أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - بصدد الجملة الإعلامية (1): اللغة التي تسبق الصاروخ















المزيد.....

بصدد الجملة الإعلامية (1): اللغة التي تسبق الصاروخ


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 07:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأصل في القول إن الاستشراق بنية تتجاوز المضمون؛ أي نظام يعمل عبر الزمن لإعادة إنتاج ذاته في الرمز للسيطرة على المعنى، بما يوازي إعادة الاستعمار إنتاج ذاته في المادة للسيطرة على الأرض. ويتقاطع على نحو مباشر مع اشتغال إدوارد سعيد عند نقل النقاش نقلاً موازياً من أخطاء الغرب في فهم الشرق، إلى الشروط الصانعة لإمكانية هذا الفهم من الأساس. يخرج الاستشراق هنا من دائرة المضمون الفكري، ومجموعة الأفكار المجردة عن الشرق، ليتحول إلى بنية خطابية. ونفهم هنا على وجه التحديد تجاوز الخطاب حدود مقول القول، ليصبح الشرط المانح لإمكانية القول.
طيب... ما الفائدة المرجوة من هذا التأصيل؟
يفتح هذا التأصيل باباً لفهم أدق لطبيعة اللغة في السياق السياسي. حيث تقبل المضامين النقد والدحض في الأحوال كلها، في حين تمارس البنية فعلها حتى عند اعتقادنا بتجاوزها. ويخرج الاستشراق، بناءً على ذلك، من حيز الرأي المجرد عن الشرق، ليسهم بوصفه شرطاً ضامناً لتحقيق هذا الرأي، وإطاراً منظماً للأفعال اللاحقة. ويُفهم من توازي عمليات إعادة الإنتاج بين الاستعمار والاستشراق، تحول اللغة إلى جزء أصيل من هذه البنية، لتتخطى دور الانعكاس البسيط لها.
وثمة موضع يقبل تعميقاً أبعد.
يصف القول بمهاجمة أمريكا وإسرائيل إيران بالمفردة قبل الصاروخ، ظاهرة حقيقية تقبل تحليل موقعها داخل شبكة خطابية أوسع. وتعجز كلمة مثل "النظام" عن العمل مفردة؛ لارتباطها بسلسلة مفاهيم من قبيل: شرعية، وتمثيل، وشعب، وتهديد. وتنتج هذه الشبكة المعنى وتصنعه، بعيداً عن الكلمة المفردة. ويطابق هذا قصد إدوارد سعيد عند حديثه عن نظام معرفة وليس عن مفردات منفصلة. مثل التحول من التمثيل (Representation) إلى شرعنة العنف (Legitimation of violence)، وهو ما حذر منه سعيد لأنه يبقى داخل لعبة التقويم الحضاري التي وضعها الغرب (ينتقي منطق الاستشراق لحظات "مجد" ليثبت قيمة حضارة الشرق)
ويدفع الحدس النظري نحو ربط الخطاب بالحرب عبر مفردات الخطاب، والشرعية، والفعل العسكري. وعند الانتقال من مستوى الفكرة إلى بنية اللغة ذاتها في الخطاب الغربي حول إيران، نقف أمام مفردات متحيزة، ونظام لغوي يعمل كآلية إنتاج للشرعية. قما يحدث ليس اختيار كلمات، وإنما تنظيم العالم باللغة.
ويبرز في الجملة الغربية عند حديثها عن إيران ميل واضح نحو تثبيت الفاعل الإيراني في موقع الخطر. فكثيراً ما تفتتح الصحف والمحطات الغربية حديثها بـ "Iran" أو "the Iranian regime"، ليتبعها الفعل مباشرة: threatens، escalates، destabilizes. ويأتي الفعل في الزمن الحاضر البسيط مجرداً من زمنه وسياقه، ليصبح صفة ثابتة، وليس حدثاً طارئاً. فإيران " لا تفعل" شيئاً بقدر ما "تكون" هذا الشيء. ويتغير الإيقاع في المقابل عند تكون الولايات المتحدة (أو إسرائيل) هي الفاعل؛ فتطول الجملة، ويدخل عليها الظرف، ويتأخر الفعل، وتبرز الغاية: to deter، to prevent، in response to threats. ويُحاط الفعل هنا بشبكة تبريرات، فلا يقف وحيداً. وتبني اللغة سياجاً أخلاقياً حوله قبل وصوله إلى القارئ. ويتجاوز الفارق هنا الشكل الظاهر، ليعيد توزيع المسؤولية داخل الجملة. ويبرز الفاعل في الحالة الأولى بوضوح، ويكون الفعل مباشراً، وتستتر النتيجة. أما في الحالة الثانية يكون الفاعل حاضراً لكن الفعل معلق داخل التفسير.
يقترب هذا التحليل من تلميحات جورج أورويل في مقالته "السياسة واللغة الإنكليزية"*؛ إذ يرى ممارسة اللغة السياسية دوراً في إعادة ترتيب الحقيقة، فتمنع طرح بعض ما كان يمكن طرحه من أسئلة: من قصف Who bombed ؟ ولماذا؟ ومتى بدأ التسلسل؟ واستبدالها بأسئلة أخرى مثل: هل كان الرد ضرورياً Was the response necessary ؟ وهل جرى تجنب التصعيد Was escalation avoided?؟
