|
|
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 21:43
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لحظة تاريخية فارقة
لم تكن الضربات الجوية التي هزت طهران ، في صبيحة يوم السبت الثامن والعشرين من شباط 2026، مجرد عملية عسكرية أخرى في صراع طويل. كانت تلك اللحظة التي انكشف فيها الوجه الحقيقي للنظام العالمي، وبدأت ساعة الحقيقة تدق ليس فقط لإيران، بل لكل المنطقة وللعالم بأسره.
ما نشهده اليوم ليس حرباً تقليدية بين دولتين، بل هو الانهيار الكبير لبنية الهيمنة التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. في هذه الدراسة سنتناول، كيف أن إغلاق مضيق هرمز، وانهيار أسواق دبي العقارية، وهروب المستثمرين من الرياض، وتحول قواعد أمريكا العسكرية إلى أهداف ثابتة، كلها ليست مجرد أخبار عابرة، بل هي علامات على ولادة نظام عالمي جديد.
تفكيك أصنام الإمبراطورية الأمريكية - من يمسك بخيوط اللعبة؟
١.١ الإمبراطورية لا تحكم بالجيوش فقط
لطالما قيل إن أمريكا تحكم العالم بقواعدها العسكرية الـ٨٠٠ المنتشرة في كل قارة. لكن الحقيقة الأعمق هي أن الإمبراطورية تحكم عبر شبكة معقدة من المصالح المالية واللوبيات السياسية والأجهزة الاستخباراتية.
في زاوية مظلمة من هذه الشبكة، نجد شخصيات مثل جاريد كوشنر، الذي جمع من صندوق الاستثمارات العامة السعودي وحده ٢ مليار دولار لصندوقه الاستثماري، بينما كان في نفس الوقت يمارس ضغوطاً على الرئيس ترامب لشن الحرب على إيران. هذه ليست مصادفة، بل هي بنية نظامية تسمح بتداخل المصالح الخاصة مع القرارات السيادية.
وفي زاوية أخرى، يكشف ملف جيفري إبستين عن آلية أكثر قتامة: شبكة ابتزاز جنسي استُخدمت لسنوات لضمان ولاء النخب، من سياسيين ورجال أعمال وحتى ملوك وأمراء. هذه الآلية ليست هامشية في الإمبراطورية، بل هي أحد أعمدةها الخفية التي تضمن أن يظل الجميع في الطابور.
١.٢ اللوبي الإسرائيلي: أيباك وغيره
لا يمكن فهم قرارات واشنطن في الشرق الأوسط دون فهم قوة لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك). هذه المنظمة التي تنفق مئات الملايين من الدولارات على الحملات الانتخابية، وتسيطر على مفاتيح التمويل لأعضاء الكونغرس، تمكنت على مدى عقود من تحويل سياسة أمريكا الخارجية لتصبح في خدمة مصالح إسرائيل، حتى عندما تتعارض مع مصالح أمريكا ذاتها.
شهادة المسؤول السابق عن مكافحة الإرهاب في إدارة ترامب، جو كينت، كانت صادمة حين قال: "إيران لم تشكل أي تهديد وشيك لأمتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغط من إسرائيل ولوبيها الأمريكي القوي". رجل كان يطلع على أعلى المستويات الاستخباراتية يقول إن الحرب التي أشعلت المنطقة كانت كذبة كبرى.
مفارقات التاريخ - عندما تكون المفاوضات مقدمة للاغتيال
٢.١ القادة الذين اغتيلوا على طاولة الحوار
في ٢٨ شباط ٢٠٢٦، استيقظ العالم على خبر سقوط الصف الأول من القيادة الإيرانية في غارات جوية وصاروخية وصفتها الصحافة الإسرائيلية بأنها "عملية خداعية بالغة الدقة". كانت القائمة طويلة ومرعبة:
· آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية · عزيز نصير زاده، وزير الدفاع · محمد باكبور، القائد العام للحرس الثوري · علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للدفاع · عبد الرحيم موسوي، رئيس أركان القوات المسلحة · محمد شيرازي، رئيس المكتب العسكري للمرشد
لكن المفارقة الأقسى: قبل أيام قليلة من هذه الاغتيالات، كانت الجولة الأخيرة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة قد انتهت. كان المسؤولون الإيرانيون، وفي مقدمتهم شمخاني ولاريجاني (الذي اغتيل لاحقاً)، يعلنون أن الاتفاق النووي "يمكن التوصل إليه سريعاً" إذا التزمت واشنطن بالشروط الإيرانية.
