|
|
من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 22:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في لحظات معينة من تاريخ الشعوب لا تكون الأزمة أزمة اقتصاد فقط، ولا أزمة سياسة فقط، بل تصبح أزمة معنى: أزمة دولة فقدت وظيفتها الأصلية وتحولت من أداة لتنظيم المجتمع إلى جهاز ثقيل يجثم على صدره. حينها لا يعود السؤال من يحكم، بل لماذا يحكم المجتمع بهذه الطريقة أصلا، ولمصلحة من تبنى هذه الهياكل الضخمة التي تلتهم الموارد بينما تتآكل حياة الناس اليومية. لقد تعودت الأنظمة حين تدخل مرحلة العجز أن تبني حول نفسها طبقات إضافية من المؤسسات والهياكل والمجالس واللجان. كل طبقة جديدة تقدم للرأي العام باعتبارها إصلاحا، لكنها في الحقيقة ليست سوى جدار إضافي يحتمي خلفه الحكم من المجتمع. فكلما ضعفت السلطة في الواقع ازدادت في الشكل، وكلما فقدت قدرتها على الإقناع توسعت في إنتاج المؤسسات. وهكذا تصبح الدولة مثل قصر ضخم يزداد عدد غرفه بينما تتآكل أساساته. في مثل هذه اللحظات يتضخم الجهاز السياسي والإداري إلى حدّ غريب. فجأة يظهر عدد كبير من النواب والمجالس والهياكل، ويتضاعف عدد المواقع والرتب والمناصب. في الظاهر يبدو الأمر وكأن الدولة تتوسع، لكن الحقيقة أن المجتمع هو الذي يسحب تدريجيا خارج مركز القرار. فكل مؤسسة جديدة لا تمثل بالضرورة صوتا إضافيا للشعب، بل غالبا ما تكون موقعا إضافيا لإعادة توزيع النفوذ داخل الطبقة الحاكمة نفسها. إن الدولة التي تنتج آلاف المواقع السياسية لا تكون بالضرورة دولة قوية، بل قد تكون دولة خائفة. الدولة القوية تبسط مؤسساتها لأنها واثقة من شرعيتها الاجتماعية، أما الدولة المرتبكة فتغرق في صناعة المجالس والهيئات لأنها تحاول شراء الوقت وشراء الولاءات. عندها تتحول السياسة إلى نوع من الاقتصاد الخفي: اقتصاد الامتيازات والمناصب والتعيينات. لكن التاريخ يعلمنا شيئا بسيطا: حين تتكاثر المؤسسات أكثر مما يتكاثر الإنتاج، وحين يتوسع الجهاز الإداري أسرع من توسع الاقتصاد الحقيقي، فإن الدولة تبدأ تدريجيا في استنزاف المجتمع الذي يفترض أنها وجدت لخدمته. عند تلك النقطة يبدأ التناقض الحقيقي. فالسلطة تصبح بحاجة دائمة إلى المال للحفاظ على شبكتها المتضخمة من المناصب والامتيازات. لكنها في المقابل لا تنتج ثروة جديدة. وهكذا تتجه دائما إلى نفس الحلول القديمة التي لجأت إليها الأنظمة في كل الأزمنة: رفع الضرائب، توسيع الجباية، والبحث عن المال في جيوب الطبقات التي تعمل بالفعل. إنها المعادلة الكلاسيكية للأزمات السياسية: كلما ضعفت السلطة اقتصاديا اشتدت قبضتها على المجتمع ماليا. لكن الجباية ليست مجرد قرار إداري، بل هي في النهاية علاقة قوة بين الدولة والمجتمع. وحين تصل الضغوط الضريبية إلى مستويات مرتفعة بينما تتراجع الخدمات ويزداد الفقر، فإن العقد غير المكتوب بين المجتمع والسلطة يبدأ في التصدع. وهنا يظهر شكل آخر من أشكال الأزمة: أزمة داخل السلطة نفسها. فالسلطة ليست جسما واحدا