فعلى سبيل المثال، يبرز التحول الأعمق في الجملة الإعلامية عند قراءة العنوان الآتي: "U.S. says at least 153 killed in airstrike on school in Iran"**. فتظهراً صيغة المبني للمجهول: "153 killed in airstrike". وتقبل الجملة التقسيم الآتي: الفاعل "U.S."، والفعل "says"، والمفعول به "at least 153 killed in airstrike on school in Iran". ويمنح زمن الفعل "says" الحدث صفة التقرير الرسمي الراهن. ويخفف المبني للمجهول "153 killed" (المكتملة نحوياً لكنه فعلها منفصلاً من فاعلها) من ذكر منفذ الضربة المباشر. وتحدد الظرفية في "in airstrike on school in Iran" مكان الحدث، متجاهلة الفاعل الحقيقي للغارة. لا يعود القصف فعلاً صادراً عن جهة محددة، بل واقعة حدثت في فضاء عام.
ويضع العنوان، ضمن هذه الأطر الدلالية المنحازة، الولايات المتحدة مرجعية رسمية للإحصاء، ويصف الخسائر باعتبارها حقيقة معتمدة على تصريح رسمي، ما يقلل التركيز على الفعل العدواني ذاته، ويضع إيران في خانة الطرف المتضرر. وتكمل صيغة المبني السياق المقصود لوقوع الفعل ووجود الضحايا بصفتهم "كينونة" موجودة، مع غياب الفاعل كتقنية لغوية (وليس نقص في المعلومة). يعمل هذا الإجراء اللغوي على تغيير مركز الثقل داخل الجملة، فينسب الفعل إلى الحدث the airstrike ، ويتجاهل، عمداً، من قام به، فيظهر القصف -عبر اللغة- ظاهرة طبيعية، لتقصيه عن دور القرار السياسي في حدوثه.
ويعود الفاعل بقوة في المقابل عندما يتعلق الأمر بالفعل الإيراني: "Iran launches…"، "Iran fires…"، "Iran targets…". فيحضر هنا حضوراً متعمداً، بالأحرى لا يجري تغييبه، وإنما يبرز على محو شديد في صيغة الحاضر البسيط. وتمارس اللغة، نتيجة لذلك، عمليتين متزامنتين: تخفيف وضوح الفعل الغربي، وتكثيف وضوح الفعل الإيراني.
وتتبعها طبقة أشد دقة تتمثل في الأسماء؛ فتُختزل إيران في مفردة "regime"، وتوصف الولايات المتحدة بـ "administration"، وتُمنح إسرائيل ألقاب "government" أو "defense forces". ويتجاوز الفرق بين "regime" و"government" الحدود المعجمية؛ ليحيل الأول إلى سلطة فاقدة للشرعية، ويشير الثاني إلى كيان سياسي طبيعي. وتتجاوز الكلمة هنا وصف الواقع نحو حسمه المسبق. ويعني هذا الآلية التي تحدد بها الكلمة موضع الواقع داخل تصور أخلاقي مسبق، ويضيع في خضم هذه البلاغة الكلمات التي تنقل الواقع كما هو فعلاً بعيداً عن أي تصور في ذهن من يكتبها عن بعد.
وتعمل الصيغ الشرطية في الاتجاه ذاته: "If Iran continues…"، و"If Iran escalates…". ويتوجه الشرط هنا نحو المستقبل -ضمن توقعات ضمنية باستمرار الفعل- مبنياً على افتراض ثابت يجعل التصعيد الإيراني احتمالاً طبيعياً. ويغيب هذا الشرط عند تقديم الفعل الغربي، فتندر صيغ مثل "If US strikes continue…"؛ لتقديمه كاستجابة حتمية أكثر من كونه احتمالاً مفتوحاً للنقد.
تسبق اللغة الحرب، بهذا المعنى، لتتخطى دور المواكبة. فتصنع قابلية تصديق الضربة، ممهدة لتبريرها، وصولاً إلى قبولها التام في لحظة ما. ويعود المعنى الفوكوي للخطاب إلى مركزه هنا؛ ليجعل من النتيجة المنطقية الوحيدة داخل شبكة المعاني المتاحة دونما تبريرها. فلا تظهر إيران، داخل هذا البناء اللغوي، بصفة الخصم السياسي، ولكن حالة من الخطر المستمر، والتهديد البنيوي، والكيان الخارج عن الإيقاع الطبيعي للعالم.
وعند بلوغ الخطاب هذه المرحلة، تفقد الحرب صفتها كقرار لتصبح تصحيحاً يعيد التوازن، وليس قرار يستدعي المسائلة.
يكتمل التحول هنا من الاستشراق المعرفي، إلى الاستشراق البنيوي، وصولاً إلى استشراق الحرب كشرط مسبق يمهد للعنف. ويحدث هذا جراء ترتيب اللغة للحقيقة ترتيباً يمنع قولها كاملة.
نعم... اللغة هنا لا تزيف الواقع بقدر ما تعيد ترتيبه، بحيث يصبح قول الحقيقة العارية أمراً متعذراً
............
*انظر هنا، السياسة واللغة الإنكليزية. ترجمة وتعقيب محمود الصباغ. https://aljarmaqcenter.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%b2%d9%8a%d8%a9-2/
** للمزيد، انظر،https://www.yahoo.com/news/articles/iran-says-us-israel-strikes-232651457.html



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عسكرة التنوير وصناعة العدو -المعرفي-
- الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: ...
- في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة ...
- فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج ...
- التحليل النفسي وصناعة -اليهودي الجديد- قراءة تفكيكية في كتاب ...
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...
- تقلبات مكان مقدس: المشهد الحسيني في عسقلان، بناءه وتدميره وإ ...
- حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً
- تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم ...
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر


المزيد.....




- سقوط صاروخ إيراني على مبنى في مدينة ديمونا جنوبي إسرائيل
- تقرير إسرائيلي: الحرس الثوري الإيراني جهّز حزب الله للحرب.. ...
- واشنطن تطرح على حماس مقترحًا مكتوبًا جديدًا: نزع السلاح مقاب ...
- الحرب في الشرق الأوسط.. أوروبا على مشارف أزمة طاقة أية انعكا ...
- قاض أمريكي يلغي قيود البنتاغون على الصحافة ويأمر بإعادة اعتم ...
- أحال العيد لمأتم.. قتلى وجرحى بانفجار للهيليوم بدمياط وسخط ف ...
- الحرب على إيران.. هل يكون الأسبوع الرابع منعطف التصعيد أم بد ...
- -هذه ليست حربنا-.. أوروبا تقول أخيرا -لا- للرئيس ترمب
- ليست مزحة.. دبلوماسي روسي يحذر من اللعب بالنووي في الخليج
- هل قصفت إيران دييغو غارسيا فعلا؟.. جدل واسع على المنصات


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - بصدد الجملة الإعلامية (1): اللغة التي تسبق الصاروخ