علي الجلولي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 12:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يتصاعد العدوان على لبنان ويطال الأخضر واليابس، ويتجه أكثر الى المنشآت المدنية على طول البلاد وعرضها وخاصة في الجنوب والضاحية أين يتم استهداف ما بات يعرف ب"الحاضنة الشعبية" بهدف مزدوج، من جهة العمل الدؤوب على شحنها ضد المقاومة وتحديدا "حزب الله"، ومن جهة موازية شحن بقية مكونات الشعب اللبناني بكون المقاومة لم تجلب لهم الا الدمار والنزوح الدائم والتقتيل في واضحة النهار. توازيا مع ذلك تتصاعد أصوات الحكومة والقوى الطائفية الانعزالية بأن لبنان يدفع فاتورة غالية لان "قرار الحرب والسلم" خرج من يد الدولة الى يد "حزب الله" الذي يجب نزع سلاحه فورا تنفيذا لقرارات الأمم المتحدة (القرار 1701 تحديدا) وللاتفاقات مع الامريكان وكيان الاحتلال التي ضبطت جدولا زمنيا لتنفيذ عملية النزع.
المتغير اليوم هو استئناف "حزب الله" لضرباته ضد كيان الاحتلال تزامنا مع العدوان الصهيو-أمريكي على إيران، وهو ما يثير جدلا قويا وعاصفا في الساحة اللبنانية بين مختلف القوى، القوى المتحمسة لنزع سلاح الحزب بكل الأساليب والوسائل بما فيها الصلبة متذرعة بحجم الدمار والتدمير الذي يلحق لبنان نتيجة "انفلات" هذا السلاح، والقوى الوطنية التي تحمل الاحتلال وحلفائه مسؤولية استهداف لبنان. وفي كل الحالات فان الوضع الإقليمي بمجمله ينيخ بكلكله على الوضع اللبناني الذي لم يكن في يوم بمنأى عن هذا الوضع، بل لا نجانب الصواب ان قلنا ان الساحة اللبنانية هي ساحة رجع الصدى لكل المعادلات الآنية والجيو-استراتيجية في المنطقة والاقليم وذلك نظرا لموقعه وتركيبته، بل ثمة من يعتبر أن صغر الحجم الجغرافي والبشري للبنان يقابله كبر في حجم التأثير، وهذه مفارقة لبنان.
- لبنان خاصرة فلسطين
لن نأتي بجديد ان جزمنا أن لبنان هي خاصرة لبنان قوة وضعفا، وهدا بمعطيات الجغرافيا والتاريخ والمعادلات الحالية للصراع في المنطقة. لبنان هي الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، وتشكل أراضيها المحتلة (مزارع شبعا وتلال كفر شوبة) نقطة التقاء المثلث اللبناني الفلسطيني السوري، وهي ثلاثة أقطار تعاني الاحتلال الصهيوني المباشر. هذا الوضع الجغرافي خلق أسبقية تاريخية للبنان من واجهتين، واجهة احتضان أجزاء مهمة من المهجرين الفلسطينيين في وقت مبكر يسبق حتى اعلان التقسيم في 1947 والحرب في ماي 1948، فالنزوح القديم يعود الى ما قبل ذلك حين تنامى اعتداء العصابات الصهيونية على عرب فلسطين لفرض خروجهم من أرضهم. وواجهة الانطلاقة المبكرة لأعمال المقاومة التي دشنها لاجؤون فلسطينيون في مخيمات لبنان وقراها، ولبنانيون وعوا مبكرا الترابط العضوي لنضال الشعبين الشقيقين لمواجهة الاحتلال الصهيوني باعتباره خطرا لا على فلسطين فحسب، بل على لبنان وبقية الأقطار بمقتضى حقيقة العقيدة الصهيونية الحاملة لأطروحة "إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات"، وبمقتضى حقيقة السياسة الامبريالية إزاء المنطقة عوما لوضع