|
|
إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 07:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
18 آذار/مارس 2026
مقدمة
شكّلت الحرب التي إندلعت عقب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 نقطة تحوّل مفصلية في البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط. فإلى جانب آثارها العسكرية المباشرة، كشفت الحرب عن عملية أعمق تتعلق بإعادة هندسة التحالفات ضمن النظام الإقليمي. وفي هذا السياق طرحت حكومة نتنياهو رؤية جديدة تقوم على إنشاء تحالف متعدد الأضلاع يضم دولاً من الشرق الأوسط وشرق المتوسط وجنوب آسيا وأفريقيا، في مواجهة ما تصفه إسرائيل بمحاور إقليمية منافسة.
تتناول هذه الدراسة التي نشرها "المجلس الروسي للشؤون الدولية" التحولات التي أفرزتها الحرب من خلال تحليل ثلاثة إتجاهات رئيسية في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية: 1. ظهور فكرة التحالف السداسي المرتبط بإسرائيل. 2. تشكّل كتلة سنية محتملة حول تركيا والسعودية وباكستان. 3. تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس بين منظومات تحالف متداخلة تشمل قوى دولية وإقليمية. وتهدف الدراسة إلى تحليل هذه الإتجاهات في إطار أوسع يتعلق بتطور النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بعد تراجع نموذج «محور المقاومة» الإيراني.
أولاً: خلفية الحرب وإعادة تعريف النظام الإقليمي
جاءت حرب 2026 في سياق سلسلة من الأزمات الإقليمية المتراكمة منذ حرب غزة عام 2023، والتي أدت إلى تآكل التوازنات التي حكمت الشرق الأوسط خلال العقد السابق. فقد أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في المنطقة إلى إضعاف الشبكة الإقليمية التي إعتمدت عليها إيران، والتي كانت ترتكز على دعم حركات وقوى غير حكومية في عدة ساحات مثل لبنان والعراق واليمن وغزة وسوريا. ومع إنهيار أجزاء من هذه الشبكة، برزت لدى القيادة الإسرائيلية قناعة بأن النظام الإقليمي يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن فيها إعادة هندسة التحالفات على أساس موازين القوى الجديدة. ضمن هذا السياق طرح نتنياهو فكرة إنشاء تحالف متعدد الأضلاع يضم: الإمارات، الهند، اليونان، قبرص، وشركاء أفارقة مثل أرض الصومال أو إثيوبيا. ويهدف هذا الترتيب إلى تحويل إسرائيل إلى محور جيوسياسي بين آسيا وأوروبا عبر دعم مشروع الممر الإقتصادي المعروف باسم: الممر الإقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا India–Middle East–Europe Economic Corridor (IMEC).
غير أن البعد الإقتصادي ليس سوى أحد أوجه المشروع، إذ إن جوهره الحقيقي يتمثل في بناء منظومة أمنية مضادة لمحاور إقليمية أخرى.
ثانياً: صعود فكرة «المحور السني»
في المقابل تشير عدة مؤشرات إلى تشكّل كتلة إقليمية يمكن وصفها بـ«المحور السني» تتمحور حول ثلاث دول رئيسية: تركيا والسعودية وباكستان.
وقد إكتسب هذا الإتجاه زخماً بعد توقيع إتفاقية دفاعية بين الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025 تضمنت صيغة دفاع جماعي تشبه المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي.
من الناحية الإستراتيجية يقوم هذا الترتيب على تكامل ثلاثي في الموارد: 1. القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية. 2. الموارد المالية والإستثمارية السعودية. 3. القدرات النووية الرمزية الباكستانية.
ويمثل هذا الترتيب أيضاً محاولة من هذه الدول لتقليل إعتمادها على الضمانات الأمنية الأمريكية، خصوصاً في ظل تزايد الشكوك بشأن إلتزام واشنطن طويل المدى بأمن الشرق الأوسط. كما تشير بعض المؤشرات إلى إمكانية توسع هذا التكتل ليشمل دولاً أخرى مثل: قطر ومصر. حيث شهدت العلاقات التركية مع هاتين الدولتين تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد تصاعد الحرب في غزة.