هذه ليست حرباً تقليدية. هذا هو استخدام طاولة المفاوضات كغطاء استخباراتي للاغتيال. هذه سابقة خطيرة تعيد تعريف مفهوم الدبلوماسية نفسها.
٢.٢ القانون الدولي: جثة هامدة
هذه الأحداث تطرح السؤال الأخلاقي والقانوني الأعمق: أين القانون الدولي من كل هذا؟
الحقيقة المرة هي أن القانون الدولي، كما صيغ بعد الحرب العالمية الثانية، لم يُصمم لمساءلة الأقوياء. محكمة العدل الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت، لكن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة، وأمريكا تهدد القضاة وتفرض عليهم عقوبات.
أما دول الخليج التي سمحت باستخدام أراضيها لشن العدوان (السعودية والإمارات والبحرين وقطر والأردن وتركيا)، فقد يكون موقفها القانوني حرجاً، لكن من يملك القدرة على مساءلتها؟ عندما تكون الإمبراطورية نفسها هي المتهم والمحامي والقاضي، يصبح القانون مجرد أداة أخرى في يد الأقوى.
مضيق هرمز - شريان الاقتصاد العالمي وسيف المقاومة
٣.١ لماذا هذا المضيق بالذات؟
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق. هو الشريان الذي يضخ الحياة في الاقتصاد العالمي. عبره يمر قرابة ٢٠ مليون برميل نفط يومياً، أي حوالي ثلث إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم. هذا يعني أن إغلاقه، حتى جزئياً، يرسل موجات صادمة إلى كل ركن في الكوكب.
عندما أغلقت إيران المضيق رداً على العدوان، لم تكن تقوم بعمل عسكري فحسب، بل كانت توجه ضربة وجودية للاقتصاد العالمي ولدول الخليج التي تعتمد على هذا الممر لتصدير نفطها.
٣.٢ التأثيرات المباشرة: دبي تتفكك أمام الأعين
ما حدث في دبي خلال الأسابيع الأولى من الحرب هو درس في هشاشة "النماذج الاقتصادية الوهمية". هذه المدينة التي كانت تُباع للعالم كحلم استثماري لا يقهر، تحولت بسرعة إلى مدينة أشباح:
· مؤشر دبي العقاري انخفض بنسبة ٣١.٨٪ خلال أسبوعين فقط · صفقات تسجيل العقارات اليومية انهارت من ٨٠٠ صفقة إلى ٢٣ صفقة فقط، أي انخفاض بنسبة ٩٧٪ · إشغال الفنادق الفاخرة تراجع من ٩٠٪ إلى أقل من ١٩٪ · مطار دبي الدولي، أكثر مطارات العالم ازدحاماً، شهد توقفاً شبه كامل لحركة الطيران · مقاطع مصورة لشواطئ جميرا تظهرها "شبه خالية" تماماً
شاهد عيان من عمال السياحة قال عبارة تختصر المشهد: "أمس: صفر. اليوم: صفر. لم أر دبي هكذا قط". هذه ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي المرحلة الأولى من انهيار أوسع.
٣.٣ السعودية: الصدمة التالية
السعودية، بحجمها الجغرافي واحتياطياتها النفطية الضخمة، تبدو أكثر قدرة على الصمود من دبي. لكن الواقع مختلف. استهداف منشآتها النفطية في شيبعة ورأس تنورة (أكبر مصفاة في العالم) أدى إلى تعطيل جزئي للإنتاج. توقعات بنك غولدمان ساكس تشير إلى أن استمرار إغلاق هرمز لشهرين قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بنسبة ٣٪. هذا الرقم قد لا يبدو كبيراً، لكنه يمثل أكبر صدمة اقتصادية للسعودية منذ جائحة ٢٠٢٠.
