عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 23:43
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الثاني من مارس 2026، أعلن مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني إبراهيم جباري إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، محذراً من استهداف أي سفينة تحاول العبور . كان هذا الإعلان تتويجاً لتصعيد عسكري غير مسبوق بدأ في 28 فبراير/شباط 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة ضد إيران، أسفرت عن مقتل أكثر من 1200 شخص وإصابة عشرة آلاف آخرين، وفقاً للسلطات الإيرانية .
هكذا، وفي غضون أيام قليلة، وجدت منطقة الخليج العربي نفسها في قلب عاصفة شاملة، تمتد من أعماق البحار إلى سماء المدن، ومن منشآت النفط إلى المصارف والمطارات المدنية. فقد أعلنت الإمارات اعتراض 268 صاروخاً باليستياً و1514 طائرة مسيرة منذ بداية الحرب ، وأصيب أربعة أشخاص بسقوط طائرة مسيرة قرب مطار دبي الدولي ، وتعرضت ناقلات نفط لهجمات في مياه الخليج أسفرت عن مقتل ثلاثة هنود . وفي الكويت، أصيب شخصان بسقوط طائرة مسيرة على مبنى سكني ، وفي البحرين، اندلع حريق في صهاريج تخزين وقود بالمحرق . وفي السعودية، اعترضت الدفاعات الجوية طائرات مسيرة كانت متجهة نحو قاعدة الأمير سلطان الجوية وحقل الشيبة النفطي .
في هذا السياق الملتهب، يبرز السؤال عن دور الصين وموقعها من هذه العاصفة التي تهدد الأمن القومي العربي بكل أبعاده: السياسية والعسكرية والاقتصادية والوجودية. هل تستطيع الصين، الشريك الاقتصادي الأكبر وحليف التنمية، أن تحافظ على مصالحها وتلعب دوراً في تهدئة الأوضاع؟ أم أن العاصفة أكبر من قدرة أي فاعل دولي على احتوائها؟
الإشكالية
تكمن إشكالية البحث في تتبع وتحليل العلاقة المعقدة بين الصين والأمن القومي العربي في ظل التصعيد العسكري الراهن الذي يشمل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، واستهداف دول الخليج، وإغلاق مضيق هرمز، وأزمة الطاقة العالمية. فهل تشكل الصين قوة موازنة في وجه العاصفة، أم تظل أسيرة تناقضات مصالحها بين الشريك العربي والحليف الإسرائيلي والخصم الأمريكي؟
اولا: الأمن القومي العربي في مرمى العاصفة.
اتسعت رقعة المواجهة (العدوان) على إيران والتمدد الإقليمي للصراع في هذه الحرب، لتشمل جبهات متعددة في المنطقة . فإسرائيل تواصل شن غارات جوية مكثفة على منشآت عسكرية وصناعية في طهران ومحيطها ، بينما ترد إيران بإطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل . وكذلك في لبنان، أعلن حزب الله تنفيذ عمليات عسكرية وقصف ضد اسرائيل ، بإطلاق العشرات من الصواريخ والمسيرات ، فيما قتل مئات من المدنيين اللبنانيين على الأقل في غارات إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية ومناطق في جنوب لبنان .
كما امتدت الحرب إلى العراق، حيث استهدف قصف مقراً لقوات الحشد الشعبي في القائم قرب الحدود السورية ، وقتل عناصر من الميليشيات في كركوك . وتعرضت أربيل لهجوم بطائرات مسيرة، تم اعتراض عدد منها . أما دول الخليج، فباتت ساحة مفتوحة للصواريخ والمسيرات الإيرانية، التي تستهدف قواعد أمريكية ومنشآت تابعة للسفارات الأمريكية.
ثانيا: إغلاق مضيق هرمز وصدمة الطاقة العالمية.