متماسكا كما تبدو من الخارج. داخل كل نظام توجد شبكات متعددة من المصالح، بيروقراطيات مختلفة، مراكز نفوذ متنافسة. وعندما تدخل الدولة مرحلة الانكماش الاقتصادي يصبح الصراع على الموارد أكثر حدة داخل هذه الشبكات نفسها. تبدأ الأجهزة في الشك ببعضها. تبدأ البيروقراطية في البحث عن موقع يحميها من الانهيار. تبدأ النخب السياسية في التفكير في مستقبلها بعد الأزمة. وهكذا يتحول الحكم إلى ساحة صراع صامت بين أجنحة النظام. إن التاريخ مليء بهذه اللحظات. لم تسقط أنظمة كثيرة بسبب المعارضة وحدها، بل سقطت حين بدأ النظام يفقد تماسكه الداخلي. عندما تبدأ النخب التي صنعت النظام نفسها في الشك في قدرته على الاستمرار، تصبح الدولة مثل سفينة ضخمة يتجادل ركابها حول القيادة بينما الماء يتسلل ببطء إلى داخلها. في تلك اللحظة يصبح السؤال المطروح داخل السلطة مختلفا تماما عن السؤال الذي يطرحه المجتمع. النخب تسأل: من يقود المرحلة القادمة؟ أما الناس فيسألون: لماذا وصلنا أصلا إلى هذه المرحلة؟ الفارق بين السؤالين هو الفارق بين السياسة التقليدية والسياسة الثورية. السياسة التقليدية تهتم بتغيير الأشخاص داخل نفس البنية. أما السياسة الثورية فتنظر إلى البنية نفسها وتسأل إن كانت ما تزال قادرة على خدمة المجتمع. ولذلك فإن اليسار، حين يقرأ أزمات السلطة، لا ينشغل فقط بتفاصيل الصراعات داخل القصر أو داخل البرلمان أو داخل الأجهزة. هذه الصراعات ليست سوى أعراض لمرض أعمق. المرض الحقيقي هو انفصال الدولة عن المجتمع. حين تصبح المؤسسات أداة لإدارة السلطة لا أداة لتنظيم حياة الناس، يفقد النظام معناه التاريخي. وعندها تتحول السياسة إلى مسرح كبير يتصارع فيه اللاعبون بينما الجمهور الحقيقي ، أي الشعب ، يقف خارج القاعة. لكن المجتمع لا يبقى صامتا إلى الأبد. فالتاريخ لا يتحرك فقط بقرارات الحكام، بل يتحرك أيضا بضغط الحياة اليومية: البطالة، ارتفاع الأسعار، تراجع الخدمات، وتآكل الأمل لدى الأجيال الجديدة. هذه القوى الصامتة هي التي تصنع التحولات الكبرى. كل الثورات في التاريخ لم تبدأ من القصور، بل بدأت من الشوارع والمصانع والحقول والأحياء الشعبية. بدأت عندما اكتشف الناس أن النظام القائم لم يعد قادرا على توفير أبسط شروط الحياة الكريمة. عندها يصبح التغيير مسألة وقت. لكن التغيير لا يأتي دائما بشكل واحد. أحيانا تحاول الأنظمة إنقاذ نفسها بإعادة ترتيب داخلية: تغيير بعض الوجوه، إعادة توزيع المواقع، أو فتح مرحلة انتقالية محدودة. هذا ما تسميه الأدبيات السياسية "التغيير من داخل النظام" أو بارشاء شعب الفقراء بفتات تحت عنوان الزيادة في الاجور و في المقابل عجز تام على ضبط الاسعار. غير أن التجارب التاريخية تشير إلى حقيقة أخرى: حين تصل الأزمة إلى عمقها الاجتماعي الحقيقي، لا تكفي التعديلات الشكلية لإنقاذ البنية القديمة. فالمجتمع لا يثور من أجل تبديل المقاعد داخل القاعة، بل يثور عندما يشعر أن القاعة نفسها لم تعد تمثله. وهنا يبدأ السؤال الأكبر الذي يواجه كل مرحلة تاريخية: هل تستطيع السلطة إعادة بناء علاقتها بالمجتمع، أم أن المجتمع سيبحث عن طريق جديد خارجها؟ إن المستقبل لا يكتب في القصور وحدها، بل يُكتب أيضا في أماكن أخرى: في النقابات، في الجامعات، في الأحياء الشعبية، في كل مكان يقرر فيه الناس أنهم ليسوا مجرد متفرجين على تاريخهم. فالسلطة قد تملك المؤسسات، لكن المجتمع يملك الطاقة التي تصنع التاريخ. وحين تلتقي هذه الطاقة بلحظة الوعي والتنظيم، يتحول الغضب الاجتماعي إلى قوة تغيير حقيقية. عندها فقط يصبح السؤال القديم ، من يحكم ، أقل أهمية من السؤال الأكبر: أي مجتمع نريد أن نبنيه بعد أن تنتهي هذه المرحلة من تاريخنا؟
ففي كل سلطة يضيق أفقها السياسي وتفقد قدرتها على إقناع المجتمع، يظهر قانون غير مكتوب: قانون القرابة. عندها لا يعود المعيار الكفاءة ولا البرنامج ولا المشروع الاجتماعي، بل يصبح القرب من مركز القرار هو العملة الحقيقية التي يتداولها المنتفعون. وهكذا تتحول الدولة، شيئا فشيئا، من فضاء عمومي يفترض أن يخدم الجميع إلى ما يشبه البيت العائلي الكبير الذي توزّع فيه المواقع كما توزّع غرف السكن. هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ. كل الأنظمة التي تفقد سندها الشعبي تبحث عن سند بديل أكثر ضيقا وأكثر طاعة. فبدل المجتمع الواسع الذي يطرح الأسئلة، تختار السلطة دائرة صغيرة لا تطرح شيئا سوى الولاء. تبدأ المسألة بخطوة صغيرة: مستشار من العائلة هنا، مسؤول مقرّب هناك، ثم تتوسع الشبكة شيئا فشيئا حتى تصبح أجهزة الدولة نفسها مشدودة بخيوط القرابة والمصاهرة والصداقة القديمة. في تلك اللحظة يتغير معنى السلطة بالكامل. فالدولة التي كان يفترض أن تكون جهازا عاما تصبح شبكة علاقات خاصة. القرارات لا تمر عبر النقاشات السياسية بل عبر الممرات الخلفية. الملفات لا تحسم وفق قواعد الإدارة بل وفق ميزان القرب من مركز النفوذ. وهكذا تنشأ طبقة جديدة لا علاقة لها بالإنتاج ولا بالعمل ولا بالمجتمع، طبقة تعيش في الفراغ بين السلطة والمال. لكن العائلة وحدها لا تستطيع إدارة دولة. ولهذا تظهر حولها فئة أخرى: الانتهازيون. الانتهازي هو ذلك الكائن السياسي الذي لا يحمل فكرة ولا موقفا، بل يحمل حاسة شمّ دقيقة تلتقط اتجاه الريح. إنه لا يسأل: هل النظام عادل؟ بل يسأل: أين توجد الفرصة؟ ولهذا نجده دائما قرب السلطة، أيّا كانت طبيعتها. كان قريبا من الحكم السابق، ثم اقترب من الحكم الجديد، وسيقترب من الحكم القادم أيضا. الانتهازي لا يعيش من السياسة بل يعيش داخلها، مثل الطفيلي داخل الجسد. إنه يعرف كيف يبدل خطابه بسرعة مذهلة. في الصباح قد يتحدث عن الشعب، وفي المساء عن الدولة، وفي الليل عن الاستقرار، لكن الشيء الوحيد الثابت في مسيرته هو موقعه الشخصي. هذه الفئة تلعب دور الوسيط بين السلطة الضيقة والمجتمع الواسع. فهي التي تملأ الفضاء الإعلامي، وتحتل مواقع الإدارة، وتدير شبكات المصالح. لكنها لا تفعل ذلك بدافع الإيمان السياسي، بل بدافع الحسابات