أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - شريعة الغاب: لماذا ينتصر ذو الناب ؟














المزيد.....

شريعة الغاب: لماذا ينتصر ذو الناب ؟


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 13:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ فجر التاريخ، خاض بنو البشر صراعًا مزدوجًا: صراعًا مع الطبيعة وأحيائها، وصراعًا أشد قسوة فيما بينهم... ؛ وقد أُريقت الدماء، دماء الحيوان والإنسان على حد سواء، في مسيرة طويلة من التنازع والبقاء... ؛ ولعل قصة هابيل وقابيل تمثل تلك اللحظة التأسيسية المأساوية، حيث يُقتل البريء المسالم، وينجو المعتدي، في مشهد يزرع في الوعي الإنساني المبكر سؤالًا مريرًا: هل تكون الغلبة للحق فعلًا، أم للقوة؟
هذه الإشكالية لم تغادر مسرح التاريخ، بل ظلت تتكرر بأشكال مختلفة، حتى عبّر عنها أبو الطيب المتنبي في بيته الشهير :
الظلمُ من شِيَمِ النفوسِ *** فإن تجدْ ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يَظلم
يضعنا هذا البيت أمام رؤية قاتمة للطبيعة البشرية، إذ يصوّر الظلم كأصل، والعدل كاستثناء مشروط... ؛ وكأن الإنسان، في جوهره، ميّال إلى العدوان، لا يكبحه إلا عجزٌ أو ظرف... ؛ وهذه النظرة، وإن بدت متشائمة، تجد صداها في الواقع الاجتماعي؛ إذ كثيرًا ما نشهد تحوّل بعض الأفراد من حال الضعف إلى ممارسة التسلط بمجرد امتلاكهم أدوات القوة، فينكشف حينها ما كان مستترًا...؛ ولذا نشاهد الكثير من الفقراء والضعفاء، ما أن يلحقوا بركب الأغنياء والأقوياء، حتى يكشروا عن أنيابهم، وتظهر حقيقتهم، وينكشف معدنهم الرديء... ؛ ومن هنا قالوا:الطبع غلب التطبع .
على المستوى الفكري، تطورت هذه الرؤية لتأخذ طابعًا أكثر تنظيرًا مع بروز مفاهيم مثل نظرية البقاء للأصلح، التي ارتبطت باسم تشارلز داروين... ؛ ورغم أن هذه النظرية وُلدت في سياق بيولوجي لتفسير تطور الكائنات، فإن إسقاطها على المجتمعات البشرية أفرز ما يُعرف بالداروينية الاجتماعية، حيث يُبرَّر التفاوت والهيمنة باعتبارهما نتيجة “طبيعية” لصراع البقاء .
ذهب البعض إلى أن مسألة "البقاء للأقوى" ليست فكرة بشرية فحسب، بل هي قانون كوني يشبه نواميس الطبيعة الأخرى. لذا أنشد الشاعر قائلاً :
اقتضت نواميس الكون أن لا يعيش الضعفاء
إن من كان ضعيفاً أكلته الأقوياء
نعم، هذه حقيقة الحياة: القوي يستغل الأقوى، والضعيف يؤذي الأضعف... ؛ فمَن كان ضعيفاً تلقى صفعات لا تُعد ولا تُحصى من الأقوياء... .
إنها حقيقة وجودية: كل كائن إما مفترس وإما فريسة... ؛ القوي يستغل من هو دونه، والضعيف يجد من هو أضعف منه ليعوض هوانه... ؛ إنها سلسلة غذائية كونية، لا ترحم ولا تعرف قيمة اسمها الرحمة... ؛ لذا قيل: ان عداوة الاقوياء للضعفاء طبع لا يستطاع تغييره ... ؛ لأنها ليست نزعة عابرة، بل بنية وجودية متجذرة في الكينونة .
وعليه، من الحماقة والغباء أن ينتظر الفلسطيني أو العربي من الإسرائيلي العطف والرحمة... ؛ ومن السخافة وانعدام الوعي السياسي أن يأمل مواطنو دول العالم الثالث أن تساعدهم دول العالم المتحضر للحاق بهم، والخروج من دائرة التخلف والضعف والاستهلاك .
وكذلك من السذاجة أن يحارب الضعفاء الأقوياء من دون الاستعداد المطلوب، والخروج من دائرة الضعف إلى دائرة القوة... ؛ إذ من أوضح الواضحات أن الذكي ينتصر على الغبي، والقوي على الضعيف، والغني على الفقير، والعالم على الجاهل ... ؛فمن لا يعرف هذه المقدمات الواضحة، يبقى يتخبط خبط عشواء، ويبقى يدور في نفس الدوامة، حتى يهلك قوم، ويأتي محلهم آخرون .
الحقيقة المرة في العالم المعاصر : القوة وحدها تفرض الاحترام، والضعف يستدعي الافتراس... ؛ فإما أن تتحول إلى ذئب، وإما أن تظل فريسة... ؛ ومن ظن أن البشرية قد تجاوزت شريعة الغاب، فهو واهم... ؛ لم تتجاوزها، بل تعلّمت كيف تلبسها أثواب الحضارة .
سياسيًا، تُستثمر هذه الفلسفة لتبرير سياسات الهيمنة والتوسع وفرض الأمر الواقع... ؛ فالدول القوية لا ترى في ضعف غيرها إلا فرصة، ولا في تخلف الآخرين إلا مجالًا للنفوذ... ؛ ومن السذاجة السياسية الاعتقاد بأن العلاقات الدولية تُدار بمنطق الأخلاق وحدها؛ إذ تحكمها، في جوهرها، موازين القوة والمصالح... ؛ ولذلك، فإن انتظار الرحمة من خصمٍ متفوق، أو التعويل على دعمٍ مجاني من قوى كبرى، دون امتلاك أدوات التأثير، هو رهان خاسر قبل أن يبدأ .
فهل آن الأوان أن نصحو من سباتنا الوجودي، وندرك أن الرحمة لا تُمنح، بل تُنتزع؟ وأن من لا يكون في موقع القوة، يكون في قائمة الطعام؟
اجتماعيًا، تتجلى هذه الفلسفة في بنى غير عادلة، حيث يُعاد إنتاج التفوق والامتياز، ويُدفع الضعفاء إلى الهامش... .
أما نفسيًا، فإن الإحساس بالعجز قد يولّد نزعتين متناقضتين: إما استسلامًا يبرر الواقع، أو رغبة كامنة في الانتقام تتفجر عند أول فرصة للتمكين... ؛ وفي كلا الحالين، يبقى الإنسان أسير دائرة القوة والضعف، ما لم يُدرك أن الخروج منها يتطلب بناء وعي مختلف، لا يكتفي بتفسير الواقع بل يسعى إلى تغييره .
إن الإقرار بوجود منطق القوة في العالم لا يعني التسليم به كقدر محتوم، بل يستدعي فهمه لتجاوزه... ؛ فالتاريخ، وإن كُتب كثيرًا بلغة الغالب، لم يخلُ من لحظات انتصارٍ للعدل حين امتلك أصحابه أسباب القوة المادية والمعنوية معًا... ؛ وعليه، فإن الطريق ليس في إنكار هذه السنن والقوانين ، ولا في الارتماء في أحضانها، بل في إعادة تعريف القوة ذاتها: قوة العلم، والتنظيم، والوعي، قبل أن تكون قوة البطش والغلبة .
وفي النهاية، فإن من يجهل هذه الحقائق يظل يدور في حلقة مفرغة، يتخبط في تفسير ما يحدث حوله، حتى يهلك جيل، ويأتي آخر ليعيد طرح السؤال ذاته: هل نحيا لنكون أقوى، أم لنكون أعدل؟



