حمده درويش
الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 13:36
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
النظام الداخلي للاتّحاد العام التونسي للشغل لسنة 2017 يمثّل خطوة بيروقراطيّة نوعيّة في مزيد تكريس النقابة المساهمة
نسعى في هذا المقال إلى تبيان جوانب من حقيقة أنّ البيروقراطيّة النقابيّة ليست وليدة اليوم و أنّها مواصلة لسابقاتها و أنّها تتأقلم مع الأوضاع خدمة لمصالحها الفئويّة و لمصالح التحالف الطبقي الحاكم . و لذلك عدنا إلى وثيقتين مكمّلتين للنظام الداخلي لسنة 2021 موضوع دراستنا سابقا متوفّرتين لدينا في الوقت الحاضر هما النظام الداخلي لسنة 2007 و النظام الداخلي التي تمّت المصادقة عليه في الهيئة الإداريّة الوطنيّة بتاريخ 6 و 7 جويلية سنة 2017 و اعتمدناهما فضلا عن النظام الداخلي لسنة 2021 في ما سنسوق من ملاحظات ذات بال .
من المغالطات الكبرى إلى المحو التام لأهداف ناضل من أجلها أجيال و أجيال من النقابيّات و النقابيّين :
تنطوى الصفحة الأولى من الباب الأوّل ، الفصل الثاني من النظام الداخلي للاتّحاد العام التونسي للشغل المصادق عليه من طرف الهيئة الإداريّة الوطنيّة أميلكار: 22 و 23 نوفمبر 2007، ضمن " الأهداف "، على المغالطة الكبرى التالية:
" العمل من أجل : أ – إنشاء إقتصاد وطني إشتراكي مستقلّ متحرّر من كلّ تبعيّة . و تحقيق توزيع عادل للثروات الوطنيّة بما يضمن طموحات جميع الشغّالين و الفئات الشعبيّة . "
عن أيّ " إقتصاد وطنى إشتراكي " يتحدّثون ؟ ما هي الوثائق التي صيغت للدعاية لهذا الهدف ؟ و هل أنّ الممارسات العمليّة للقيادة عملت و تعمل على بلوغ هذا الهدف عمليّا أم عملت و تعمل على عكس ذلك ؟
و الشيء نفسه يقال عن " " التوزيع العادل للثروات الوطنيّة " ...
و في النقطة ب- " الدفاع عن الحرّيات العامة و الفرديّة و ترسيخ الديمقراطيّة و إحترام حقوق الإنسان ."
جميل رفع الشعار لكن الواقع يبيّن أنّ القيادة المركزيّة و القيادات الجهويّة البيروقراطيّة ( وحتّى قيادات نقابات أساسيّة) تكرّس اللاديمقراطيّة إذ هي ترسّخ بالفعل و ليس بالقول فحسب العداء للديمقراطيّة تحت غطاء " ديمقراطي " و من ذلك للذكر لا الحصر عمليّات التجميد و التجريد المتزايدة ضد المخالفين في الرأي و من ينقد التوجّهات الخاطئة و عمليّات التنصيب و التزوير في المؤتمرات و ما أتته القيادات البيروقراطيّة لعقود و عقود من زمن الحبيب عاشور الدجّال فصاعدا( على سيبل المثال لا الحصر بهذا المضمار خير مثال على النفاق البيروقراطي المستخدم لتضليل القواعد النقابيّة و الرأي العام ) ، وصولا إلى الأمين العام " للمافيوزيّين " و الفرق التي شكّلها كقيادات بيروقراطيّة عليا بالمكتب التنفيذي و بالجهات والصورة الشهيرة و التاريخيّة لقائد مافيا الإتّحاد الجالس إلى طاولة الإقتراع أثناء التصويت في ما اصطلح على تسميته بمؤتمر الكوفيد يراقب من يصوّت و ماذا يكتب تغنينا على مزيد التفصيل في الموضوع .
و جميل أيضا أن يدبّج في الباب الأوّل من النظام الداخلي و على وجه الضبط في نهاية " الأهداف " ( الفصل الثاني ) :
" ز – مساندة جميع الشعوب المكافحة من أجل استرداد سيادتها و تقرير مصيرها و دعم نضال حركات التحرّر في العالم."