ثالثاً: التحالف الإسرائيلي متعدد الأضلاع
في مواجهة هذا التطور تسعى إسرائيل إلى بناء شبكة تحالفات متعددة المستويات يمكن وصفها بـ «المضلع الإستراتيجي الإسرائيلي». يرتكز هذا المشروع على ثلاثة محاور جغرافية رئيسية: 1. محور الخليج تمثل الإمارات الركيزة الأساسية لهذا المحور، نظراً إلى إستمرار التعاون الأمني والعسكري بين أبوظبي وتل أبيب منذ توقيع إتفاقيات أبراهام عام 2020. وقد أثبتت حرب 2026 أن العلاقات بين الطرفين لم تتأثر سلباً بالأزمات الإقليمية، بل شهدت توسعاً في التعاون العسكري والتقني. 2. محور شرق المتوسط يشمل هذا المحور: اليونان وقبرص حيث تعمل الدول الثلاث على تطوير تعاون أمني في شرق المتوسط، في إطار التنافس الجيوسياسي المتزايد في المنطقة، خاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية. 3. المحور الآسيوي يُعد التقارب مع الهند أحد أهم عناصر الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، إذ ترى إسرائيل في الهند شريكاً إستراتيجياً قادراً على: ▪️تعزيز مشاريع البنية التحتية العابرة للقارات ▪️خلق توازن إستراتيجي في جنوب آسيا في مواجهة باكستان
رابعاً: التنافس في القرن الأفريقي والبحر الأحمر
يمثل القرن الأفريقي أحد أهم ميادين الصراع الجيوسياسي الجديد في الشرق الأوسط. وتسعى إسرائيل والإمارات إلى تعزيز نفوذهما في هذه المنطقة عبر علاقات مع: صوماليلاند وإثيوبيا. ويهدف هذا التوجه إلى السيطرة على الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر، التي أصبحت ساحة تنافس بين عدة قوى إقليمية. في المقابل تحاول السعودية بناء شبكة أمنية مضادة في المنطقة عبر التعاون مع مصر والصومال، بهدف الحد من النفوذ الإماراتي والإسرائيلي.
خامساً: دور الولايات المتحدة والقوى الدولية
لا يمكن فهم إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط دون النظر إلى دور الولايات المتحدة. فواشنطن ترتبط باتفاقيات دفاعية مع معظم أطراف المعسكرين المتنافسين، ما يجعلها في موقف معقد. ومن بين الخطوات التي إتخذتها الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في العراق والأردن وتواجدها البحري شرق البحر المتوسط، في إطار إستراتيجية تهدف إلى تقوية الجناح الشرقي. في الوقت نفسه قد تفتح هذه التحولات المجال أمام قوى دولية أخرى مثل روسيا لمحاولة لعب دور الوسيط أو الإستفادة من تشتت الإهتمام الدولي عن صراعات أخرى.
سادساً: نهاية مرحلة «إتفاقيات أبراهام»؟
تشير التطورات الأخيرة إلى أن إتفاقيات أبراهام لم تعد تمثل الإطار المركزي لإدارة العلاقات العربية-الإسرائيلية. فالحرب في غزة منذ عام 2023، ثم الحرب مع إيران في 2026، أدتا إلى إعادة تعريف أولويات دول المنطقة. وبدلاً من محور واحد يقوده التقارب العربي-الإسرائيلي، بدأ يظهر نظام إقليمي متعدد المحاور يقوم على توازنات معقدة بين: إسرائيل، تركيا، السعودية، وإيران. وهو ما يشير إلى إنتقال الشرق الأوسط إلى مرحلة التنافس بين تحالفات مرنة بدلاً من محاور ثابتة.
خاتمة
تكشف الحرب بين إسرائيل وإيران عام 2026 عن مرحلة جديدة في تطور النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فبدلاً من الإنقسام التقليدي بين محور إيراني ومحور عربي-إسرائيلي، بدأت تظهر منظومة أكثر تعقيداً من التحالفات المتداخلة.
ويبدو أن الإتجاه العام يسير نحو تعدد مراكز القوة الإقليمية، حيث تتنافس عدة دول – إسرائيل وتركيا والسعودية وإيران – على تشكيل شبكات نفوذ وتحالفات عابرة للأقاليم.