يشكل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو اكثر من 20% من إمدادات النفط والغاز في العالم . وإغلاقه يعني حرمان الأسواق العالمية من حوالي 20 مليون برميل يومياً . وقد حذر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية/ أمين الناصر، من أن استمرار إغلاق المضيق "قد يؤدي إلى عواقب كارثية على أسواق النفط العالمية" .
وقد ارتفعت أسعار النفط إلى مستوى قياسي بلغ 120 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع قليلاً . كما أعلنت شركة قطر للطاقة تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف منشآتها ، مما أدى إلى قفزة في أسعار الغاز الأوروبي بنسبة 50% في يوم واحد .
وتواجه دول آسيوية عديدة أزمة حادة، فقد أغلقت بنغلادش مؤسساتها التعليمية لتوفير الكهرباء والوقود ، وطلبت باكستان من السعودية الاستمرار في تزويدها بالوقود عبر موانئ البحر الأحمر ، فيما تواصل الهند مساعيها الدبلوماسية لتأمين مرور ناقلاتها البالغ عددها 28 ناقلة عبر المضيق .
ثالثا: موقف المجتمع الدولي والقوى الكبرى.
على الصعيد الدبلوماسي، تبنى مجلس الأمن الدولي قراراً يدعو إيران إلى الوقف الفوري لهجماتها على دول الخليج، بأغلبية 13 صوتاً وامتناع روسيا والصين عن التصويت . وانتقدت الصين وروسيا القرار (لعدم تضمنه إدانة للغارات الأمريكية الإسرائيلية على إيران ).
وعلى صعيد آخر، أعلنت مجموعة السبع اعتزامها عقد اجتماع طارئ لبحث العواقب الاقتصادية للحرب . ودعت فرنسا إلى اتخاذ إجراءات منسقة لتحقيق الاستقرار في السوق، وأعلنت عن وجود عسكري دفاعي في المتوسط قد يمتد إلى مضيق هرمز .
كما يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إمكانية توسيع مهمة الأسطول البحري الأوروبي Aspides لتشمل أيضًا مضيق هرمز، وإنشاء مهمة بحرية مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لضمان المرور الآمن في (المضيق) يبدو سيناريو أكثر ترجيحًا من توجه دول الاتحاد الأوروبي إلى إيران عبر قنوات ثنائية.
رابعا: الصين بين مطرقة المصالح وسندان المبادئ،و موقفها الرسمي من التصعيد الراهن.
تبنت الصين موقفاً متوازناً من الأزمة الراهنة، يتمثل في الدعوة إلى ضبط النفس وعدم التصعيد، مع التأكيد على أهمية أمن الطاقة واستقرار الإمدادات. فقد امتنعت الصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن الداعي لوقف الهجمات الإيرانية، منتقدة عدم تضمين القرار إشارة إلى الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران .
كما دعت الصين إلى تأمين إمدادات الطاقة العالمية، معتبرة أن أمن الطاقة "له أهمية كبيرة للاقتصاد العالمي، وجميع الأطراف تتحمل مسؤولية ضمان إمدادات الطاقة المستقرة والسلسة" . هذا الموقف يعكس حرص الصين على استقرار الأسواق التي تعتمد عليها بشكل كبير في تغذية صناعاتها العملاقة.
خامسا: الصين وأمن الطاقة في زمن الأزمة.
تكشف الأزمة الراهنة عن هشاشة موقع الصين في معادلة الطاقة العالمية. فالصين تعتمد على استيراد نحو 45% من نفطها عبر مضيق هرمز ، مما يجعلها من أكثر الدول تأثراً بإغلاق المضيق. وقد بدأت الصين ببناء احتياطيات استراتيجية ضخمة من النفط لتأمين نفسها ضد أي صدمات مستقبلية .