الفردية. وهنا يظهر شكل ثالث من أشكال الانحراف: الكسبة. الكسبة ليسوا مجرد انتهازيين سياسيين، بل هم طبقة كاملة بنت ثروتها من قربها من القرار. إنهم المقاولون الذين تظهر مشاريعهم فجأة حيث تمر الصفقات العمومية. هم الوسطاء الذين يعرفون طريقهم إلى مكاتب النفوذ أسرع مما يعرفون طريقهم إلى السوق. وهم كذلك تجار اللحظة الذين يحولون كل أزمة سياسية إلى فرصة ربح. بهذه الطريقة يتشكل مثلث مألوف في كثير من الدول التي تمر بأزمات حكم: عائلة تحيط بالسلطة، انتهازيون يديرون المشهد، وكسبة يحصدون الأرباح. أما المجتمع فيبقى خارج هذه الدائرة المغلقة. إن أخطر ما في هذا المثلث أنه لا يكتفي بالاستفادة من الدولة، بل يعيد تشكيلها على صورته. فالإدارة التي يفترض أن تعمل وفق قواعد قانونية تتحول إلى فضاء للمحسوبية. والقرارات الاقتصادية لا تبنى على حاجات المجتمع بل على مصالح الشبكات القريبة من الحكم. في مثل هذا المناخ تختفي فكرة الصالح العام تدريجيا. فالموظف الذي يرى الترقيات تمنح وفق العلاقات سيفقد إيمانه بالجدارة. والمهندس الذي يشاهد الصفقات تمر عبر الوساطات سيشعر أن عمله لا قيمة له. والطالب الذي يدخل الحياة العامة سيكتشف أن الطريق الأقصر إلى النجاح ليس العمل بل القرب من السلطة. وهكذا تنتشر ثقافة كاملة من الإحباط. إن المحسوبية لا تفسد السياسة فقط، بل تفسد المجتمع أيضا. فهي تعلّم الناس أن النجاح لا يأتي من الجهد بل من الولاء، وأن القانون ليس قاعدة مشتركة بل أداة يمكن تجاوزها عبر العلاقات. لكن هذه البنية تحمل داخلها تناقضا قاتلا. فالشبكات التي تقوم على القرابة والمصلحة الفردية لا تستطيع الصمود طويلا عندما تبدأ الموارد في النقصان. ما دام المال متوفرا يمكن للجميع أن يتقاسموا الغنيمة. لكن عندما تدخل الدولة في أزمة اقتصادية حادة يبدأ الصراع داخل هذه الشبكات نفسها. كل طرف يريد نصيبه. كل دائرة تحاول حماية مصالحها. كل مجموعة تخشى أن تستبعد من المائدة. عندها يتحول التحالف الذي صنع النظام إلى تنافس مكتوم بين مكوناته. والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تعتمد على المحسوبية لا تسقط عادة بضربة واحدة، بل تتآكل من الداخل. فالعائلة تتصارع مع البيروقراطية، والانتهازيون يتنافسون فيما بينهم، والكسبة يبحثون عن مراكز قوة جديدة تحمي ثرواتهم. وفي اللحظة التي تتسع فيها هذه الشقوق، يكتشف المجتمع شيئا مهما: أن السلطة التي بدت صلبة لسنوات كانت في الحقيقة قائمة على توازنات هشة. وهنا يصبح المستقبل مفتوحا على احتمالات عديدة. قد تحاول هذه الشبكات إعادة ترتيب نفسها، أو تغيير بعض الوجوه، أو تقديم إصلاحات محدودة لامتصاص الغضب. لكن السؤال الذي يظل معلقا فوق كل ذلك هو سؤال أعمق بكثير: إلى متى يمكن لدولة أن تدار بمنطق العائلة، وإلى متى يمكن لمجتمع كامل أن يقبل بأن تتحكم في مصيره شبكة صغيرة من المنتفعين؟ إن اللحظة التي يبدأ فيها الناس بطرح هذا السؤال بجدية هي اللحظة التي يبدأ فيها التاريخ في التحرك من جديد.
