أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي مسلط الهويدي - الشرق الأوسط على حافة التحول العالمي: قراءة بنيوية لاحتمال توسع الحرب الإقليمية















المزيد.....

الشرق الأوسط على حافة التحول العالمي: قراءة بنيوية لاحتمال توسع الحرب الإقليمية


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 11:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: لحظة مفصلية في النظام الدولي

في لحظات معينة من التاريخ تتحول الأزمات الإقليمية إلى اختبارات حقيقية للنظام الدولي بأكمله. ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط قد يكون إحدى تلك اللحظات. فالحرب التي اندلعت بعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الواسعة على إيران في أواخر فبراير/شباط 2026 لم تعد مجرد مواجهة محدودة بين أطراف إقليمية، بل تحولت بسرعة إلى أزمة متعددة الجبهات تمتد من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى جنوب لبنان، وتنعكس آثارها مباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

خلال أسابيع قليلة فقط دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد: ضرب منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، تعطّل شبه كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، تصاعد المواجهة العسكرية في جنوب لبنان، وردود صاروخية إيرانية واسعة على قواعد ومنشآت في الخليج. هذه التطورات أعادت طرح سؤال يتكرر في لحظات التحول الكبرى في التاريخ الدولي: هل ما نشهده حرب إقليمية واسعة فقط، أم بداية تحول جيوسياسي قد يعيد تشكيل التوازنات الدولية؟

للإجابة عن هذا السؤال يمكن استخدام إطار تحليلي بنيوي يستند إلى مناهج تحليل الأنظمة المعقدة في العلاقات الدولية، وهو ما يمكن تسميته مصفوفة الضغط النظامي للصراع؛ وهو إطار تقديري يجمع بين مؤشرات عسكرية واقتصادية وجيوسياسية لقياس مستوى الضغط داخل النظام الدولي. يشبه هذا الأسلوب في بنيته مؤشرات مركبة مستخدمة في دراسات الاستقرار الدولي مثل Fragile States Index أو Global Peace Index. الهدف هنا ليس إعطاء قيمة حسابية دقيقة بقدر ما هو تقدير درجة الضغط النظامي واحتمال الانتقال إلى مستوى تصعيد أعلى.



أولاً: بنية الأزمة – من ضربة استراتيجية إلى حرب متعددة الجبهات

الحرب الحالية لم تبدأ كصراع شامل، بل كعملية عسكرية محددة الهدف تمثلت في محاولة تعطيل البرنامج النووي الإيراني. الضربات التي استهدفت منشآت مثل نطنز وإصفهان ومواقع مرتبطة بالتطوير العسكري النووي في مجمع بارشين شكّلت نقطة تحول استراتيجية، لأنها نقلت المواجهة من مستوى الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية إلى مستوى استهداف العمق الاستراتيجي للدولة الإيرانية.

هذا النوع من الضربات يحمل دائماً خطراً خاصاً، لأن الدولة المستهدفة ترى فيه تهديداً وجودياً وليس مجرد مناورة عسكرية. لذلك جاء الرد الإيراني واسعاً وسريعاً عبر إطلاق موجات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

في الوقت نفسه توسعت الجبهات العسكرية بشكل واضح:
• جبهة الخليج عبر استهداف قواعد أمريكية ومنشآت طاقة.
• جبهة مضيق هرمز بعد إعلان إيران اعتباره منطقة عسكرية عالية الخطورة وتعطل حركة الملاحة فيه بدرجة كبيرة.
• جبهة لبنان مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله وتحولها تدريجياً إلى اشتباكات برية.

هذا التوسع في الجبهات يمثل أحد أهم مؤشرات التحول في طبيعة الصراع، إذ إن الحروب الإقليمية كثيراً ما تتحول إلى صراعات أوسع عندما تنتقل من جبهة واحدة إلى شبكة جبهات مترابطة.



ثانياً: مضيق هرمز – مركز الثقل الحقيقي للأزمة

رغم أهمية الجبهات العسكرية المباشرة، فإن أخطر عنصر في الأزمة الحالية هو مضيق هرمز.