الأخطر من ذلك هو تأثير الحرب على "رؤية ٢٠٣٠"، المشروع الطموح لولي العهد محمد بن سلمان. إذا توقفت مشاريع نيوم العملاقة، وإذا هرب المستثمرون الأجانب، وإذا انهارت الثقة في قدرة الرياض على توفير الأمان، فإن مشروعاً سياسياً كاملاً ينهار معها.
وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قال تصريحات خطيرة: "الثقة بإيران انهارت تماماً... صبرنا ليس بلا حدود. سواء تبقى لإيران أيام أو أسابيع، لن نكشف عن خطتنا". لكن السؤال الأعمق: ماذا لو كانت إيران هي من تملك الوقت؟
استراتيجية الصمود - كيف تواجه إنساناً يمتلك الوقت؟
٤.١ معادلة الردع الجديدة
إيران تدرك أنها لا تستطيع مواجهة الجيش الأمريكي في معركة تقليدية. لكنها تمتلك شيئاً آخر: القدرة على رفع كلفة الاحتلال العسكري الأمريكي للمنطقة إلى درجة لا تطاق.
تقديرات استخباراتية أمريكية تعترف بأن إيران لا تزال تمتلك ٥٠٪ إلى ٧٠٪ من قدراتها الصاروخية بعد شهر من الحرب. هذا يعني أنها قادرة على مواصلة الضربات لشهور. كل صاروخ يضرب قاعدة أمريكية أو سفينة حربية أو منشأة نفطية خليجية هو رسالة واضحة: "وجودكم في المنطقة لن يكون آمناً بعد اليوم".
الخسائر الموثقة حتى الآن تقول الكثير:
· تدمير ١١ طائرة مسيرة MQ-9 Reaper (بتكلفة ٣٣٠ مليون دولار) · تدمير رادار منظومة "ثاد" في الأردن (بقيمة ٣٠٠ مليون دولار) · استهداف ١٨ سفينة أمريكية · مقتل ٨ جنود أمريكيين وإصابة ١٤٠١٥٠ آخرين
٤.٢ إغلاق هرمز: ورقة الضغط الأكبر
لكن الورقة الأقوى في يد إيران هي القدرة على إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. هذا الإغلاق لا يؤثر فقط على إيران، بل يؤثر على:
· دول الخليج التي تعتمد على المضيق لتصدير نفطها · أوروبا واليابان والصين التي تعتمد على نفط الخليج · الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أصلاً من التضخم وارتفاع الأسعار
خبراء اقتصاديون يحذرون من أن استمرار الإغلاق لأسابيع إضافية سيدفع البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى ركود تضخمي حاد يعيد للأذهان أزمة السبعينات. وكالة "فيتش" للتصنيف المالي تقدر أن استقرار أسعار النفط عند ١٠٠ دولار سيخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة ٠.٤٪، ويضيف ما بين ١.٢ و١.٥ نقطة مئوية إلى التضخم في أمريكا وأوروبا.
٤.٣ العامل الأهم: الوقت
هذا يقودنا إلى النقطة الأكثر حسماً في هذه المعركة: الوقت.
· أمريكا ودول الخليج تخوض حرب استنزاف سريعة: اقتصادها يعتمد على الاستهلاك والثقة والاستثمار الأجنبي. كل يوم يمر مع استمرار إغلاق هرمز هو خسارة بمليارات الدولار، وكل يوم يمر مع استمرار الهجمات الصاروخية هو ضربة لصورة "القوة العظمى" التي لا تُقهر. · إيران تخوض حرب صمود طويلة: شعبها اعتاد الحصار والعقوبات، واقتصادها يعتمد على الاكتفاء الذاتي والمقاومة. كل يوم يمر مع استمرار الحرب هو دليل على قدرتها على فرض إرادتها على أقوى دولة في العالم.