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القتل خارج السيادة الوطنية
- الوهم القيادي: لماذا ينهار جدار الولاء عندما يُبنى على سراب ...
- الدولة والمجتمع في العراق الحديث: جذور القطيعة وإشكالية الشر ...
- العراق: أزمة الانسجام الوطني بين فشل الدولة وسياسات التمزيق
- الدرجات التي لا تُرى
- المشاعر بين ظلام الجهل ونور الفهم
- الصمت بوصفه لغة خفية: قراءة نفسية اجتماعية في مواجهة صدمات ا ...
- محاولة استدراج الأكراد لفتح جبهة داخلية في ايران
- الوعي الوطني والحس القومي في إيران: بين الإرث التاريخي والتم ...
- الهوية الوطنية بين مجد الذاكرة وعبء الحاضر ورهان المستقبل
- مقولة وتعليق / 66 / «الوفاء في زمن الخذلان: قراءة نقدية في ت ...
- التدين بين تغييب الذات الفردانية وانصهار الهوية الشخصانية :ق ...
- عقد الثمانينيات : العقد الأكثر دموية في تاريخ العراق الحديث
- بوصلَةُ السياسي: بين الوطنيةِ والانغلاقِ الأيديولوجي والفساد
- ازدواجية الخطاب الأميركي: من تمثال الحرية إلى سياسات ترامب
- التمدد الكويتي في المياه العراقية: قراءة في التاريخ والجغراف ...
- مذبحة القاهرة الكبرى: حين دخل العثمانيون مصر بالسيف والنار
- الواقعية السياسية ومنطق المصالح في زمن التحولات الكبرى
- الطاغية الصغير: سايكوباتية القيادة وتحويل المؤسسة إلى جحيم إ ...
- التناغم الكيميائي : حينما تذوب النفوس في بوتقة اللقاء


المزيد.....




- -لنريك أننا جادين-.. ترامب يكشف عن -هدية- من إيران إلى الولا ...
- إيران توجه تهديدات جديدة ضد القوات الأمريكية في المنطقة
- ما مدى خطورة شن هجوم بري أمريكي على -خرج- الإيرانية؟ إليكم إ ...
- وسط حرب متعددة الجبهات.. نتنياهو يواجه أزمات متوالية في دائر ...
- كيف تحدد إسرائيل أهدافها في إيران؟
- هآرتس: الجيش الإسرائيلي يرسّخ -الخط الأصفر- واقعا دائما في غ ...
- تراجع قياسي في شعبية ترمب.. استطلاع يكشف انقلاب المزاج الأمر ...
- مجلس الأمن يعقد مشاورات مغلقة بشأن إيران بطلب روسي
- وسط ترقب.. أسبوع يحدد مصير -الضربة القاضية- على إيران
- -أتعاب المحامي- و-الصراخ ليلًا في زنزانته-.. كواليس ما حدث د ...


المزيد.....

- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - شريعة الغاب: لماذا ينتصر ذو الناب ؟