و على ضوء ما قدّمه الإتّحاد في السنوات الأخيرة ، على سبيل المثال لا الحصر ، للقضيّة الفلسطينيّة و إزاء المجازر المقترفة في حقّ الشعب الفلسطيني و إبادته الجماعيّة و تجويع الأطفال و النساء و الشيوخ و سكّان غزّة كافة ، قد ينفجر البعض من الضحك استهزاء و قد يصرخ البعض الآخر كفاكم ضحكا على الذقون إذ تبيّن بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ همّ البيروقراطيّين ليس سوى الحفاظ على امتيازاتهم و خدمة التحالف الطبقي الحاكم أمّا كفاح الشعوب فهو ورقة يستخدمونها للتمويه و المغالطة أحيانا و يركنونها على الرفوف معظم الأحيان .
و أكيد أنّه و إن تمّ تدبيج الأهداف التي مرّ بنا ذكرها أعلاه في النظام الداخلي لسنة 2007 و قبل ذلك لعقود تعود إلى ستّينات القرن العشرين و سبعيناته ، فإنّ البيروقراطيّة التي كانت تتحكّم في مفاصل الإتّحاد ( بعد فترة بن صالح ) لم تعمل على تحقيق هذه الأهداف و مردّ ذلك ببساطة أمران اثنان ، في اعتقادنا ، أوّلهما انّ النظام الحاكم لدولة الاستعمار الجديد قد تخلّى عمليّا عن " اشتراكيته الدستوريّة " و انتهج النهج الليبرالي بتنويعاته مع حكومة نويرة و ما تلتها من حكومات حتّى اليوم ، و إن احتفظ إلى فترة بعد ذلك بنعت " الاشتراكي " ؛ و ثانيهما أنّ البيروقراطيّة النقابيّة مضت أشواطا في التغييب التام لمسألة الاشتراكية – و لو كان فهمها متباينا بين النقابيّين و النقابيّات فالاشتراكية اشتراكيات كما يقال – و قبرت " التوزيع العادل لثورات الوطن " و أضحت بلا مشروع اقتصادي و اجتماعي ( تذكّروا ما كتبه الطيّب البكّوش بهذا الصدد ) و اكتفت بما يمليه عليها النظام الحاكم مقابل الفتات الذى يدرّه عليها منصبها في خدمة التوجّهات الأساسيّة السياسيّة منها و الاقتصادية و الاجتماعية لدولة الاستعمار الجديد .
و لمّا ضعفت القوى النقابيّة المدافعة عن الأهداف الواردة في النظام الداخلي لسنة 2007 ، و لمّا جرى التخلّص من مجموعة من قيادات و رموز المعارضة بمنع ترشّحها للمكتب التنفيذي سنة 2017 بذريعة أنّها متقاعدة ( طبعا آخذين بعين النظر الظروف العالميّة و المحلّية الجديدة آنذاك ) ، قطعت البيروقراطيّة النقابيّة خطوة نوعيّة جديدة متخلّية نهائيّا و بشكل لا أوضح منه عن تلك الأهداف لتنخرط كلّيا و بسفور في سياسات النقابة المساهمة .
فسقط " الاقتصاد الوطني الاشتراكي " و " التوزيع العادل للثروات الوطنيّة " و " الدفاع عن الحرّيات العامة و الفرديّة و ترسيخ الديمقراطيّة و احترام حقوق الإنسان ." و " مساندة جميع الشعوب المكافحة من أجل استرداد سيادتها و تقرير مصيرها و دعم نضال حركات التحرّر في العالم " سقوطا مدوّيا و تمّ محوهم محوا كلّيا من أهداف الإتّحاد من النظام الداخلي لسنة 2017 ( و لنكن واضحين ، ليست لدينا في الوقت الحاضر ، لحظة صياغة هذه الفقرة وثائق لتأكيد أو نفي حصول ذلك في نظام داخلي آخر بين 2007 و 2017 إن وُجد ) ما يمثّل فعلا – لنكرّرها للتأكيد - خطوة بيروقراطيّة نوعيّة أخرى في مزيد تكريس النقابة المساهمة و ما يفضح أكثر التوجّهات البيروقراطيّة و ما يشاع عن " الديمقراطيّة الاجتماعية " كشعار غامض و تضليلي بامتياز . و تعود هذه الخطوات البيروقراطيّة الممعنة في تخريب المنظّمة و حرفها عن الدور الاجتماعي المناط بعهدتها كما ارتآه لها مؤسّسوها و من ضحّوا من أجلها بالغالي و النفيس إلى أسباب عديدة و متنوّعة ليس هذا مجال الخوض فيها على أنّنّا ندعو إلى تناولها بالبحث في أقرب وقت ممكن ممّن يملك القدرة و الوثائق للنهوض بهذه المهمّة .