اليد على مقدراتها وثرواتها وامكانياتها. لقد تقوت عبر التاريخ المعاصر وعبر مختلف ردهات القضية الفلسطينية والنضال الوطني الفلسطيني أواصر الارتباط والتداخل مع لبنان أرضا و شعبا، وتعمق ذلك في سبعينات القرن المنصرم حين أخرجت المقاومة من الأردن بعد جريمة أيلول/سبتمبر 1970 لتتحول بيروت الى عاصمة المقاومة والثورة وجمعت مخيماتها وضيعاتها أصدقاء فلسطين من كل العالم وهو ما قابله الاحتلال بالعدوان الدائم والاختراق الذي وصل مدينة بيروت سنة 1982 مما فرض على المقاومة الخروج والتوزع على عواصم عربية (تونس،دمشق،الجزائر،عدن،طرابلس). ودفع لبنان غاليا فاتورة الاحتلال المباشر لجزء من ارضه الذي استمر حتى سنة 2000 اين انسحب العدو تحت رصاص المقاومة، وفشل في فرض شريط منزوع السلاح أمنه جيش العميل أنطوان لحد. ورغم الانسحاب الذي فرض على دولة الاحتلال الا أن الطمع في وضع اليد على لبنان وفرض نزع سلاح المقاومة على الأقل جنوب نهر الليطاني، ظل الشغل الشاغل للمؤسسة العسكرية الصهيونية التي ترى أن أمن مستوطنات الشمال بقي تحت رحمة صواريخ المقاومة التي فرضت اخلاء شمال فلسطين المحتلة التي أصبح مستوطنوها لا يعيشون الا تحت الأرض، وقالت دراسات صهيونية أن هؤلاء المستوطنين هم الأكثر انهيارا نفسيا وعصبيا لانهم يعيشون تحت الرصاص رغم تواجد أقوى الفرق العسكرية والاستخبارية في منطقة الحدود التي تعد المنطقة الأخطر أمنيا في كيان الاحتلال.
- اسكات بندقية لبنان خطوة حاسمة لإخضاعه
لذلك ظل اخراس البندقية اللبنانية أحد أهم هواجس كيان الاحتلال، ولم يتأخر شارون، أعتى غلاة الصهيونية من اعتبار الساحة اللبنانية الأخطر لذلك دافع ونفذ فكرة "الانسحاب من غزة"، مقابل تعزيز التواجد العسكري والأمني والاستخباري على حدود لبنان وداخل أرضها. وتعتبر الساحة اللبنانية من أكثر الساحات اختراقا اعتمادا على تركيبتها الطائفية والعرقية وعلى انعكاسات الوضع الاقليمي على وضعها الاقتصادي والاجتماعي. لقد خلق كيان الاحتلال صفا مواليا له يتشكل من القوى الطائفية الانعزالية مثل "القوات" بزعامة سمير جعجع، و"الكتائب" بزعامة آل جميل، فضلا عن الأطراف السنية الموالية للسعودية والامارات والتي ظلت على العموم مناوئة للمقاومة التي تجلببت منذ تسعينات القرن المنصرم بجلباب طائفي كرسه "حزب الله" ولم يبذل جهدا يذكر للتحرر منه أو تقليص مفاعيله مما أضعف المقاومة وحرمها من تعزيز صفها، خاصة وأن قوتها الأساسية، أي "حزب الله" دافعت وكرست الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأكثر بؤسا والتي فاقمت تبعية لبنان وتفقير شعبها الذي يعرف أوضاعا معاشية مستمرة هي الأسوأ في العالم. لقد عززت هذه المناخات التي تتقاطع صلبها الأدوار الصهيونية والامبريالية والرجعية العربية، حالة التراجع في الشارع اللبناني وغذت النوازع الأكثر رجعية عند لفيف من الشعب ارتد الى أن الطائفة هي التي توفر الحماية، مما أضعف الوازع الوطني واعادة الانقسامات الحادة صلب المجتمع والتي تشابه مناخات أوساط السبعينات التي أشعلت الحرب الاهلية لمدة عقد ونصف (1975/1990).
