أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سرود محمود شاكر - تشريح -الدولة الفاشلة- في زمن السلم: تحالف الاستبداد وهشاشة المؤسسات














المزيد.....

تشريح -الدولة الفاشلة- في زمن السلم: تحالف الاستبداد وهشاشة المؤسسات


سرود محمود شاكر
باحث في مجال حقوق الإنسان ومدرب معتمد دولي

(Surd Mahmooed Shakir)


الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 22:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يقتصر مفهوم «الخراب» في العلوم السياسية الحديثة على آثار الحروب والنزاعات المسلحة، بل يمتد ليشمل حالة من «التحلل المؤسساتي» تصيب الدول في ظل الاستبداد المزمن. فبينما توحي الشوارع الخالية من القصف بالأمان الظاهري، تكشف البنية التحتية المتهالكة والخدمات المتردية عن «حرب خفية» تشنها الإدارة الفاشلة ضد مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها.
وتؤكد تقارير مثل **تقرير "States of Fragility 2025" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)** أن أكثر من 61 سياقاً تعاني من هشاشة عالية أو شديدة، وأن هذه الدول – التي تمثل 25% من سكان العالم – تستحوذ على 72% من الفقر المدقع عالمياً. ومن منظور السياسات العامة، تعاني الأنظمة الاستبدادية من انحراف جذري في أولويات الإنفاق الحكومي. فبينما تُعرّف الدولة الحديثة بوصفها أداة لتوفير «المنافع العامة» مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، تتحول الدولة في ظل الاستبداد إلى أداة لحماية «النظام» لا «الدولة».
وتشير بيانات **البنك الدولي ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2024** إلى أن الإنفاق العسكري في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات يبلغ(6.5% ) من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ (2.5%). في المقابل، يظل الإنفاق على الصحة والتعليم في كثير من هذه الدول أقل من( 2%). وتؤكد دراسات متخصصة أن زيادة بنسبة (1%)في الإنفاق العسكري تؤدي إلى انخفاض بنسبة( 0.62% )في الإنفاق الصحي (ويزداد التأثير إلى 0.96% في الدول الفقيرة). هذا الاختلال يؤدي إلى ما يُسمى قانونيا بـ«الإهمال الجسيم»، حيث تتعطل المرافق الحيوية ليس لنقص الموارد، بل لسوء تدبيرها وتوجيهها نحو ترسيخ أدوات القمع.
أما حقوقيا، فيُعد تردي الخدمات الأساسية انتهاكا صارخا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كفلتها المواثيق الدولية. إن تحول الشوارع إلى بؤر للتلوث وغياب المياه الصالحة للشرب ليس مجرد فشل إداري، بل هو إخلال بالعقد الاجتماعي.
وفي هذه البيئة، يحل «قانون القوة» محل «قوة القانون». وتصبح الرقابة أداة لإحصاء أنفاس المعارضين بدلاً من أن تكون أداة لمحاسبة الفاسدين. هذا المناخ يقتل روح المبادرة، ويحول الكفاءات الوطنية إلى «لاجئين محتملين»، مما يفاقم من أزمة «البطالة المزمنة» وهجرة العقول.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات في ظل هذه النظم هو «تطبيع الخراب». يشير علم الاجتماع السياسي إلى أن الاستبداد الطويل يعمل على تشويه الوعي الجمعي، بحيث يصبح القبح أمرا مألوفاً، ويتحول العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية إلى «قدر» لا يمكن الفكاك منه. ويبرز **مؤشر الدول الهشة الصادر عن صندوق السلام ** مؤشرا خاصا بـ«الخدمات العامة» كواحد من أبرز عوامل الهشاشة المؤسساتية التي تُسرّع هذا التطبيع.
هذا النوع من «الاستلاب الاجتماعي» هو ما يضمن استمرارية النظام الفاشل؛ فالمجتمع المنهك في الركض خلف لقمة العيش والخدمات البدائية، لا يملك ترف التفكير في الإصلاح السياسي أو التغيير الهيكلي. وهنا يكتمل المشهد العبثي: نظام يكرس الفشل، ومجتمع يستنزفه البقاء.
وأخيرا، إن النهوض من ركام الاستبداد لا يبدأ بترميم الطرقات فحسب، بل بترميم مفهوم «المواطنة» وإعادة تفعيل الرقابة الشعبية والقانونية. لا يمكن لبرامج التنمية أن تنجح ما لم تكن مسبوقة بإصلاح سياسي يضمن الشفافية والمساءلة.
إن الدولة التي تبرع في إدارة القمع وتفشل في إدارة النفايات هي دولة تعيش «موتا سريريا»؛ ويبقى الوعي الجمعي هو المختبر الوحيد القادر على إنتاج مصل التعافي من هذا التردي.

