ضيا اسكندر
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 12:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كثُرت في الآونة الأخيرة مساعي سلطة الأمر الواقع لفرض نمطٍ من "الأسلمة" على المجتمع السوري، عبر إجراءاتٍ متلاحقة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية: من التضييق على الاختلاط، إلى فرض قيود على مظهر النساء في مؤسسات الدولة، وصولاً إلى تقييد بعض الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية. وهي ممارسات تتجاوز طابعها الإجرائي، لتغدو تدخلاً مباشراً في الحريات الشخصية، وسعياً لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيةٍ أحادية لا تعكس تنوّعه وتعدديته. ومن هنا، يصبح التنديد بها وفضحها واجباً أخلاقياً وسياسياً، دفاعاً عن حق الأفراد في اختيار أنماط حياتهم بعيداً عن الوصاية والإكراه.
غير أن خطورة هذه السياسات، على جسامتها، ينبغي ألا تحجب ما هو أعمق وأشدّ أثراً في بنية المجتمع والدولة. فبينما تنشغل الأنظار بهذه الإجراءات، يتواصل في الخلفية مسارٌ أكثر فتكاً: استشراء الفساد، توسّع شبكات النهب المنظّم، تسارع وتيرة اللبرلة غير المنضبطة، وبيع ما تبقّى من مؤسسات القطاع العام، بالتوازي مع اتساع رقعة الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية إلى مستويات غير مسبوقة. هذه التحوّلات تُعمّق غياب العدالة الاجتماعية، وتعيد تشكيل الاقتصاد بما يخدم قلةً على حساب الغالبية.
أما المهمة الأكثر إلحاحاً، فتشمل التشخيص والنقد، وتبلغ ذروتها في السؤال الحاسم: كيف يمكن تغيير هذا الواقع؟ هنا تبرز ضرورة العمل على بلورة بديلٍ وطني ديمقراطي، من خلال تشكيل جبهة عريضة تضمّ مختلف القوى السياسية والمدنية التي تؤمن بسوريا دولةً مدنية عادلة، تحترم الحقوق والحريات، وتكفل الكرامة لمواطنيها.
ولا يمكن لمثل هذا المسار أن يتقدّم دون تفعيل أدوات النضال السلمي بأشكاله المتعددة: من الإضرابات والاعتصامات، إلى التظاهر السلمي، مروراً بتكثيف الحضور في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، ورفع مستوى الوعي العام بطبيعة المرحلة وتحدياتها. إن تراكم هذه الأفعال الشعبية، مهما بدت صغيرة في بدايتها، يصنع التحوّل في نهاية المطاف، ويجبر السلطة على الانخراط في حلّ سياسي حقيقي وفق القرار 2254.
وفي المحصلة، يشكّل الدفاع عن الحريات الفردية ضرورة، ومواجهة الفساد أولوية، ويبقى الرهان الأكبر على قدرة السوريين في تنظيم صفوفهم، وتوحيد كلمتهم، وتحويل الغضب المتناثر إلى قوةٍ سياسية فاعلة، تفتح الطريق نحو سوريا التي نحلم بها: دولة قانون، تنتفي فيها الوصاية والإقصاء، ولا يُختزل فيها الإنسان إلى تابعٍ أو رقم.
#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