من جانب آخر، تعتبر روسيا الرابح النفطي من الحرب الامريكيه-الاسرائيلية على ايران،حيث أعلنت استعدادها لزيادة إمدادات النفط الروسي إلى الصين والهند في ظل توترات مضيق هرمز . وهذا يعيد تشكيل تحالفات الطاقة في آسيا، ويمنح روسيا فرصة لتعويض بعض الخسائر التي منيت بها في السوق الأوروبية بسبب حربها مع أوكرانيا .
سادسا: العلاقات الصينية الإسرائيلية في مواجهة الاختبار.
تشكل العلاقات الصينية الإسرائيلية أحد أهم التحديات التي تواجه الموقف الصيني من الأزمة الراهنة. فالصين تحتفظ بعلاقات عسكرية وأمنية وتجارية واسعة مع إسرائيل، مما يضعها في موقف حرج إزاء التصعيد الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.
غير أن التطورات الأخيرة قد تدفع الصين إلى إعادة تقييم هذه العلاقات، خاصة مع تصاعد الانتقادات العربية للدور الإسرائيلي وتوسع رقعة الحرب لتشمل دولاً خليجية تعتبر شركاء استراتيجيين للصين. كما أن إسرائيل، التي تسعى لتقديم نفسها كشريك موثوق، قد تجد نفسها في مواجهة مع مصالح صينية حيوية في منطقة الخليج.
سابعا: آفاق الأمن القومي العربي في ظل العاصفة وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
تفرض الأزمة الراهنة إعادة نظر في بنية التحالفات الإقليمية. فدول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية مباشرة ، تجد نفسها في خندق واحد مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإن بشكل غير مباشر رغم رفض الدول الخليج التورط في هذه الحرب . وقد رحبت الدول العربية بقرار مجلس الأمن الداعي لوقف الهجمات الإيرانية عليها، معتبرة إياه خطوة نحو حماية الأمن الإقليمي العربي واحترام لسيادة الدول.
من جهة أخرى، تدفع الأزمة دول الخليج إلى تعزيز تعاونها الأمني مع قوى دولية أخرى بعد فشل السلاح الامريكي من حماية منشآتها الحيوية وعدم التصدي للهجمات الإيرانية، بما فيها الصين، التي أجرت مناورات بحرية مشتركة مع السعودية مؤخراً، غير أن الخبراء يؤكدون أن الصين لا تزال غير مستعدة لتحمل مسؤوليات أمنية كاملة في المنطقة .
ثامنا: أزمة الطاقة وتحولاتها الاستراتيجية
تذكرنا أزمة الطاقة الراهنة بأزمة عام 2022 التي أعقبت الحرب الأوكرانية، لكنها هذه المرة تأتي من بوابة الخليج العربي. وقد دفع ارتفاع الأسعار الدول المستهلكة إلى التفكير جدياً في تنويع مصادر الطاقة وتسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة. ففي أوروبا، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية /أورسولا فون دير لاين ،إلى تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة والنووية، معتبرة أن "الاعتماد الكامل على واردات الوقود الأحفوري من مناطق غير مستقرة يضعف أمن الاتحاد الأوروبي " .
أما على المستوى العربي، فتفرض الأزمة الحالية تساؤلات وجودية حول مستقبل اقتصاد الريع النفطي في ظل تقلبات جيوسياسية حادة،فالدول الخليجية، رغم ثرائها، تظل رهينة لأزمات إقليمية ليست طرفا فيها قد تعصف بمنشآتها الحيوية في أي لحظة.
تاسعا: دور الصين في المرحلة المقبلة
تواجه الصين اختباراً حقيقياً في المرحلة المقبلة. فمن جهة، تمتنع عن إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج في مجلس الأمن، مما قد يقرأه العرب كتخاذل عن دعم حلفائها. ومن جهة أخرى، تعلن تضامنها مع مبدأ أمن الطاقة واستقرار الإمدادات، مما يتطلب موقفاً أكثر وضوحاً تجاه ما يحدث في مضيق هرمز.