يمر عبر هذا المضيق نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب طويل فيه يمكن أن يخلق صدمة اقتصادية عالمية واسعة. منذ إعلان إيران اعتباره منطقة عسكرية خطرة، انخفضت حركة ناقلات النفط بشكل حاد وارتفعت أسعار الطاقة بصورة ملحوظة.

وقد حذرت تقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA) من أن أي تعطّل طويل لحركة الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى اضطراب واسع في إمدادات الطاقة العالمية، نظراً لاعتماد الاقتصاد العالمي بشكل كبير على هذا الممر البحري الضيق.

في التاريخ الحديث، كانت النزاعات البحرية المرتبطة بالتجارة العالمية من أكثر العوامل التي ساهمت في توسيع الحروب. فقد شهدت الحربان العالميتان تصعيداً مماثلاً عندما تحولت حماية التجارة البحرية إلى هدف عسكري مباشر للقوى الكبرى.

من هنا جاءت دعوة الإدارة الأمريكية لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في المضيق ومرافقة ناقلات النفط. غير أن هذا التحالف لم يتشكل بعد، لأن معظم الدول المتضررة من الأزمة — مثل اليابان وكوريا الجنوبية وبعض الدول الأوروبية — تتعامل مع الفكرة بحذر شديد بسبب خطر الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

إذا تشكل مثل هذا التحالف وحاول كسر الإغلاق الإيراني بالقوة، فإن الصراع قد يتحول بسرعة إلى مواجهة بحرية دولية، وهو أحد السيناريوهات الأكثر خطورة في النظام العالمي.



ثالثاً: الجبهة اللبنانية – البعد البري للصراع

الجبهة اللبنانية تمثل البعد البري الأكثر حساسية في الأزمة الحالية.

القصف الإسرائيلي المكثف جنوب لبنان والتوغلات البرية المحدودة والاشتباكات المباشرة مع حزب الله تشير إلى احتمال تحول هذه الجبهة إلى حرب واسعة إذا توسعت العمليات جنوب نهر الليطاني.

تكمن أهمية هذه الجبهة في عاملين رئيسيين:
1. قدرتها على استنزاف إسرائيل عسكرياً إذا تحولت إلى حرب برية طويلة.
2. إمكانية ربطها بالجبهة الإيرانية عبر شبكة الحلفاء الإقليميين.

كلما زادت درجة الترابط بين الجبهات المختلفة، ارتفع خطر تحول الحرب من صراع إقليمي إلى أزمة دولية أوسع.



رابعاً: تقدير مستوى الضغط في النظام الدولي

باستخدام إطار مصفوفة الضغط النظامي للصراع يمكن تقدير مستوى التصعيد عبر مجموعة مؤشرات رئيسية:

1. الفجوة النظامية
تشير إلى اختلال التوازن بين القوى الإقليمية وتآكل النظام الأمني في الشرق الأوسط.

2. القلق والاضطراب
يعكس مستوى التوتر العسكري والاقتصادي والسياسي الناتج عن الحرب.

3. التكامل الكابح
يقيس قدرة المؤسسات الدولية والتشابك الاقتصادي العالمي على احتواء التصعيد.

4. التحول الجيوسياسي
يرصد إعادة تشكيل التحالفات وتوازنات القوى.

5. الصدمات الكبرى
تشمل الحرب المباشرة وصدمة الطاقة وتسارع الأحداث العسكرية.

عند جمع هذه المؤشرات بصورة تقديرية، يظهر أن مستوى الضغط في النظام الدولي يقع حالياً قريباً من مستوى 0.8 على مقياس يتراوح بين صفر وواحد.



ماذا تعني هذه القراءة؟

وفق هذا المقياس التحليلي يمكن تقسيم مراحل التصعيد على النحو الآتي:
• 0.70 – 0.85 : حرب إقليمية واسعة.
• أكثر من 0.85 : اقتراب النظام الدولي من صراع دولي أكبر.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة حرب إقليمية كبيرة، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الصراع الدولي الشامل.