هذا ، و عندما يختلّ ميزان السلطة داخل الدولة ويطغى جهاز واحد على بقية الأجهزة، تتغير طبيعة الحكم نفسها. فالدولة التي كان يفترض أن تقوم على توزيع الصلاحيات والرقابة المتبادلة تتحول إلى هرم شديد الانحدار، تتجمع في قمته القدرة على القرار بينما تتراجع بقية المؤسسات إلى مواقع ثانوية. عند هذه النقطة لا يعود النقاش حول السياسات العمومية بقدر ما يصبح حول من يملك السلطة الفعلية داخل البنية السياسية. تاريخ الدول يبيّن أن تضخم الجهاز التنفيذي غالبا ما يحدث في لحظات القلق السياسي. حين تشعر السلطة بأن المجال العام لم يعد مطيعا كما كان، تميل إلى إحكام قبضتها على أدوات الحكم المباشر: الإدارة، الأمن، والقرارات الاقتصادية العاجلة. يصبح القرار سريعا ومركزيا، لكن هذا التسارع يخفي في داخله مشكلة عميقة؛ فكلما تقلصت مساحات النقاش والمؤسسات الوسيطة، زادت المسافة بين السلطة والواقع الاجتماعي الذي يفترض أنها تديره. وفي مثل هذا المناخ تظهر مفارقة لافتة: السلطة تبدو أقوى شكلا، لكنها في الحقيقة تصبح أكثر هشاشة في العمق. لأن الإدارة، مهما بلغت درجة انضباطها، لا تستطيع أن تعوض غياب التوازن المؤسسي. وعندما يتحول الجهاز التنفيذي إلى مركز الثقل الوحيد في الدولة، تجد بقية الأجهزة نفسها إما في موقع التبعية أو في موقع الصمت. وهنا يبدأ الجهاز القضائي بدوره في التعرض لضغط غير مرئي، ضغط لا يأتي دائماً في شكل أوامر مباشرة، بل يظهر عبر شبكة من الإشارات والانتظارات والحدود غير المعلنة. القضاء في أي مجتمع هو ميزان العدالة الرمزي. لكن هذا الميزان يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح له بالعمل بحرية وثقة. فإذا دخلت السلطة التنفيذية في علاقة هيمنة طويلة مع بقية المؤسسات، يصبح القاضي نفسه جزءا من معادلة معقدة بين القانون والواقع السياسي. بعض القضاة يقاومون هذه الضغوط ويحاولون حماية استقلاليتهم. وبعضهم الآخر يختار الطريق الأسهل: التكيف مع ميزان القوة. ومن هنا تبدأ منطقة رمادية خطيرة داخل الدولة. فالقانون لا يلغى رسميا، لكنه يبدأ في الانزلاق ببطء نحو استخدام انتقائي. ملفات تفتح بسرعة، وأخرى تبقى في الأدراج. إجراءات تطبق بدقة على فئات معينة، بينما تمر قضايا أخرى في صمت. هذا النوع من التفاوت لا يحتاج إلى إعلان رسمي؛ يكفي أن يصبح مفهوما ضمنيا داخل الإدارة حتى يتحول إلى قاعدة عملية. وفي هذه البيئة بالذات تزدهر ظاهرة أخرى أكثر عمقا: الفساد الإداري. الفساد ليس مجرد رشوة فردية بين موظف ومواطن. إنه في كثير من الأحيان نظام كامل من العلاقات غير المعلنة التي تتسلل داخل الإدارة. تبدأ المسألة بتأخير بسيط في ملف ما، أو بتعقيد إجراء إداري، أو بإضافة توقيعات لا ضرورة لها. ومع مرور الوقت يكتشف بعض الموظفين أن هذه التعقيدات نفسها يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل غير رسمي. عندها يتحول المسار الإداري إلى متاهة، يعرف طريقها الحقيقي فقط من يملك العلاقات أو القدرة على الدفع. لكن الأخطر من الرشوة المباشرة