ومن المرجح أن يؤدي هذا التحول إلى زيادة سيولة النظام الإقليمي وإرتفاع مستوى التنافس الجيوسياسي، خاصة في مناطق إستراتيجية مثل شرق المتوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
*****
المراجع والهوامش
1. المجلس الروسي للشؤون الدولية، «في فجر محور جديد: كيف تعيد الحرب مع إيران تشكيل التحالفات الإقليمية»، 13 آذار/مارس 2026 بقلم: أنطون مارداسوف محلل رئيسي في مركز الدبلوماسية الشعبية. وإيغور سوبوتين معلق في الشؤون الدولية لدى رئاسة تحرير صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا»، ومحلل رئيسي في مركز الدبلوماسية الشعبية.
2. المجلس الروسي للشؤون الدولية يُعد أحد أبرز مراكز التفكير في روسيا think tank، وقد تأسس عام 2011 بمبادرة من مؤسسات حكومية وأكاديمية بهدف تحليل السياسات الدولية وتعزيز حضور موسكو في النقاشات العالمية. يجمع المجلس بين دبلوماسيين سابقين وخبراء وباحثين، ويقدّم دراسات وتقديرات إستراتيجية حول قضايا السياسة الخارجية، ما يجعله منصة تجمع بين البحث الأكاديمي والرؤية شبه الرسمية للدولة، خاصة في ظل ارتباطه بشخصيات بارزة مثل سيرغي لافروف: رئيس مجلس الأمناء وإيغور إيفانوف: وزير الخارجية السابق، المدير التنفيذي.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين - «الولايات المتحدة تعمل على تفكيك شبكة حلفائن
...
-
لا حليف لأمريكا سوى إسرائيل
-
إيران بين النفط والخوارزميات - كيف يقرأ مفكران روسيان الحرب
...
-
ألكسندر دوغين - الحرب بوصفها نهاية للعالم
-
لماذا توسّع إيران ضرباتها لتشمل دول الخليج؟ تحليل روسي
-
الدين والسياسة في الحرب ضد إيران: قراءة تحليلية لأطروحات فال
...
-
ألكسندر دوغين: الجميع منشغلون بإعادة تقسيم العالم… بينما نحن
...
-
لغز حرب إيران: هل أخطأ ترامب الحسابات الكبرى؟
-
ألكسندر دوغين - الخلافة العباسية الجديدة: كيف يتخيّل دوغين ص
...
-
العدوان الثنائي على إيران - جردة حساب أولية
-
إلى أن يرمش أحدهم أولاً: هل خرجت حرب الشرق الأوسط عن السيطرة
...
-
حرب تتسع… ونقاش يتفجر في واشنطن
-
مأزق الردع الإيراني: هل أخطأت إيران إستراتيجيًا؟ ولماذا لا ت
...
-
ما وراء التفوق العسكري: كيف يمكن لواشنطن أن تخسر حربًا لا تُ
...
-
ظلال فيتنام وأفغانستان: هل تكرر أمريكا أخطاءها في مواجهة إير
...
-
ألكسندر دوغين - حرب بعل
-
الأكراد وإيران في مرمى الإستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية
-
ألكسندر دوغين - لدى روسيا سبب وجيه للغاية لتؤدي دور وسيط الس
...
-
ما بعد النظام الدولي: حين يتراجع القانون أمام القوة
-
ألكسندر دوغين: لم ندافع عن فنزويلا ولا عن إيران… لذا قد يكون
...
المزيد.....
-
هزت كتفيها.. شاهد كيف تجنبت رئيسة وزراء اليابان سؤالًا عن سب
...
-
اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني بعد 24 ساعة من اغتيال لاريج
...
-
-الفوضى ليست أقل سوءا من النظام-.. ألمانيا ترفض دعوات الإطاح
...
-
الصين: معرض بكين للذكاء الاصطناعي والروبوتات يبرز الروبوتات
...
-
النفط تحت النار.. الكلفة البيئية للحرب في الشرق الأوسط
-
روبوتات بشرية تتقن استخدام السلاح تصل إلى أوكرانيا لتشارك في
...
-
كُلّف بمراقبة أنشطة المعارضة... من هو وزير الاستخبارات الإير
...
-
إفطار بين الطيور المهاجرة.. مصريون يصومون على قمة جبل الجلال
...
-
رئيس نيجيريا في زيارة تاريخية إلى بريطانيا بهدف تعزيز العلاق
...
-
عاجل | المتحدث باسم الخارجية القطرية: استهداف إسرائيل منشآت
...
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|