و هكذا نلمس أنّ النظام الداخلي لسنة 2017 عكس و يعكس ميزان قوى جديد – سيطرة كاسحة للبيروقراطيّين - وأنّ الدرجة التي بلغتها أزمة الإتّحاد المستفحلة الآن و التي تعدّ فريدة من نوعها لم تأت من فراغ أو فجأة و إنّما هي تتويج لنهج أضحى اليوم يهدّد المنظّمة في وجودها وهذه الأزمة بلا أدنى شكّ ، بصيغة أخرى ، قمّة مسار المراكمات الكمّية و النوعيّة فى التخريب البيروقراطي لسنوات و عقود . و لئن كانت زمرة البيروقراطيّين الإنقلابيّين مركزيّا و جهويّا تتحمّل المسؤوليّة الأكبر و الأولى في ما آل إليه وضع الإتّحاد فإنّ قوى أخرى قطاعيّة و فروع جامعيّة و نقابات أساسيّة بإنتهازيّة غضّت الطرف عن مسار التخريب هذا الذى يرجّح أنّه إنتُهج عمدا ضمن مخطّطات عامة محلّية و عالميّة ؛ أو لزمت الصمت تجاهه خشية المواجهة و الصراع و خسارة مواقع أو تحالفت بشكل من الأشكال مع لون أو آخر من البيروقراطيّين للحصول على الفتات ، يجب أن تتحمّل هي بدورها مسؤوليّة هامة في مسار مزيد تكريس النقابة المساهمة و في ما أفضى إلى الانقلابات و سياسات " النضال الصامت " و ترذيل العمل النقابيّ و ما إلى ذلك .
و بالمقابل ، لا يسعنا إلاّ أن نتوجّه بتحيّة إكبار لمن واجهوا و تصدّوا و قاوموا التيّار البيروقراطي لسنوات و سنوات و ما إنفكّوا يقومون بذلك بشتّى الأشكال ، من داخل الهياكل أو من خارجها ، ليس على أساس منفعيّ شخصيّ أو إنتهازيّ وصوليّ ؛ وإنّما على أساس مبدئيّ خدمة لمصالح الشغّيلة و مشروع المعارضة النقابيّة العمّاليّة حقّا ، قولا و فعلا ، في تناقض مع مشروع السلطة القائمة و مشروع التيّار البيروقراطيّ النقابيّ . و قد قدّم الكثير منهم أصنافا من التضحيات و تعرّضوا لإنقلابات البيروقراطيّة و قمعها و تشويهاتها و تجميدها وتجريدها ، و ألوان أخرى من التنكيل بالمناضلات و المناضلين المنحازين بلا لفّ و لا دوران إلى مصالح الشغّيلة .
و أكيد اليوم أنّه لا بدّ من توحيد كلّ من يمكن توحيدهم في مواجهة التعفّن البيروقراطي على أزيد من نطاق و صعيد ، على أن تكون الوحدة مبدئيّة و يكون التماسك قادرا على الصمود و المراكمة على قاعدة نضاليّة ديمقراطيّة صلبة ؛ و بعيدا عن النزعات الجهويّة و ردود الأفعال الصبيانيّة و عن تشويه المناضلين و المناضلات و تخوينهم كي لا تنفجر هذه الوحدة في أوّل منعرج أو معركة صعبة أو مؤامرة مهما كان منبعها و مأتاها ... ؛ و أيضا على قاعدة برنامج نضاليّ صحيح و عمليّ ناجم عن قراءة موضوعيّة للواقع الموضوعي و الذاتي فيأخذ بعين الإعتبار الطاقات المتوفّرة و الأهداف القابلة للتحقيق في المستقبل المنظور و المستقبل البعيد نسبيّا و التأثير في الأحداث النقابيّة مواقفا و مجريات و تحرّكات و نضالات ، و التأثير في النزهاء و النزيهات من النقابيّين و النقابيّات لينهضوا إلى جانب المعارضة النقابيّة أو بالتنسيق معها أو في وحدة معها بالواجبات التي نرجو أن تساهم قدر الإمكان في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإتّحاد العام التونسي للشغل المهدّد – و لا نبالغ و غيرنا يقرّ بهذه الحقيقة – بمزيد الخراب وصولا إلى الإندثار بصورة من الصور.
حمده درويش – عضو هيئة إعتصام البطحاء جانفى / فيفري 2025 (+ ) ناشط بالمعارضة النقابيّة الديمقراطيّة
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------
#حمده_درويش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