أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فوزي مهنا - بين المظلومية اليهودية والمظلومية السنية السورية.. وخيانة المثقف















المزيد.....

بين المظلومية اليهودية والمظلومية السنية السورية.. وخيانة المثقف


فوزي مهنا

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 08:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يقول الراحل عبدالله العصيمي: "كلما تشدّد بعضهم بالإسلام كلما أعادونا أكثر إلى رمل الصحراء" من المظلومية اليهودية إلى المظلومية السنية، الأولى أنجبت عالم الكيمياء حاييم وايزمان (1874–1952) الذي قايض الانكليز في الحرب العالمية الأولى على تطوير طريقة صنع المتفجرات، مقابل الوقوف بجانب شعبه، لذلك كان وعد بلفور، وكان قيام دولة إسرائيل الغاصبة، وكان أول رئيس لهذه الدولة، في حين جلبت المظلومية السنية السورية، أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) بعد أن قامت أجهزة المخابرات الغربية بتدريبه وترويضه، والمقايضة بتمكينه من دخول دمشق، مقابل تفكيك بنيان الدولة السورية، تنفيذاً للمخطط الأمريكي الصهيوني.
بذلك يمكن القول إن المظلومية عبر التاريخ تختلف من شعب إلى آخر، وفقاً لطبيعة هذا الشعب، فهي إما أن تؤدي إلى التفوق العلمي والفكري والعقلاني، كما في الحالة اليهودية، التي أنتجت علماء ومفكرين وفلاسفة، ساهموا بشكلٍ كبير في نهضة الحضارة الإنسانية، أو أنها تنتج عنفاً وانغلاق عقلي وفكري، وعودة المثقف الى المربع الطائفي الأول، كما هو في الحالة السورية اليوم.
فاليهود وعلى الرغم من حجم الاضطهاد الكبير الذي تعرّضوا له عبر التاريخ، من إحراق معابدهم، وملاحقتهم بتهمة ذبح الأطفال المسيحيين ليصنعوا الفطير بدمائهم، إلى عمليات الطرد المتكررة والمتتالية من عموم دول القارة الأوروبية، فضلاً عما تعرضوا له من تنكيل على أيدي النازيين، رغم كل ذلك إلا أنهم أظهروا قدرة فائقة على تحويل هذه المظلومية إلى مشروع عقلاني حديث، تمثّل ذلك في بروز نخب علمية وفلسفية وفكرية، ساهمت إلى حدٍ كبير في تقدم البشرية.
وبينما أنجبت المظلومية اليهودية كل من عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين (1879–1955) الذي صاغ النظرية النسبية، وسيغموند فرويد الذي أسّسّ علم النفس التحليلي، وباروخ سبينوزا الذي وضع لبنات العلمانية الحديثة وفلسفة التنوير، وسيغموند فرويد، وكارل ماركس، وماكس فيبر وإريك فروم، وحنا آرندت، وغيرهم من علماء وفلاسفة وعباقرة آخرون، جلبت المظلومية السنية السورية سلطة فصائلية جهادية تكفيرية، يتحكّم بها مشايخ جبهة النصرة، من عبد الرحيم عطّون، صاحب كتاب "الغنائم وأحكامها في الجهاد المعاصر"، إلى عبدالله المحيسني، وأطروحته للدكتوراه: "مرتكزات الأمن الشامل في إقامة الدولة في السنة النبوية" إلى أبو عمشة ومسؤولين كبار في السلطة السياسية والعسكرية، الذين لا يحمل بعضهم الشهادة الإعدادية، لتعمل هذه السلطة، ليس على ظلام السوريين وتخلفهم، إنما على ظلام الحضارة البشرية جمعاء.
وفي حين تمكّنت العقلية اليهودية من قيام دولة إسرائيل، بناءً على مرويات وأساطير توراتية، تمكّنت العقلية السنية السورية، خلال شهور قليلة من تحويل المشروع السوري من قضية تحرر وطني، إلى مشروع "هدم" استهدف أسس الحضارة السورية ذات الثمانية آلاف عام، وبدلاً من أن تُنتج هذه المظلومية نخباً فلسفية وفكرية، أنتجت أدبيات "الغنائم" و"الأمن الجهادي الشامل" بمفهومه الدموي القمعي، فضلاً عن قيادات عسكرية وسياسية تفتقر للحد الأدنى من التأهيل التعليمي والمدني، مما أغرق البلاد في ظلامية فكرية، وبينما قايض وايزمان بالعلم والمعرفة، من أجل قيام دولة إسرائيل، قايض أبو محمد الجولاني بدماء السوريين وتفكيك الدولة والمجتمع، مقابل التمّكن من السلطة المرتبطة بأجندات خارجية.
بذلك تكشف لنا العقلية السنية السورية اليوم، عن حجم الكارثة التي تشهدها سورية، من خلال المسار الديني السلفي الهدّام، الذي تسلكه هذه السلطة، من جهة وعدم انتاجها نخباً علمية أو فلسفية من شأنها المحافظة على المشروع الوطني، من جهة ثانية، بل طغى عليها خطاب ديني عقائدي جهادي مُغلق، مما حوّل هذه المظلومية إلى أداة تعبئة طائفية والعودة للقبلية البدائية، وهو ما أدى لممارسات دموية وانقسامات حادة، في الساحة السورية، أسهمت إلى حد بعيد في تعميق الشروخ المجتمعية وتفتيت الهوية السورية
ثبت ذلك من خلال انقياد تلك النخب بشكل طائفي أعمى خلف هذه الفصائل، مما ساهم في فشل تحويل الألم السني إلى مشروع نهضوي، وبينما نجح اليهود في جعل العالم يحترم إبداعاتهم العلمية والفكرية ويخضع لنفوذهم المتصاعد، أدت ممارسات هذا الفصائل وسكوت تلك النخب عما تقوم به من مجازر وتخريب، إلى تكريس النظرة التقليدية التي يحملها المجتمع الدولي حيال الإسلام والمسلمين، المتمثلة بوصمهم بالتخلف والإرهاب.
وعليه فإن الكارثة السورية الحقيقية اليوم هي في "العقل المستقيل" للنخبة السنية التي رأت بهذه الفصائل، سبيلاً للوصول للسلطة، فخسرت السلطة والوطن معاً، هنا تظهر الفجوة الحضارية الكبرى، بين المظلوميتين، وبينما ساهمت العقلية اليهودية في تأسيس عدد من المعاهد والجامعات الغربية، فضلاً عما تتمتع به من نفوذ عالمي كبير على كافة الصعد، الفكرية والسياسية والإعلامية والمالية والاقتصادية، تقوم العقلية السنية السورية اليوم، بإنتاج معاهد الشريعة ومراكز تحفيظ القرآن، بهدف تغييب عقل الإنسان، فضلاً عما تقوم به من متغيرات خطيرة، سواء فيما يتعلق بتديين المجتمع والعمل على تغيير ثقافته المُتمدِّنة، أو على المستوى العلمي، المتمثل في تعديل المناهج، وما يترتب عن ذلك من حذف الفلسفة، والموسيقى، واستبدالها بمواد دينية تُكرس "فقه ابن تيمية"، لما من شأنه إعادة السوريين إلى عهود الظلام.
بذلك يمكن القول إن المظلومية اليهودية كانت "مشروعاً متميزاً للعقل والابداع"، اتصف بالصبر والحكمة والمعرفة، تمكن خلالها اليهود من تحقيق نفوذ عالمي كبير، وصولاً لدولتهم المصطنعة، والتي باتت اليوم المتحكمة بعموم دول المنطقة، أما المظلومية السنية السورية، وبسبب "خيانة المثقفين" وارتهانهم لسلطة المشايخ والجهلة، فقد تحوّلت إلى "مشروع للانتحار الحضاري"، وضياع الدولة، وبدلاً من أن تُخرج هذه المظلومية للسوريين "أينشتاين سوري" وفقاً لقول راتب شعبو، يمكن له إعادة بناء الدولة الحديثة، أخرجت لنا "أمراء حرب وقَتلة" يتاجرون بالدين والدم والوطن، ومثقفين "كتبة يُلمِّعون أفعالها.
وبدلاً من أن تكون المأساة السورية لحظة مراجعة من شأنها تلمس طريق النهوض، تحولّت على أيدي هذه النخب، إلى خطاب تبريري، وإعادة اجترار الخطاب الأسدي ونهجه الاستبدادي، من خلال تعليق ما يحصل من فشل على شماعات بقية المكونات السورية والقوى الخارجية، لذلك يقول الكاتب الياباني "نوبو أكينو تاهارا" في كتابه "العرب من وجهة نظر يابانية"، "إن المجتمعات التي لا تتعلم من صدماتها، فهي محكوم عليها بتكرارها".
خلاصة القول: لم تكن المظلومية اليهودية مجرد لطم وبكاء واستعلاء وتكبر، والعودة إلى رمال الصحراء، كما هي في الحالة السنية السورية، بل كانت دافعاً أساسياً للتفوق العلمي والحضاري، وبينما أدرك المثقف اليهودي أن سر البقاء لا يكون بالانغلاق واتباع رجال الدين، إنما بامتلاك العلم وناصية المعرفة، أخذ المثقف السني السوري يدافع عن الفصائل الدينية التكفيرية الحاكمة، وبدلاً من أن يفرض رؤيته المدنية عليها، أخذ بالخضوع لها وتبرير كل ما تقوم به من أفعال.