هذا هو جوهر المعركة: من يملك القدرة على الصمود لفترة أطول؟
انهيار "محميات الخليج" - بين الضرورة التاريخية والإرادة السياسية
٥.١ مفهوم "المحميات" في الفكر النقدي
في التحليل العميق للبنية السياسية في المنطقة العربية، نجد أن دول الخليج لم تكن يوماً "دولاً مستقلة" بالمعنى الكامل للكلمة. هي محميات بكل ما تحمله الكلمة من معنى: تعتمد على القوى الخارجية (أمريكا) لحماية أمنها، وتصدر لها النفط بأسعار "صديقة"، وتستورد منها السلاح والغذاء والتكنولوجيا، بل وحتى النموذج الحضاري.
هذه البنية لم تكن وليدة الصدفة. هي نتاج نظام استعماري طويل أعاد إنتاج نفسه بعد الاستقلال الرسمي. فبعد أن رحل الجندي البريطاني، حلت مكانه شركات النفط، ثم القواعد العسكرية الأمريكية، ثم عقود التسليح بمليارات الدولارات.
٥.٢ لماذا تنهار "المحميات" الآن؟
ثلاثة عوامل تتضافر اليوم لدفع هذه الأنظمة نحو الانهيار:
أولاً: انكشاف زيف "المظلة الأمنية الأمريكية" دول الخليف أنفقت تريليونات الدولارات على التسليح والتحالفات مع أمريكا. لكن عندما جاءت الحرب، كانت المفاجأة:
· أمريكا لم تستشرها قبل شن الحرب · الدفاعات الجوية الأمريكية نُقلت من الخليج إلى إسرائيل لحماية تل أبيب · القواعد الأمريكية في أراضيها أصبحت "أهدافاً ثابتة" للمقاومة، وليس "دروعاً واقية"
العبارة التي أطلقها خبير كويتي لاقت رواجاً واسعاً لأنها صادقة: "نحن نحمي أمريكا، وليس العكس".
ثانياً: انهيار النموذج الاقتصادي الوهمي دبي كانت المختبر الأوضح لهذا النموذج: مدينة تبني رفاهيتها على رمال متحركة من الاستثمار الأجنبي والسياحة والعقارات. عندما اهتزت الثقة، انهار كل شيء في أسابيع. انخفاض ٩٧٪ في صفقات العقارات ليس مجرد ركود، هو موت سريري لاقتصاد بكامله.
السعودية مختلفة قليلاً، لكن "رؤية ٢٠٣٠" كانت مشروعاً طموحاً لتحويل الاقتصاد من الاعتماد على النفط إلى الاستثمار والصناعة. استمرار الحرب يعني موت هذه الرؤية قبل ولادتها.
ثالثاً: الغضب الشعبي الصامت المواطن الخليجي بدأ يسأل أسئلة خطيرة: لماذا ندفع ثمن حروب لا نريدها؟ لماذا نخسر استثماراتنا ونفقد وظائفنا من أجل صراع إقليمي ليس لنا فيه مصلحة حقيقية؟ لماذا نحمي أمريكا بينما أمريكا تحمي إسرائيل على حسابنا؟
هذه الأسئلة قد لا تتحول اليوم إلى انتفاضات شعبية، لكنها تتراكم في الوعي الجمعي، وتخلق شرخاً عميقاً بين النظام والشعب. عندما تبدأ الأحلام الاقتصادية في الانهيار، وعندما يختفي الأمان الوظيفي، وعندما يرتفع سعر الخبز واللحوم، فإن الشرعية السياسية تتآكل بسرعة.
٥.٣ كم تحتاج "المحميات" لتنهار؟
بناء على التحليلات الاقتصادية والسياسية، يمكن تقدير الجدول الزمني التالي:
· شهر واحد (المرحلة الحالية): انهيار اقتصادي جزئي في الإمارات وقطر والبحرين. دبي تتحول إلى مدينة أشباح. الكويت تعاني من ارتفاع حاد في الأسعار. · ٣ أشهر: انهيار "رؤية ٢٠٣٠" في السعودية، هروب الاستثمارات الأجنبية، بداية ضغوط شعبية على الأنظمة. · ٦ أشهر: احتمال انهيار سياسي في بعض دول الخليج (البحرين أولاً) أو تحول جذري في تحالفاتها الإقليمية (التوجه نحو الصين وروسيا والتفاوض مع إيران).
