع -بما فيه من تفاوتات وظلم-هو الذي يفسده، ما يعني أن الإصلاح يمر عبر إعادة بناء شروط العدالة.
أما إيمانويل كانط، فقد ربط المسألة بفكرة الواجب الأخلاقي، حيث لا ينبغي للإنسان أن يعامل غيره كوسيلة، بل كغاية في ذاته. في هذا التصور، الحماية الحقيقية تنبع من التزام داخلي بمبدأ كوني. بينما ذهبت حنة آرندت إلى تحليل ما سمته "تفاهة الشر"، مبينة أن أخطر أشكال العنف لا تصدر دائما عن وحوش، بل عن أفراد عاديين يتخلون عن التفكير النقدي ويذوبون في الأنظمة.
تتباين هذه التصورات، لكنها تلتقي في نقطة أساسية: لا توجد ضمانة واحدة كافية. فالدولة قد تتحول إلى أداة قمع، والمجتمع قد ينتج اللامساواة، والاقتصاد قد يدفع نحو التشييء، وحتى الفرد قد يخون مبادئه تحت الضغط.
من هنا، تبدو الحماية الحقيقية مركبة: هي قانون يضع حدودا، لكنها أيضا تربية تبني الضمير، وثقافة تعزز التعاطف، ونظام اقتصادي يضع الإنسان في مركزه لا في هامشه، ووعي فردي يقاوم الانزلاق حتى في أحلك الظروف.
في النهاية، لا يمكن اعتبار الإنسانية مكسبا نهائيا. إنها مشروع هش، يبنى باستمرار، ويتعرض دائما لخطر التراجع. لكن وجود هذا الخطر ذاته هو ما يجعل من التمسك بها فعلا واعيا، لا مجرد حالة تلقائية.
إن السؤال ليس فقط: كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ بل أيضا: كيف نعيد بناء الشروط التي تجعل من إنسانيته خيارا ممكنا، لا استثناء نادرا؟ ما السبيل إلى تملك الانسان لمشروعه الإنساني؟
ربما لا نملك جوابا نهائيا، لكننا نملك وعيا متزايدا بأن الإنسان، لكي يبقى إنسانا، يحتاج إلى أكثر من القوانين: يحتاج إلى عالم لا يدفعه، في كل أزمة، إلى أن يفقد ذاته.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا
- مسارج القلوب
- رحلة خوف أطول من الطريق
- اهازيج حقل العدس
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية
- بين المعين والصدأ


المزيد.....




- الجيش الإسرائيلي يؤكد تعرض ديمونا لضربة صاروخية إيرانية
- بديل للخليج؟.. الجزائر وليبيا في سباق تعويض إمدادات الطاقة
- تعرف على سيناريوهات التدخل البري للسيطرة على اليورانيوم في أ ...
- عاجل | أكسيوس عن مسؤول أمريكي ومصدر مطلع: إدارة ترمب تناقش ب ...
- ابن سلمان والسيسي: الهجمات الإيرانية على الخليج تصعيد خطير ي ...
- سقوط صاروخ إيراني على مبنى في مدينة ديمونا جنوبي إسرائيل
- تقرير إسرائيلي: الحرس الثوري الإيراني جهّز حزب الله للحرب.. ...
- واشنطن تطرح على حماس مقترحًا مكتوبًا جديدًا: نزع السلاح مقاب ...
- الحرب في الشرق الأوسط.. أوروبا على مشارف أزمة طاقة أية انعكا ...
- قاض أمريكي يلغي قيود البنتاغون على الصحافة ويأمر بإعادة اعتم ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بولرباح - كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني بين الرواية والواقع.