أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس














المزيد.....

تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 08:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


انا منصور رفاعي اوغلو لم أولد في تركيا، لكنني حاولت أن أحبها كما لو أنها وطني.
جئت إليها كسوري، لا كغريب يبحث عن فندق مؤقت، بل كإنسان ظنّ أن الأقدار ربما منحته فرصة جديدة، فرصة ليبدأ حياة مختلفة، وأن يرد الجميل لبلد فتح له أبوابه في زمن كان كثيرون يغلقون فيه الأبواب والقلوب معاً.

عشت فيها سنوات، وتأقلمت مع لغتها وشوارعها ومزاجها العام. ولم أكتفِ بأن أكون مقيماً عابراً، بل حصلت على جنسيتها منذ ثماني سنوات، وظننت أن ذلك يعني شيئاً. ظننت أن الجواز ليس مجرد ورقة، بل اعتراف. ظننت أن الجنسية تعني أنني صرت واحداً من أهل البلد، وأن لي فيه ما لهم، وعليّ ما عليهم، وأن الكرامة لا تُجزّأ بحسب الأصل والمنشأ والاسم واللكنة.

لكنني مع مرور الوقت اكتشفت أن الحب شيء، والواقع شيء آخر.

اكتشفت أن تركيا التي حاولت أن أراها بلداً يتسع للناس، كانت تضيق بي شيئاً فشيئاً. واكتشفت أن الجنسية لا تمحو نظرات العنصرية، ولا تنهي شعور بعض الناس بأنك ستظل في النهاية سورياً زائداً عن الحاجة، حتى لو حملت الورقة نفسها التي يحملونها، وحتى لو دفعت من عمرك وأعصابك وكرامتك ثمناً لمحاولة الانتماء.

لقد عانيت من عنصرية شعبية موجعة، من نظرات احتقار صامتة أحياناً، ومن كلمات مباشرة أحياناً أخرى، ومن شعور دائم بأنك مطالب بأن تشكر، وتسكت، وتختفي في الوقت نفسه. كأن المطلوب منك ليس أن تعيش، بل أن تعتذر عن وجودك.

لكن المشكلة في تركيا لم تكن فقط في بعض الناس.
المشكلة الأكبر كانت في السلطة، في هذا التغوّل الذي جعل البلاد شيئاً فشيئاً مكاناً يُراد للإنسان فيه أن يكون مطيعاً أكثر مما هو حر، صامتاً أكثر مما هو حي، وخائفاً أكثر مما هو كريم.

في تركيا اليوم، لا يكفي أن تكون مواطناً حتى تشعر بالأمان.
بل ربما تصبح الجنسية نفسها قيداً إضافياً حين يُراد لك أن تفهم أن حقك في الكلام ليس حقاً أصيلاً، بل منحة يمكن سحبها، وأن حريتك ليست قاعدة، بل استثناء مشروط بالسكوت.

أنا لم أحمل سلاحاً، ولم أدعُ إلى عنف، ولم أخن أحداً.
كل ما فعلته أنني كتبت.
كتبت مقالات، وعبّرت عن آرائي، ومارست ما أراه حقاً شرعياً وأصيلاً لأي إنسان: أن ينتقد، أن يعترض، أن يقول لا، أن يكتب ما يؤمن به بلا خوف من زنزانة أو محكمة أو انتقام سياسي.

لكن في بلد تتضخم فيه السلطة إلى هذا الحد، يصبح القلم تهمة، ويصبح الرأي خطراً، ويصبح الصدق تهوراً، وتصبح الكلمة الحرة سبباً كافياً لتدمير حياة إنسان.

أنا اليوم لاجئ في هولندا، لا لأنني اخترت الغربة ترفاً، ولا لأنني مللت من تركيا أو أردت استبدال سمائها بسماء أخرى، بل لأنني أخاف العودة إليها. أخاف أن أعود إلى البلد الذي حملت جنسيته فإذا به لا يريدني إلا أخرس. أخاف أن أصل إلى المطار فلا أجد وطناً، بل قيداً. أخاف أن تتحول مقالاتي، التي كتبتها بوصفها حقاً إنسانياً طبيعياً، إلى ملف أمني، وإلى باب يقودني إلى السجن.

وهنا تبلغ المأساة ذروتها.

فأنا لا أواجه فقط خوف تركيا، بل أيضاً برود أوروبا.
هولندا، التي يُفترض أنها تعرف معنى حرية التعبير، ترفض منحي الإقامة، وتهدد بترحيلي إلى المكان نفسه الذي أخافه. كأن المطلوب مني أن أشرح مرة بعد مرة أن الخطر ليس وهماً، وأن الكاتب الذي ينتقد في بيئة متغولة لا يعود مجرد كاتب، بل يصبح هدفاً. كأن عليّ أن أثبت للبيروقراطية الباردة أن السجن ليس احتمالاً نظرياً بالنسبة لي، بل شبحاً حقيقياً يقف على باب مستقبلي.