يمكن القول، إن الصين تمشي على حبل رفيع بين مصالحها المتشابكة في المنطقة،فهي حريصة على علاقاتها مع إيران كحليف استراتيجي في مواجهة النفوذ الأمريكي، ومع دول الخليج كشريك اقتصادي حيوي، ومع إسرائيل كشريك تكنولوجي وعسكري. غير أن هذه التوازنات الدقيقة قد تتعرض للكسر في ظل عاصفة بهذا الحجم من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على ايران.
ختاما وبعد اندلاع شرارة الحرب المدمرة في الشرق الأوسط، ومع استمرار سقوط الصواريخ والمسيرات الإيرانية على مدن الخليج ومنشآته الحيوية، ومع بقاء مضيق هرمز مغلقاً أمام حركة الملاحة والسماح فقط للدول الغير متحالفة مع واشنطن وتل ابيب، تبرز حقائق جديدة يعاد فيها تشكيل مفهوم الأمن القومي العربي. فالأمن لم يعد مجرد قدرة عسكرية على الردع، بل أصبح مرتبطاً بضمان( استمرار تدفق الطاقة)، وحماية (البنى التحتية الحيوية)، (وتأمين طرق الملاحة الدولية).
والصين، الشريك الاقتصادي الأكبر للعرب، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتحديد موقفها بوضوح. فلا يمكنها الاستمرار في سياسة "الحياد الإيجابي" التي تمارسها، بينما تتأثر مصالحها الحيوية بشكل مباشر بما يحدث في الخليج. كما لا يمكنها التوفيق بين علاقاتها مع إيران ودول الخليج وإسرائيل إلى ما لا نهاية، دون أن تدفع ثمناً سياسياً واقتصادياً باهظاً.
في النهاية، يبقى السؤال الاستشرافي مفتوحاً:ك للنقاش،هل ستستمر الصين في لعب دور المتفرج الذي يجني الفوائد الاقتصادية بينما تنفق الولايات المتحدة الدماء والموارد لحماية الممرات المائية، أم ستدفعها مصالحها الحيوية إلى الانخراط بشكل أكثر فعالية في إدارة الأزمات الإقليمية، ويعتقد الباحث انه ربما في الأيام المقبلة مع استمرار العاصفة (العدوان الامريكي-الاسرائيلي) على ايران وتوسع رقعتها، كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال المصيري.
المراجع :
1. الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). (2026، مارس 12). اليوم الثالث عشر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: التصعيد الإقليمي يوسع جبهات الصراع .
2. Newsonair. (2026، مارس 12). مجلس الأمن الدولي يتبنى قراراً يدعو لوقف هجمات إيران على دول الخليج .
3. Anadolu Ajansı. (2026، مارس 11). أرامكو تحذر من عواقب "كارثية" لأسواق النفط إذا استمر إغلاق هرمز .
4. The Paper (موقع). (2026، مارس 12). مراقبة: أوروبا تواجه أزمة طاقة جديدة بعد أوكرانيا، هل تسرع حرب الخليج ثورة الطاقة المتجددة؟ .
5. Times Now. (2026، مارس 12). تحديثات حية: ترامب يقول لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي .
6. Bangladesh Sangbad Sangstha (BSS). (2026، مارس 11). موجة جديدة من الهجمات الإيرانية مع مناقشة إطلاق الاحتياطي النفطي .
7. TASS. (2026، مارس 10). رئيس أرامكو السعودية: إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى كارثة اقتصادية عالمية .
8. The New Arab. (2026، مارس 11). إيران "تزرع الألغام" في مضيق هرمز مع تصاعد أزمة الطاقة العالمية .
9. Bangladesh Sangbad Sangstha (BSS). (2026، مارس 12). الجيش الإيراني يقول إنه سيضرب أهدافاً اقتصادية أمريكية وإسرائيلية في المنطقة .
10. Bangladesh Sangbad Sangstha (BSS). (2026، مارس 8). هجمات جديدة في الخليج وإيران تتعهد بالمزيد .
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