خامساً: عوامل التصعيد المحتملة

هناك أربعة عوامل رئيسية قد تدفع الأزمة إلى مستوى أخطر:
1. محاولة عسكرية دولية لكسر إغلاق مضيق هرمز.
2. اجتياح بري واسع جنوب لبنان.
3. استهداف منشآت نووية إيرانية إضافية قد يؤدي إلى حادث إشعاعي.
4. دخول قوة كبرى ثالثة في العمليات العسكرية.

ورغم أن الصين وروسيا ليستا طرفين عسكريين مباشرين في الصراع الحالي، فإن مواقفهما السياسية والاقتصادية ستظل عاملاً مهماً في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستبقى إقليمية أو تتحول إلى أزمة دولية أوسع.



سادساً: عوامل الاحتواء

في المقابل، ما تزال هناك عوامل كابحة مهمة قد تمنع الانزلاق إلى حرب أوسع:
• تردد معظم الحلفاء في الانخراط العسكري المباشر في حرب ضد إيران.
• الاعتماد الاقتصادي الكبير للصين وأوروبا على استقرار أسواق الطاقة العالمية.
• الكلفة الاقتصادية والعسكرية الباهظة لأي حرب إقليمية طويلة.

وجود هذه العوامل لا يمنع التصعيد، لكنه قد يبطئ تحوله إلى مواجهة دولية شاملة.



خاتمة: الشرق الأوسط كنقطة اختبار للنظام العالمي

الأزمة الحالية ليست مجرد حرب جديدة في الشرق الأوسط، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على احتواء النزاعات في مرحلة انتقالية تتزايد فيها المنافسة بين القوى الكبرى.

حتى الآن ما زالت الحرب ضمن إطار إقليمي واسع، لكن تداخل العوامل العسكرية والاقتصادية والبحرية يجعلها واحدة من أخطر الأزمات الدولية في العقد الأخير.

ولهذا يمكن النظر إلى الأزمة الراهنة ليس فقط كصراع إقليمي، بل كاختبار مبكر لطبيعة النظام الدولي في مرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية، حيث تتقاطع أزمات الطاقة والجغرافيا السياسية والتحالفات العسكرية في نقطة واحدة شديدة الحساسية.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، قد يكون الفرق بين حرب إقليمية واسعة وحرب دولية أكبر أحياناً مجرد قرار سياسي واحد، أو حادثة عسكرية غير محسوبة.
:::



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع ...
- بعد سقوط الثورة: رهان عودة الدولة بوصفه خيار العبور الأقل كل ...
- اليوم التالي لإيران: حين يصبح الفراغ أخطر من النظام قراءة اس ...
- بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي
- الأحزاب السورية خارج الزمن في الانفصال البنيوي بين النخب وال ...
- من الجماعة الصفرية إلى الدولة الاسمية في تطابق البنية الاجتم ...
- الفرقة الحزبية ومؤسسات الدولة السابقة تفكيك التشغيل السلطوي ...
- ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية ال ...
- بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار ...
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل
- الرقة كذريعة: كيف يُقلب اتفاق الجزيرة دون إعلان
- الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوي ...
- الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام ...
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- صور توثق لحظة صراعٍ محتدم بين نسر ضخم وابن آوى في جبال بلغار ...
- مشاهد مهيبة.. برق وأعاصير تخترق سماء شمال أركنساس بأمريكا
- هل تستطيع إيران زعزعة استقرار الـ-بترودولار- بتحويل تداول ال ...
- السعودية.. المحكمة العليا تحدد موعد تحري رؤية هلال شوال وبدا ...
- اتصالات بين البيت الأبيض وقادة عرب.. بن سلمان يدعو ترامب إلى ...
- -حزب الله قادر على تحويل حياتنا إلى جحيم-.. دعوات في تل أبيب ...
- ترامب يضغط… وستارمر يرفض: مضيق هرمز يتحول إلى اختبارٍ لتحالف ...
- فرنسا: لماذا يستقيل رؤساء البلديات؟
- أفغانستان: مقتل شخصين في غارات باكستانية جديدة استهدفت شرق ا ...
- مراسلة فرانس24 من القدس نقلا عن وسائل إعلام إسرائيلية: ليلة ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي مسلط الهويدي - الشرق الأوسط على حافة التحول العالمي: قراءة بنيوية لاحتمال توسع الحرب الإقليمية