ما أقساه من شعور: أن تخاف من بلد أحببته، وأن لا تجد من يصدق خوفك.
أن تكون بين نارين: نار سلطة لا تريدك إلا صامتاً، ونار نظام لجوء لا يريد أن يفهم أن الكلمة قد تكون في بعض البلدان أخطر من الرصاصة.

أنا لا أطلب امتيازاً.
لا أطلب أكثر من حقي في أن أعيش من دون أن أُعاقب لأنني فكرت وكتبت وتكلمت.
لا أطلب أكثر من حقي في أن لا أُرحّل إلى بلد قد يضيع فيه عمري في السجن، لا لشيء إلا لأنني استخدمت صوتي.

تركيتي، أو بالأحرى جنسيتي التركية، لم تمنحني الحماية التي كنت أظنها.
بل أصبحت جزءاً من المأزق نفسه. فأنا لست فقط سورياً يهرب من ماضي الحرب، بل إنساناً وجد نفسه أيضاً في مواجهة دولة تريد أن تضبط أنفاسه وكلماته وحدود صوته. ولهذا فإن قصتي ليست فقط قصة لجوء، بل قصة خيانة. خيانة بلد أحببته بما يكفي لأصدّق أنه قد يقبلني، ثم اكتشفت أنه يحب الطاعة أكثر من البشر، ويحب الصمت أكثر من الحقيقة.

أعرف أن تركيا ليست كلها سلطة، وليست كلها كراهية، وليست كلها ظلماً.
فيها أناس طيبون، وفيها ذكريات، وفيها لحظات جعلتني فعلاً أظن أنني أستطيع أن أنتمي. ولهذا فإن الألم أكبر. فالخذلان الحقيقي لا يأتي من بلد كرهته، بل من بلد حاولت أن تحبه. من بلد فتحت له قلبك، فإذا به يفتح لك باب الخوف.

تركيا التي أحببتها لم تمت تماماً، لكنها اختنقت تحت ثقل السلطة، وتحت صراخ القومية، وتحت خوف الدولة من كل من يكتب أو يعترض أو يرفع رأسه. وها أنا اليوم أدفع ثمن هذه الحقيقة من عمري، ومن استقراري، ومن مستقبلي.

قصتي ليست قصة رجل يبحث عن شفقة، بل قصة إنسان يريد أن يُترك له حقه في الكلام.
فهل صار هذا كثيراً؟
هل صار من حق الدولة أن تطلب من مواطنيها أن يكونوا أخرس؟
وهل صار من حق العالم المتحضر أن يعيد الكاتب إلى سجانه ثم يتحدث عن القانون؟

أنا لا أخاف من العودة إلى تركيا لأنني مجرم.
أخاف منها لأنني كاتب.
أخاف منها لأنني قلت ما أؤمن به.
أخاف منها لأنني لم أقبل أن أكون أخرس.
وإذا كان هذا هو ذنبي، فالمشكلة ليست فيّ، بل في بلد لم يعد يحتمل صوتاً حراً، وفي عالم لا يزال يتعامل مع الخوف الإنساني كأنه ملف إداري بارد.

هذه هي قصتي مع تركيا التي أحببتها وخانتني.
بلدي الذي أراد مني أن أحمل جنسيته، لكن بشرط أن أدفن صوتي.
وأنا، مهما حدث، لا أريد أن أعيش عبداً للصمت.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...
- هل سيقوم الرئيس الأمريكي القادم بدعم الأكراد مجددًا؟
- زيادة أسعار الكهرباء في سوريا: من المستفيد فعليًا… الدولة أم ...
- المسلمون: ظاهرة صوتية
- أن تكون متديّنًا وعنصريًا في الوقت نفسه: ازدواجية الشعور عند ...
- أيّهما أخطر على المسيحيين في سوريا: الإسلام أم العلمانية؟
- النقاب: آفة دينية أم ظاهرة اجتماعية مُسيَّسة؟
- بعد استيلاء تركيا على قرارات وزارة الدفاع في سوريا… هل ستتجه ...


المزيد.....




- صور توثق لحظة صراعٍ محتدم بين نسر ضخم وابن آوى في جبال بلغار ...
- مشاهد مهيبة.. برق وأعاصير تخترق سماء شمال أركنساس بأمريكا
- هل تستطيع إيران زعزعة استقرار الـ-بترودولار- بتحويل تداول ال ...
- السعودية.. المحكمة العليا تحدد موعد تحري رؤية هلال شوال وبدا ...
- اتصالات بين البيت الأبيض وقادة عرب.. بن سلمان يدعو ترامب إلى ...
- -حزب الله قادر على تحويل حياتنا إلى جحيم-.. دعوات في تل أبيب ...
- ترامب يضغط… وستارمر يرفض: مضيق هرمز يتحول إلى اختبارٍ لتحالف ...
- فرنسا: لماذا يستقيل رؤساء البلديات؟
- أفغانستان: مقتل شخصين في غارات باكستانية جديدة استهدفت شرق ا ...
- مراسلة فرانس24 من القدس نقلا عن وسائل إعلام إسرائيلية: ليلة ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس