أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟















المزيد.....

وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 09:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين نتحدث عن سلوك الجيوش، لا يكفي أن ننظر إلى السلاح والرتب والخطط العسكرية. فالجيوش لا تتحرك فقط بالعقيدة القتالية، بل أيضاً بما ترسّب في وعيها الجمعي من مخاوف، وعُقد، وصور عن الذات والآخر. ومن هنا يبرز سؤال حساس ومقلق: لماذا يبدو الجيش التركي، في كثير من السياقات، شديد القسوة تجاه الغرباء، أو تجاه من يُنظر إليهم بوصفهم عنصراً دخيلاً أو خطراً محتملاً؟ هل نحن أمام حذر أمني مبرر تفرضه الجغرافيا والتاريخ والصراعات؟ أم أن هناك شيئاً أعمق: عقدة نفسية متجذرة تجعل العنف تجاه “الآخر” أسهل، بل أحياناً أقرب إلى رد فعل غريزي؟

هذا السؤال لا يهدف إلى شيطنة كل فرد داخل المؤسسة العسكرية التركية، ولا إلى تجاهل تعقيدات الأمن القومي في بلد محاط بالنزاعات والحدود الملتهبة. لكنه أيضاً لا يجوز أن يُقمع بحجة الحساسية السياسية. فحين يتكرر نمط القسوة، وحين يصبح “الغريب” أو المختلف عِرقياً أو سياسياً أو لغوياً هدفاً أسهل للتجريم والإذلال، فمن حقنا أن نسأل: ما الذي يحدث في العمق؟

الدولة التي تخاف من الاختلاف

تركيا الحديثة، منذ تأسيس جمهوريتها، لم تُبنَ على التصالح الكامل مع التعدد، بل على محاولة صهره. كانت الدولة تريد مواطناً واحداً، لغة واحدة، سردية واحدة، وولاءً واحداً لا يناقش. وهذا التكوين الصلب جعل المؤسسة العسكرية، لزمن طويل، ترى نفسها حارسة لا فقط للحدود، بل لهوية مصممة مسبقاً، هوية لا تحتمل كثيراً من المرونة.

وحين تتربى مؤسسة بهذا الحجم على فكرة أن المختلف ليس مجرد آخر، بل تهديد محتمل، فإن القسوة لا تعود استثناءً، بل تصبح جزءاً من آلية التفكير. الغريب لا يُرى كإنسان له ظروفه وتعقيده، بل كاحتمال خطر. ومع الوقت، تتحول هذه النظرة من الحذر إلى التصلب، ومن التصلب إلى القسوة، ومن القسوة إلى ما يشبه الوحشية المبررة داخلياً.

بين الأمني والنفسي

نعم، يمكن للجيش التركي أن يقول إنه يعمل في بيئة خطرة:

حدود مع سوريا والعراق

صراع طويل مع الحركة الكردية المسلحة

هواجس التهريب والتسلل والإرهاب

وانقلابات ومحاولات اختراق في تاريخ الدولة نفسها

كل هذا صحيح من زاوية أمنية. لكن الصحيح أيضاً أن الخطر لا يبرر دائماً الطريقة التي يُعامل بها “الآخر”. فالحذر الأمني شيء، والتجرد من الإنسانية شيء آخر. وهناك فرق هائل بين جيش متيقظ، وجيش يتصرف كما لو أن كل غريب مشروع عدو.

حين تصبح القسوة مبالغاً فيها، وحين يغيب التناسب بين التهديد ورد الفعل، وحين تختلط العقيدة العسكرية بمزاج قومي متشنج، نكون قد انتقلنا من “الحذر” إلى “العقدة”.

هل هناك عقدة نفسية فعلاً؟

في رأيي، نعم، هناك ما يشبه العقدة النفسية داخل جزء من العقل العسكري التركي تجاه “الغريب” و”المختلف”. وهذه العقدة ليست وليدة اليوم، بل هي خليط من:

إرث الإمبراطورية التي تفككت

خوف دائم من التقسيم

ذاكرة انقلابية داخل الدولة

حساسية مفرطة تجاه الأقليات والحدود

وشعور مزمن بأن البلاد محاطة بالأعداء والمؤامرات

هذا الخليط ينتج عقلية شديدة الارتياب. والارتياب المستمر، إذا دخل المؤسسة المسلحة، يحوّلها من مؤسسة دفاع إلى مؤسسة تشتبه في الجميع. وعندما يضاف إلى ذلك الخطاب القومي الحاد، يصبح التعامل مع الغرباء أقرب إلى عملية “تأديب” لا إلى إجراء أمني.

هنا لا يعود العنف مجرد أداة، بل يصبح تعبيراً عن خوف دفين، خوف من الآخر لأنه يذكّر المؤسسة بأنها ليست مطلقة السيطرة، وأن الهوية التي تحرسها ليست صلبة كما تتخيل.

وحشية موجهة دائماً إلى الأسهل

المشكلة أن هذه القسوة لا تُمارس عادة ضد الأقوى، بل ضد الأضعف:

لاجئ

معارض

كردي

سوري

ناشط

صحفي

أو أي شخص لا يملك حماية سياسية أو اجتماعية

وهنا تظهر الطبيعة الحقيقية للأمر. لأن الوحشية تجاه من لا يملك قوة مماثلة لا تدل على ثقة، بل على قلق داخلي. المؤسسة الواثقة تضبط نفسها. أما المؤسسة التي تخاف، فهي تميل إلى الإفراط في الردع، وإلى استخدام الخشونة لتعويض هشاشتها النفسية.

الغريب كمرآة

أحياناً لا يكره بعض الناس الغريب لذاته، بل لأنه يوقظ فيهم أسئلة لا يريدون مواجهتها. الغريب يذكّرهم بأن العالم أكبر من روايتهم، وأن الدولة ليست نقية كما يحبون أن يصدقوا، وأن الهوية يمكن أن تكون مرنة ومتعددة. وهذا يزعج العقلية المغلقة.

الجيش الذي تشكّل داخل بيئة تمجد الصلابة وتخاف من التعدد، قد يرى في الغريب مرآة تفضح توتره الداخلي. ولذلك يتعامل معه بعنف، لا لأنه يملك دائماً سبباً مقنعاً، بل لأنه يريد إسكات هذا الاضطراب الداخلي بالقوة.

هل الحذر مبرر؟

يمكن القول إن جزءاً من الحذر مبرر. لا توجد دولة عاقلة تتجاهل أمن حدودها أو تهديدات السلاح والتنظيمات المسلحة. لكن الحذر المبرر يفقد شرعيته حين يتحول إلى:

تعميم

عنصرية

إذلال

أو قسوة مفرطة

الحذر يصبح غير مبرر حين لا يميز بين المقاتل والمدني، بين الخطر الحقيقي والهوية المشتبه بها، بين الدفاع عن الدولة والانتقام النفسي من “الآخر”. وهنا لا يعود الحذر حماية، بل يصبح مرضاً سياسياً وأخلاقياً.

الخطر الأكبر

الخطر الأكبر ليس فقط على الضحايا، بل على تركيا نفسها. لأن المؤسسة التي تعتاد التعامل الوحشي مع الغرباء، يسهل عليها لاحقاً أن تعامل أبناء الداخل بالطريقة نفسها. من يتعود على تجريد الآخر من إنسانيته، لن يجد صعوبة كبيرة في توسيع دائرة “الآخر” لاحقاً لتشمل:

المعارض

المختلف

الصحفي

الأكاديمي

أو المواطن الذي يرفع صوته

وهكذا تتحول القسوة من سلوك حدودي إلى ثقافة دولة.

الخاتمة

وحشية الجيش التركي ضد الغرباء ليست، في رأيي، مجرد حذر أمني مبرر. نعم، هناك عناصر أمنية حقيقية في البيئة التركية، لكن ما يظهر أحياناً يتجاوز الحذر إلى شيء أعمق: عقدة نفسية جماعية تجاه المختلف، يغذيها التاريخ، والقومية المتشنجة، والخوف من التفكك، وغياب التصالح مع التعدد.

وحين لا تُعالج هذه العقدة، فإنها لا تنتج أمناً حقيقياً، بل تنتج مزيداً من القسوة، ومزيداً من الخوف، ومزيداً من العنف الذي يلتهم إنسانية الضحية والجلاد معاً.

فالدولة القوية ليست التي تخيف الغريب فقط، بل التي تستطيع أن تضبط خوفها منه.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...
- هل سيقوم الرئيس الأمريكي القادم بدعم الأكراد مجددًا؟
- زيادة أسعار الكهرباء في سوريا: من المستفيد فعليًا… الدولة أم ...
- المسلمون: ظاهرة صوتية
- أن تكون متديّنًا وعنصريًا في الوقت نفسه: ازدواجية الشعور عند ...


المزيد.....




- -ما تصغروناش-.. بيومي فؤاد وأكرم حسني في جدة بموسم العيد
- الإمارات تعلق على هجمات استهدفت منشآت للنفط والغاز في إيران ...
- فيديو متداول لـ-غارات على منشآت صاروخية إيرانية بمضيق هرمز-. ...
- مراسل CNN يلقي نظرة قرب ناقلة بأحد أكثر الممرات المائية ازدح ...
- بيت هيغسيث، من مقدّم برامج تلفزيونية إلى وزير دفاع ترامب، ما ...
- -جدار الحماية- يتشقق.. هل يُكسر المحظور حول-البديل- الألماني ...
- -عدالة- و-مرارة-..صدى فوز المغرب على السنغال في الصحافة الدو ...
- بيان تضامني: لا لتجريم الاحتجاج والدفاع عن الحق في الحياة في ...
- بعد اغتيال علي لاريجاني.. من يدير إيران الآن؟
- تعرض أحد أكبر منشآت الغاز في إيران لهجوم أمريكي-إسرائيلي.. ا ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