أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام نوار - الاعتقالات في تونس والزغاريد قي تل أبيب















المزيد.....

الاعتقالات في تونس والزغاريد قي تل أبيب


هشام نوار
(Naouar Hichem)


الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 16:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أقدمت السلطة التونسية، خلال الشهر الجاري، على اعتقال سبعة مناصلين ومناضلات من أعضاء الهيئة التسيرية لأسطول الصمود بتونس، أسطول بحري أبحر لفك الحصار عن قطاع غزة، وأصدرت في شأنهم بطاقة إيداع بالسجن من أجل "جرائم" تدليس ومسك واستعمال مدلس وتحيل وخيانة موصوفة واستعمال وثائق محاسبية ودفاتر وسجلات مزورة وتكوين وفاق لغسل الأموال…
لنبدأ من النقطة التي يحاول الخطاب الرسمي دائما القفز فوقها: هذه ليست قضية “ملف قضائي” وضع على مكتب قاض، بل لحظة سياسية مكثّفة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات دفعة واحدة: مسار قمع داخلي يتسع ومسار إقليمي يفرض إيقاعه ومسار شعبي حاول، ولو لبرهة، أن يكسر الاثنين معا.
ما يجعل اعتقال شباب أسطول الصمود حدثا يستحق كل هذا التفكيك، ليس فقط توقيته ولا طبيعته، بل ذلك الخيط الخفي الذي يربطه بتجارب سابقة عاشها بعضهم داخل زنازين الكيان الصهيوني بعد قرصنة وحدات أسطولهم قبل تحويلهم إلى الاحتجاز في 03 أكتوبر 2025 سجن "كتسيعوت".
نفس مسمّيات “التهديد” و”الخطر” و”الشبكات المشبوهة” التي كالها العدو الصهيوني للمناضلين والمناضلات الذين اعتقلهم تعاد اليوم صياغتها داخل ملف محلي بلغة مختلفة قليلا، لكن بمنطق واحد: تجريد الفعل النضالي من معناه وتحويله إلى جريمة قابلة للإدارة.
هذا التشابه ليس مجرّد صدفة لغوية. إنه يكشف شيئا أعمق، فالسلطة، حين تصل إلى لحظة توتر قصوى مع أي تحرك مستقل، لا تحتاج إلى اختراع أدوات جديدة بل تستعير القوالب الجاهزة الأكثر نجاعة في إخماد الفعل السياسي والقالب الأمني-المالي هو الأكثر فاعلية لأنه يربك الرأي العام ويعزل الضحايا عن محيطهم
في آن واحد.
حين تقول للناس إن هؤلاء “مناضلون”، فأنت تفتح باب النقاش. لكن حين تقول إنهم “متورطون في أموال مشبوهة”، فأنت تغلق الباب قبل أن يفتح. لا أحد يريد أن يدافع عن “فاسدين”، حتى وإن لم تثبت إدانتهم. هكذا تبنى العزلة.
لكن لماذا هؤلاء المناضلون تحديدا؟ ولماذا الآن؟
لأنهم يحملون ما لا يحتمل داخل أي نظام يميل إلى الانغلاق: الاستمرارية. هم ليسوا وجوها طارئة ظهرت فجأة في سياق ظرفي، بل امتداد لمسار نضالي عابر للحدود، مرّ من ساحات مختلفة، واحتكّ مباشرة بآلات قمع متعددة. هذا النوع من الفاعلين لا يمكن احتواؤه بسهولة، لأنه لا يستمد شرعيته من الداخل فقط، ولا ينتظرها من أحد.
السلطة، في المقابل، تبني شرعيتها على الاحتكار: احتكار القرار، واحتكار التمثيل، واحتكار المعنى. وحين يظهر فاعل يتحرك خارج هذه الدوائر، ولا يطلب إذنا، ولا يقبل أن يكون ملحقا، يتحول تلقائيا إلى مشكلة يجب حلّها.
أسطول الصمود، في هذا السياق، لم يكن مجرد مبادرة تضامنية. كان لحظة كشف. كشف أن بالإمكان تحويل التعاطف إلى تنظيم، وأن الفضاء العام يمكن أن يستعاد ولو جزئيا، وأن القضية الفلسطينية، التي جرى طويلا تدجينها داخل الخطاب الرسمي، يمكن أن تعود لتكون نقطة تعبئة وتجميع، لا مجرد شعار.
وهنا بالضبط ما أربك السلطة.
هذا النوع من المبادرات يشتغل بمنطق مختلف تماما عما ترتئيه السلطة فهو لا ينتظر منها الضوء الأخضر ولا يتحرك وفق أجندة رسمية ولا يكتفي بالرمز. هو يحاول أن ينتج فعلا. وهذا الفعل، حتى لو كان محدودا، يفتح أفقا. والأفق أخطر من
الحدث نفسه، لأنه قابل للتكرار.
في اللحظة التي يصبح فيها التكرار ممكنا، تدخل السلطة في حالة استنفار. ليس لأن الحدث كبير، بل لأنه قد يصبح نموذجا. والنماذج، في سياقات مغلقة، تهدد البنية أكثر مما تهددها الوقائع المنفردة.