هذه تقديرات تقريبية بالطبع. العامل الحاسم هو قدرة إيران على الصمود. إذا استمرت الحرب لأشهر، فإن الضغط على هذه الأنظمة سيزداد بشكل تراكمي حتى تصل إلى نقطة اللاعودة.
تفكك الكيان الصهيوني - هل هو ممكن؟
٦.١ الأوهام الإسرائيلية في مواجهة الواقع
تصريحات الصحفي الإسرائيلي الذي حذر من أن استمرار إغلاق هرمز قد يؤدي إلى "تفكك الكيان" ليست مجرد تهويل إعلامي. هناك عوامل موضوعية تجعل إسرائيل في وضع هش:
أولاً: الاعتماد على الدعم الأمريكي إسرائيل تعتمد بشكل وجودي على الدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي والسياسي. إذا انهار الاقتصاد الأمريكي (أو حتى تراجع بشكل كبير)، فإن قدرة أمريكا على دعم إسرائيل تتراجع أيضاً. وإذا تراجع الدعم الأمريكي، تصبح إسرائيل وحيدة في مواجهة محور مقاومة يمتد من إيران إلى لبنان إلى فلسطين.
ثانياً: الجبهة الداخلية استهداف إسرائيل لمنشآت الطاقة الإيرانية دفع إيران لاستهداف البنية التحتية الإسرائيلية. محطة تكرير النفط في حيفا التي استهدفت هي مثال على أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية باتت في مرمى النار. والمجتمع الإسرائيلي، رغم تماسكه الظاهر، يعاني من انقسامات داخلية عميقة (دينية-علمانية، شرقي-غربي) قد تتفجر تحت ضغط حرب استنزاف طويلة.
ثالثاً: العزلة الدولية المتزايدة مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو وغالانت، رغم ضعفها التنفيذي، تمثل وصمة عار قانونية تجعل أي سفر لمسؤولي إسرائيل إلى الدول الأوروبية محفوفاً بالمخاطر. مع مرور الوقت، قد تتحول هذه العزلة إلى عامل ضغط حقيقي.
٦.٢ سيناريوهات التفكك
التفكك لا يعني بالضرورة "الزوال" بين ليلة وضحاها. قد يأخذ أشكالاً متعددة:
· انهيار داخلي: هجرة عكسية واسعة، انهيار اقتصادي، حرب أهلية بين المكونات المختلفة. · تحول سياسي: تغيير جذري في طبيعة النظام، ربما نحو "دولة واحدة لكل مواطنيها" (حل الدولتين عملياً). · تراجع استراتيجي: انسحاب من مناطق معينة، قبول بحلول سياسية كانت مرفوضة سابقاً.
المهم أن ندرك أن تفكك الكيان ليس مستحيلاً. هو مرهون بقدرة محور المقاومة على الصمود، وقدرته على تحويل الضغط العسكري إلى إنجاز سياسي.
العدالة الدولية - حلم أم إمكانية واقعية؟
٧.١ ما هو ممكن قانونياً؟
الحديث عن "محاكمة ترامب ونتنياهو وكوشنر" ليس حلماً بعيد المنال. هناك آليات قانونية قائمة يمكن تفعيلها:
· المحكمة الجنائية الدولية: أصدرت بالفعل مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت. كل الدول الـ ١٢٤ الأعضاء في المحكمة ملزمة باعتقالهما إذا دخلا أراضيها. · محكمة العدل الدولية: يمكنها النظر في مسؤولية الدول عن أعمالها (مثل مسؤولية الإمارات والبحرين عن السماح باستخدام أراضيهما في العدوان). · محاكم وطنية في أوروبا: يمكن لعائلات الضحايا رفع دعاوى قضائية في دول مثل ألمانيا أو فرنسا التي تتبنى "الولاية القضائية العالمية" على جرائم الحرب.
٧.٢ العقبات الكبرى
لكن الطريق إلى العدالة محفوف بالعقبات:
· الحصانة: رؤساء الدول الحاليون يتمتعون بحصانة من الملاحقة القضائية. · الفيتو الأمريكي: أمريكا تستخدم حق النقض في مجلس الأمن لحماية إسرائيل وحلفائها. · التهديد للقضاة: ترامب فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية وجمد أصولهم. · عدم الاعتراف: إسرائيل وأمريكا لا تعترفان بسلطة المحكمة أصلاً.
