ناظم زغير التورنجي
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 03:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ناظم زغير التورنجي/ ابوحازم التورنجي
من منظور ماركسي، لا تُفهم الحروب بوصفها حوادث عارضة أو انحرافات عن “طبيعة” النظام الدولي، بل باعتبارها نتيجة بنيوية لتطور الرأسمالية نفسها، خاصة في مرحلتها العليا: الإمبريالية. وقد قدّم كلّ من كارل ماركس وفلاديمير لينين الأسس النظرية التي تفسّر هذا الترابط العضوي بين الرأسمالية والحروب.
في التحليل الماركسي، تقوم الرأسمالية على مبدأ التراكم المستمر لرأس المال، أي تحويل فائض القيمة المستخرج من العمل إلى استثمارات جديدة. ومع تطور هذا النظام، تتجه الرأسمالية من المنافسة الحرة إلى الاحتكار، حيث تتركّز الثروة والسلطة في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى والبنوك. هنا تظهر الحاجة إلى توسيع الأسواق وتأمين مصادر المواد الخام الرخيصة، وهو ما يدفع الدول الرأسمالية المتقدمة إلى التوجه نحو الخارج.
يصف لينين هذه المرحلة بأنها “الإمبريالية”، حيث تتشابك مصالح الرأسمال الصناعي مع الرأسمال المالي لتشكّل ما يُعرف برأس المال الاحتكاري. في هذا السياق، تصبح الدولة أداة بيد هذه الاحتكارات، فتتحول السياسات الخارجية إلى وسيلة لخدمة مصالحها. ومن هنا تنشأ الحروب، ليس بدافع الدفاع أو القيم، بل بدافع إعادة تقسيم العالم بين القوى الكبرى.
إن الحروب، وفق هذا المنظور، هي استمرار للسياسة الاقتصادية بوسائل عنيفة. فعندما تضيق الأسواق، أو تتنافس القوى الكبرى على مناطق النفوذ، يصبح الصدام العسكري وسيلة لحسم التنافس. وقد شهد التاريخ الحديث أمثلة واضحة على ذلك، حيث ارتبطت الحروب الكبرى بالصراع على المستعمرات، ومصادر الطاقة، والممرات التجارية.
أما البلدان الضعيفة، فهي تقع في قلب هذا الصراع بوصفها موضوعًا للهيمنة. تُفرض عليها أشكال متعددة من السيطرة:
- السيطرة الاقتصادية عبر القروض والتبعية المالية
- السيطرة السياسية عبر دعم أنظمة موالية
- وأحيانًا التدخل العسكري المباشر
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الاستعمار الحديث (أو “الاستعمار الجديد”) باعتباره شكلاً محدثًا من نفس العلاقة الاستغلالية، حيث لم تعد السيطرة بالضرورة عبر الاحتلال المباشر، بل عبر آليات السوق والمؤسسات الدولية.
يرى التحليل الماركسي أن هذه الحروب ليست حتمية أبدية، بل مرتبطة ببنية النظام الرأسمالي نفسه. وبالتالي، فإن تجاوز الحروب يتطلب تجاوز هذا النظام، وبناء علاقات إنتاج بديلة تقوم على التعاون بدل التنافس، وعلى تلبية حاجات الشعوب بدل تعظيم الأرباح.
خلاصة القول: الحروب في عصر الإمبريالية ليست انحرافًا عن الرأسمالية، بل تعبيرًا مكثفًا عن تناقضاتها الداخلية، وعن سعيها الدائم للهيمنة على موارد العالم وأسواقه، حتى لو كان الثمن هو الدمار الواسع ومعاناة الشعوب.
#ناظم_زغير_التورنجي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