المراجع:
- OECD, States of Fragility 2025.
- SIPRI & World Bank Data, 2024.
- Fund for Peace, Fragile States Index (various years).
- Studies on military vs. health spending trade-offs (UN Women & related research).



#سرود_محمود_شاكر (هاشتاغ)       Surd_Mahmooed_Shakir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثامن من آذار: من -احتجاج الخبز- إلى دستور المساواة العالمي
- لُغَاتُ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ فِي الْيَوْمِ الْعَالَمِيِّ ل ...
- اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2026: ميثاق متجدد لكرامة ال ...
- رئيس الجمهورية في العراق.. -منصب تشريفي- أم سلطة دستورية تفو ...
- شرط المصلحة في طعون أعضاء مجلس النواب أمام المحكمة الاتحادية ...
- لغة -النقاط الست-: كيف أعاد لويس برايل صياغة مفهوم الحرية لل ...
- اليوم العالمي للتضامن الإنساني 2025: دعوة إلى وحدة عالمية لم ...
- اليوم العالمي لمكافحة الفساد
- اليوم العالمي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 2025: تجديد الوع ...
- اليوم العالمي لإحياء وتكريم ضحايا جرائم الإبادة الجماعية ومن ...
- اليوم العالمي للتطوع: نبض العطاء الإنساني
- اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة: نحو مجتمعات دامجة للجميع
- اليوم العالمي لإلغاء الرق 2025: نظرة على الرق الحديث
- اليوم العالمي للايدز
- اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية: دعوة إلى ع ...
- اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة(الاتحاد لإنهاء العن ...
- اليوم العالمي للتسامح
- اليوم العالمي لمنع ومكافحة جميع أشكال الجريمة المنظمة عبر ال ...
- نظام توزيع المقاعد في انتخابات مجلس النواب العراقي: آليات ال ...
- اليوم العالمي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكر ...


المزيد.....




- صور توثق لحظة صراعٍ محتدم بين نسر ضخم وابن آوى في جبال بلغار ...
- مشاهد مهيبة.. برق وأعاصير تخترق سماء شمال أركنساس بأمريكا
- هل تستطيع إيران زعزعة استقرار الـ-بترودولار- بتحويل تداول ال ...
- السعودية.. المحكمة العليا تحدد موعد تحري رؤية هلال شوال وبدا ...
- اتصالات بين البيت الأبيض وقادة عرب.. بن سلمان يدعو ترامب إلى ...
- -حزب الله قادر على تحويل حياتنا إلى جحيم-.. دعوات في تل أبيب ...
- ترامب يضغط… وستارمر يرفض: مضيق هرمز يتحول إلى اختبارٍ لتحالف ...
- فرنسا: لماذا يستقيل رؤساء البلديات؟
- أفغانستان: مقتل شخصين في غارات باكستانية جديدة استهدفت شرق ا ...
- مراسلة فرانس24 من القدس نقلا عن وسائل إعلام إسرائيلية: ليلة ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سرود محمود شاكر - تشريح -الدولة الفاشلة- في زمن السلم: تحالف الاستبداد وهشاشة المؤسسات