٧.٣ ما الذي يمكن أن يغير المعادلة؟
تغيير هذه المعادلة يحتاج إلى شرطين أساسيين:
أولاً: تغيير الإدارة الأمريكية. إدارة ديمقراطية قد تكون أكثر استعداداً للتعاون مع المحكمة الجنائية، كما حدث في عهد بايدن الذي انتقد مذكرات التوقيف لكنه لم يفرض عقوبات على القضاة.
ثانياً: استمرار الضغط الإيراني. كل يوم تستمر فيه الحرب، وكل صاروخ يضرب قاعدة أمريكية أو سفينة حربية، وكل يوم يمر مع إغلاق مضيق هرمز، هو دليل عملي على أن استمرار العدوان له ثمن. هذا الضغط هو الذي قد يدفع في النهاية إلى تسوية سياسية تتضمن تعويضات للضحايا ومحاكمة للمجرمين.
النظام العالمي الجديد - ملامح ما بعد الانهيار
٨.١ نهاية الأحادية القطبية
الحرب الحالية تعلن بوضوح نهاية "لحظة القطب الواحد" التي بدأت بسقوط الاتحاد السوفيتي. العالم لم يعد أحادي القطبية بزعامة أمريكا، كما أنه لم يتحول بعد إلى نظام متعدد الأقطاب متوازن. ما نشهده هو مرحلة انتقالية فوضوية، تتصارع فيها القوى القديمة والجديدة.
الصين وروسيا تراقبان عن كثب. انتصار إيران في هذه الحرب (أي قدرتها على الصمود وفرض شروطها) سيعني أن محوراً جديداً يولد: محور الدول التي تقول "لا" للهيمنة الأمريكية.
٨.٢ انهيار "البترودولار"
أحد أهم ملامح النظام العالمي الجديد قد يكون انهيار نظام "البترودولار" الذي يقوم على تسعير النفط بالدولار فقط. إذا اضطرت دول الخليج، تحت وطأة الحرب، إلى بيع نفطها باليوان الصيني أو الروبل الروسي، فإن هذا سيوجه ضربة قاضية للهيمنة المالية الأمريكية.
الولايات المتحدة تعيش فوق فقاعة دين هائلة. استمرار الدولار كعملة احتياط عالمية هو ما يسمح لها بالاقتراض بلا حدود. إذا انهارت هذه الفقاعة، فإن الانهيار الاقتصادي الأمريكي سيكون أسرع مما يتصور الكثيرون.
٨.٣ دور شعوب المنطقة
لكن الأهم من التحولات الجيوسياسية هو دور الشعوب. ما يحدث في الخليج من انهيار اقتصادي قد يكون فرصة تاريخية لشعوب هذه المنطقة لـانتزاع السلطة من الأنظمة العميلة.
دبي التي كانت ترمز للرفاهية والاستهلاك أصبحت مدينة أشباح. هذا يطرح أسئلة وجودية عن النموذج التنموي برمته. إذا انهارت "الرفاهية" التي كانت تبرر القمع السياسي، فماذا يبقى؟ إذا انكشف أن الأمان الذي اشترته هذه الأنظمة بمليارات الدولارات كان وهمياً، فكيف يمكنها المطالبة بالولاء؟
شعوب الخليج ليست بالضرورة ثورية، لكن الظروف الموضوعية تتغير. ارتفاع الأسعار، توقف المشاريع، انهيار الثقة، كلها عوامل تخلق أرضاً خصبة للاحتجاج والتغيير.
إلى أين تتجه الأمور؟
ما نشهده اليوم في غرب آسيا هو أكبر تحول جيوسياسي منذ سقوط جدار برلين. إغلاق مضيق هرمز، انهيار أسواق دبي، استهداف القواعد الأمريكية، اغتيال القادة على طاولة المفاوضات، كلها ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي علامات على نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة.