هنا يفهم التحول السريع للسلطة من “تسامح نسبي” إلى “ضبط كامل”: في البداية، تترك المبادرة تتحرك في هامش ضيق، يراقب بدقة وحين يتضح أنها تكتسب زخما، وأنها بدأت تنتج خطابها الخاص، وأنها تجذب حولها طاقات لا تمر عبر القنوات الرسمية، يتخذ القرار: يجب إيقاف هذا المسار.
لكن الإيقاف لا يتم دائما عبر إعلان سياسي صريح بل عبر تفكيك بطيء: منع أنشطة، تضييق على الفضاءات، تغذية حملات تشويه، ثم ، وفي اللحظة المناسبة ، تفعيل الآلة القضائية.
هنا يظهر الوجه الأكثر “نظافة” للقمع. لا هراوات في الشارع، بل محاضر وتحقيقات. لا اتهامات سياسية مباشرة، بل شبهات تقنية. وكأن الأمر يتعلق بجريمة عادية، لا بصراع على المضمون.
غير أن ما يفضح هذا القناع هو التكرار نفسه.
نفس السيناريو يعاد مع فاعلين مختلفين: ناشطون سياسيون، نقابيون، مدافعون عن حقوق المهاجرين، صحفيون… والآن نشطاء تضامن. ثلاثية شبه ثابتة: تحريض، ثم اتهام مالي أو أمني، ثم عزل قانوني. هذا ليس اجتهادا فرديا، بل نمط حكم.
ضمن هذا النمط، لا يهم إن كانت التهم صحيحة أو لا. المهم هو وظيفتها. والتهمة تقوم هنا بوظيفة مزدوجة: تبرير القمع وإعادة تشكيل الوعي العام.
حين يتكرر هذا النمط، يبدأ المجتمع في استبطانه. يصبح الاتهام كافيا لإثارة الشك،
حتى قبل صدور أي حكم. وهنا يتحقق الهدف الأعمق: ليس إسكات الأفراد فقط بل خلق مناخ عام يجعل أي محاولة للفعل محفوفة بالريبة.
لكن إذا عدنا إلى نقطة البداية ، إلى تلك المقارنة الصعبة بين زنزانتين ، نجد أنفسنا أمام مفارقة ثقيلة.
الشباب الذين وضعوا سابقا في مواجهة مباشرة مع الاحتلال، تحت تهم تجرّم مقاومتهم أو تضامنهم، يعاد اليوم وضعهم داخل سردية تفرغ نفس الفعل من معناه، لكن بأدوات محلية. كأن المسار واحد، وإن تغيّرت الجغرافيا.
هذا لا يعني تطابقا ميكانيكيا بين السياقين، لكنه يكشف تقاطعا في المنطق: حين يصبح الفعل غير المرغوب فيه هدفا، تستدعى أكثر الأدوات فاعلية لتجريده من شرعيته.
في الحالتين، يعاد تعريف المناضل كخطر. في الحالتين، يفصل الفعل عن سياقه. في الحالتين، يطلب من المجتمع أن يرى في الضحية متهما، لا فاعلا.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر عمقا: المسألة لم تعد فقط ما تفعله السلطة، بل ما تنجح في جعله قابلا للتصديق.
إذا اقتنع الناس ، ولو جزئيا ، بأن كل مبادرة مستقلة تحمل شبهة، فإن المجال العام يغلق من الداخل فلا حاجة عندها إلى قمع شامل، لأن الخوف والشك يقومان بالمهمة.
لكن هذه المعادلة، رغم فعاليتها، ليست محكمة بالكامل.
كل تجربة قمع تنتج، في المقابل، معرفة مضادة. الذين مرّوا بالاعتقال، هنا أو هناك، لا يخرجون بنفس النظرة. يفهمون كيف تصنع التهم، كيف تدار الملفات، كيف يبنى الاتهام. وهذه المعرفة، حين تتراكم، تصبح بدورها عنصر قوة.
لهذا، لا يمكن قراءة ما يحدث فقط كإغلاق لمسار، بل أيضا كإشارة إلى ما كشفه هذا المسار.
أسطول الصمود لم يكن يمثل خطرا لأنه قوي بما يكفي، بل لأنه أظهر إمكانية القوة
خارج الإطارالرسمي. وهذه الإمكانية، حتى لو جرى قمعها، لا تختفي وتظل كامنة تنتظر لحظة أخرى، شكلا آخر، سياقا مختلفا.
السؤال الذي يبقى، إذن، ليس ما إذا كانت السلطة قادرة على القمع ، فهي أثبتت ذلك مرارا، بل ما إذا كان بالإمكان تحويل هذه التجارب المتقطعة إلى وعي متماسك، إلى قدرة على الربط بين ما يبدو منفصلا: بين الداخل والخارج، بين التضامن والحرية، بين القضية والواقع.
إن أخطر ما في الوضع الحالي ليس القمع ذاته، بل تفكيك هذه الروابط. عزل كل معركة عن الأخرى، كل قضية عن سياقها، كل فاعل عن محيطه.
وما يجعل اعتقال هؤلاء الشباب حدثا يتجاوزهم، هو أنه يقع بالضبط عند هذه النقطة: نقطة التقاء كل هذه الخيوط.
لهذا، لا يمكن التعامل معه كملف عابر.
إنه مرآة.
عن رياض الشرايطي
بين زنزانتين: حين تتطابق التهمة ويختلف الجلاد.