ان الواضح والأكيد اليوم هو أن كيان الاحتلال يعمل أقصى جهده على محورين، محور نزع سلاح المقاومة بدفع الحكومة والقوى الانعزالية لممارسة أقصى ضغط سياسي واعلامي ونفسي ممكن على "حزب الله" للخضوع لهذا القرار، وعسكريا من خلال توجيه ضربات لا تتوقف على الحزب وعلى حاضنته وعلى مجمل لبنان. ان سياسة الكيان اليوم هي الضربات التي لا تتوقف والاستهداف الأقصى للمدنيين من أجل تسريع اخماد صواريخ المقاومة التي عادت بقوة لتضرب مستوطنات الشمال وأيضا قلب الكيان بعد أن تم تسويق أن الكيان اخرج نهائيا صواريخ الحزب عن الخدمة بعد تصفية اهم رموز صفه القيادي الاساسي. يتساوق ذلك مع النفخ في كل عناصر الحرب الاهلية الطائفية التي يعتبرها الكيان الورقة الوحيدة التي تكسر ظهر لبنان وتخرجه من معادلات الصراع العربي الصهيوني. وفي هذا الصدد يلعب الامريكان من خلال مبعوثهم الصهيوني "بارّاك" الى لبنان والمنطقة معززا بأقذر الأدوار للأنظمة الوظيفية وعلى رأسها الامارات التي تحولت فعليا الى رأس حربة كيان الاحتلال في المنطقة، وذلك بالربط مع أقذر القوى والشبكات وضخ أموال لا تحصى لتشغيل ماكينة الحرب الاهلية التي كثيرا ما يشعر اللبنانيون أنها دخلت فعليا حيز التنفيذ. وتعتبر مواقف مكونات الحكم الأساسية (رئيسي الدولة و الحكومة) والأطراف المكونة والداعمة لها والتي تكرس اليوم أفظع مفاعيل الاحتراب الداخلي بشحن الغضب ضد حزب الله وضد المخيمات الفلسطينية، لكن دون رصاصة واحدة ضد كيان الاحتلال، وغاب حتى منطق الإدانة لصالح تحميل "حزب الله" المسؤولية المباشرة لكل عدوان يتم، والدعوة العالية للشروع في مفاوضات مع كيان الاحتلال تنتهي بالتطبيع. لكن كيان الاحتلال لا يبالي بهذه الدعوات لأنه يعي جيدا أن مفعول هذا الكلام لا يتعدى دوائر "قصر بعبدا" و"سرايا الحكومة" وبعض بؤر التآمر عند جعجع وأضرابه.
- الشعب اللبناني والتناقض الرئيسي في لبنان والمنطقة
ان أقصر الطرق أمام الشعب اللبناني لن تكون الا بالوعي الحاد بطبيعة الصراع الدائر اليوم في المنطقة، وحقيقة العدوان الذي يستهدف لبنان أرضا وشعبا ضمن العدوان الذي يشمل اليوم المنطقة لإعادة تشكيلها ضمن "الشرق الأوسط الجديد" والذي يراد فيه مزيد تحجيم دور لبنان بل وتدميره كليا من خلال نزع سلاح المقاومة الممسوك من قبل حزب الله والفصائل الفلسطينية بما فيها سلاح الدفاع على المخيمات الذي جيء بالعميل "محمود عباس" لإمضاء اتفاق مع حكومة العسس في لبنان لنزعه، وهو ما بان بالمكشوف أنه اتفاق من لا يملك مع من لا يستحق. وبنفخ النوازع الطائفية المدمرة التي تأخذ اليوم شعار تصفية "المحور الشيعي" الذي يرمز الى قوى "الممانعة" وذلك بإسقاط نظام الأسد وتنصيب عميل "سني" على راسه، وتوجيه ضربات قاصمة لحزب الله، واليوم جاء الدور على لبنان. إثر ذلك يتم التوجه الى "المحور السني" ممثلا في الأقطاب الإقليمية تركيا/السعودية/مصر حتى يخلو المجال الشرق أوسطي للكيان الصهيوني وكيل الامبريالية، لاعبا وحيدا ومتحكما في حاضر المنطقة ومستقبلها.
ان مصلحة الشعب اللبناني هي في احباط هذه المشاريع التي لن تحقق "نمو لبنان واستقراره" كما يدعي أعداء لبنان والشعوب العربية، بل ستزيد في خراب لبنان ودماره على مختلف الأصعدة. ان الشعب اللبناني العظيم لن يكون الا مع وعيه وارثه النضالي والمقاوم، وما أوضاع اليوم الا فاصلا عارضا سيتكسر على صخرة صموده ووعي بناته وأبنائه الخلص.
15مارس 2026
#علي_الجلولي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