السيناريو الأكثر ترجيحاً، بناء على المعطيات المتاحة، هو:
1. على المدى القصير (شهر-شهران): استمرار الحرب وارتفاع التكاليف على الجميع. دبي تتعمق في الانهيار، السعودية تعلق مشاريع "رؤية ٢٠٣٠"، إيران تواصل استنزاف القواعد الأمريكية، أمريكا تبحث عن "مخرج مشرف" مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. 2. على المدى المتوسط (٣٦ أشهر): بداية ضغوط سياسية حقيقية على ترامب مع ارتفاع أسعار البنزين وتأثير ذلك على فرصه في نوفمبر. احتمالية تفكك بعض "المحميات" الخليجية (البحرين أولاً) أو تحولها نحو الشرق. استمرار إيران في إغلاق المضيق. 3. على المدى البعيد (عام فأكثر): إعادة تشكيل جذرية للتحالفات الإقليمية. نهاية الهيمنة الأمريكية الأحادية على المنطقة. بداية مسارات سياسية قد تؤدي إلى محاكمة مجرمي الحرب الامريكان والصهاينة والقطريين والاماراتيين والسعوديين .. والتعويض للضحايا، إذا تغيرت الموازين الدولية بشكل كاف.
ما يحدث الآن هو اختبار حقيقي لإرادة الشعوب وقدرتها على تغيير واقعها. إيران تقدم نموذجاً في الصمود والمقاومة. دول الخليج تقدم نموذجاً في الهشاشة والتبعية. أمريكا تقدم نموذجاً في الانحطاط والتراجع. إسرائيل تقدم نموذجاً في العزلة والوحشية.
الرهان الأكبر هو على شعوب المنطقة، التي عانت طويلاً من الحروب والاستبداد والتبعية. هل ستستغل هذه اللحظة التاريخية لانتزاع حقوقها؟ هل ستتعلم من أخطاء الماضي؟ هل ستتحول من "موضوع" للتاريخ إلى "فاعل" فيه؟
الأسابيع والأشهر القادمة ستحمل الإجابة. لكن شيئاً واحداً مؤكد: العالم الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون مثل العالم الذي دخلها. وإيران، بصمودها وتضحياتها، تكتب اليوم فصلاً جديداً في تاريخ التحرر الإنساني.
ملحق: أبرز المصادر والمراجع
1. تقارير وكالة فرانس برس حول استقالة جو كينت وتصريحاته 2. تحليلات CNN حول التأثير الاقتصادي للحرب على الانتخابات الأمريكية 3. تقارير الجزيرة حول القواعد الأمريكية في المنطقة 4. إحصائيات مؤشر دبي العقاري (DFMRE) حول انهيار السوق 5. تقديرات بنك غولدمان ساكس ووكالة فيتش للتصنيف المالي 6. تصريحات وزارة الخارجية السعودية والإماراتية في الأمم المتحدة 7. تحليلات "جوردان تايمز" حول مستقبل محميات الخليج 8. وثائق وزارة العدل الأمريكية المتعلقة بقضية إبستين 9. مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
-
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا
...
-
مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف
...
-
كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
-
خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
-
قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
-
الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
-
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد
...
-
التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
-
صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
-
إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
المزيد.....
-
عناقٌ حقيقي بعدما تخلت أمه عنه.. شاهد -بانش- القرد يجد الدفء
...
-
-اهتزت الأرض-.. ما حقيقة فيديو -التجربة النووية في إيران-؟
-
ما هي الجزر الصغيرة في الخليج التي قد تكون هدفًا لهجمات ترام
...
-
دول أوروبية تتخذ إجراءات مستعجلة لمواجهة تداعيات حرب الشرق ا
...
-
القلق: هل هو رسالة من العقل أم من الجسد؟
-
ريبورتاج: أوضاع إنسانية صعبة بالنبطية جنوب لبنان بسبب الحرب
...
-
بوتين: موسكو لا تزال صديقا وفيا وشريكا موثوقا لإيران
-
20 مصابا في منطقة ديمونة جنوب إسرائيل جراء هجوم صاروخي إيران
...
-
حرب إيران.. نهاية قريبة أم منعطف خطير للصراع؟
-
من وراء الكواليس.. كيف يدير روته ضغوط ترامب على الناتو؟
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|