#هشام_نوار (هاشتاغ)       Naouar_Hichem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النقد و النقد الذاتي (2)
- في ذكرى وفاة ستالين
- النهج البرلماني: تيار إصلاحي
- السيادة الوطنية تترنح في شركة صنع المشروبات بتونس
- تونس: واحات جمنة تكشف الوجه الحقيقي للشعبوية
- بقايا مظاهر العبودية في تونس
- تونس: 17 ديسمبر 2010 14 جانفي 2011: ثورة أم انتفاضة؟
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
- السياسة المائية في تونس
- تونس: السيادة الوطنية في مسلخ الشركة العامة للملاّحات
- تونس : نموذج التطبيع الناعم مع الكيان الصهيوني
- تونس : قانون المالية لسنة 2026 : العناوين الكبيرة والإجراءات ...
- الجيل Z
- الديمقراطية البورجوازية والديمقراطية الشعبية
- تونس : نموذج للتطبيع الغير معلن مع الكيان الصهيوني
- مشروع الحزب اليساري الكبير بتونس : منبر الإصلاحية
- قراءة في الوثيقة التأسيسية للحزب الشيوعي قيد التأسيس بتونس ح ...


المزيد.....




- عناقٌ حقيقي بعدما تخلت أمه عنه.. شاهد -بانش- القرد يجد الدفء ...
- -اهتزت الأرض-.. ما حقيقة فيديو -التجربة النووية في إيران-؟
- ما هي الجزر الصغيرة في الخليج التي قد تكون هدفًا لهجمات ترام ...
- دول أوروبية تتخذ إجراءات مستعجلة لمواجهة تداعيات حرب الشرق ا ...
- القلق: هل هو رسالة من العقل أم من الجسد؟
- ريبورتاج: أوضاع إنسانية صعبة بالنبطية جنوب لبنان بسبب الحرب ...
- بوتين: موسكو لا تزال صديقا وفيا وشريكا موثوقا لإيران
- 20 مصابا في منطقة ديمونة جنوب إسرائيل جراء هجوم صاروخي إيران ...
- حرب إيران.. نهاية قريبة أم منعطف خطير للصراع؟
- من وراء الكواليس.. كيف يدير روته ضغوط ترامب على الناتو؟


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام نوار - الاعتقالات في تونس والزغاريد قي تل أبيب