#فوزي_مهنا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من حسني الزعيم.. المجرم عديم الضمير.. إلى أحمد الشرع.. ماذا ...
- شعب يستقبل الحاكم بالورود، ثم يودعه بالأحذية
- سورية.. شعب لديه قابلية للاستعباد!!
- الأكثرية السورية.. جوع السلطة!! وخراب البلاد
- سورية.. قتلتها السلطة!
- دور الاسلام المتطرف في تبييض صورة اسرائيل السوداء


المزيد.....




- أزمة مضيق هرمز تهدّد -الساموسا- والشاي بالحليب في الهند
- تناقضات بين قادة الاستخبارات الأمريكية وترامب بشأن رد إيران ...
- هل تخطّط الصين فعلًا لغزو تايوان في عام 2027؟
- ما حقيقة فيديو -ضرب مصالح أمريكية في الدمام بصاروخ باليستي إ ...
- هجمات إيرانية واسعة على منشآت الطاقة في دول المنطقة.. ما الخ ...
- استهداف حقل بارس وغيره.. هل تشعل إسرائيل المنطقة دون موافقة ...
- حرائق في منشآت طاقة خليجية إثر هجمات إيرانية
- غارات إسرائيلية جنوب لبنان وحزب الله يقصف كريات شمونة
- الدفاع السعودية تعلن سقوط مسيرة في مصفاة سامرف وتدمير صاروخ ...
- شظايا صاروخ تودي بحياة 3 نساء في صالون لتصفيف الشعر بالضفة ا ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فوزي مهنا - بين المظلومية اليهودية والمظلومية السنية السورية.. وخيانة المثقف