هو الفساد الصامت. ذلك الذي لا يظهر في شكل أموال متبادلة بل في شكل خدمات متبادلة: تسهيل تعيين، تسريع ترقية، أو تمرير ملف حساس عبر قنوات غير رسمية. هذه الشبكات الصغيرة تتوسع مع الزمن حتى تصبح جزءا من الثقافة الإدارية نفسها. وحين تصل الأمور إلى هذا الحد، يصبح الموظف النزيه استثناء بدل أن يكون القاعدة. إن الجهاز التنفيذي المتضخم والجهاز القضائي المضغوط والبيروقراطية المثقلة بالإجراءات يشكلون معا بيئة مثالية لانتشار هذه الظواهر. لأن السلطة المركزة تبحث دائما عن الولاء، والولاء غالبا ما يجد طريقه عبر الامتيازات الصغيرة التي تمنح هنا وهناك. هكذا تتشكل طبقات داخل الإدارة نفسها: طبقة تعرف كيف تتحرك داخل شبكة النفوذ، وطبقة أخرى تكتفي بتسيير الأعمال اليومية دون تأثير حقيقي. أما المواطن العادي فيجد نفسه في مواجهة جهاز ضخم لا يعرف كيف يتعامل معه. الإجراءات طويلة، القرارات غير مفهومة أحيانا، والمسارات الإدارية تتغير دون تفسير واضح. ومع مرور الوقت يبدأ الشعور العام بأن الدولة لم تعد فضاء لخدمة الناس بل متاهة يجب البحث عن طرق خاصة للمرور عبرها. وهنا تكمن الخطورة الاجتماعية. لأن الثقة في المؤسسات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء. كل تجربة بيروقراطية مرهقة، كل ملف عالق، كل قصة عن رشوة أو محسوبية، تضيف طبقة جديدة من الشك بين المجتمع والدولة. ومع تراكم هذه الطبقات يصبح من الصعب إعادة بناء تلك الثقة بسهولة. لكن التاريخ الاجتماعي يقول إن المجتمعات لا تبقى إلى الأبد في حالة قبول صامت. فكلما توسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الإداري، يبدأ الناس في البحث عن أشكال أخرى من التنظيم والدفاع عن حقوقهم. النقابات، الحركات الاجتماعية، المبادرات المدني، كلها تظهر عادة عندما يشعر المواطنون أن المؤسسات التقليدية لم تعد قادرة على تمثيلهم. وهكذا يتحول الفساد الإداري من مسألة أخلاقية إلى مسألة سياسية بامتياز. لأنه يكشف حدود النموذج الذي تدار به الدولة. ويطرح سؤالا أعمق بكثير من مجرد معاقبة بعض الموظفين أو إصلاح بعض القوانين. السؤال الحقيقي هو: هل يمكن لجهاز إداري أن يخدم المجتمع إذا كان خاضعا بالكامل لمنطق السلطة؟ وهل يمكن للعدالة أن تحافظ على توازنها إذا تحولت إلى جزء من معادلة القوة السياسية؟ هذه الأسئلة لا تخص لحظة عابرة، بل تخص مستقبل الدولة نفسها. لأن أي مجتمع يريد الاستقرار الحقيقي لا يحتاج فقط إلى قوانين جديدة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى مؤسسات تستطيع الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. وعندما يفقد هذا المبدأ مكانه داخل الدولة، تبدأ رحلة طويلة من إعادة طرح السؤال القديم الذي لا يختفي في تاريخ الشعوب: كيف يمكن بناء سلطة تخدم المجتمع بدل أن تتحول إلى عبء عليه؟
وحين تفقد السلطة مشروعها، تبدأ في إدارة البلاد كما يدار حريق في غابة: إطفاء هنا، وإخماد هناك، دون خطة لإيقاف النار نفسها. السياسة تتحول عندئذ إلى ردود أفعال متلاحقة، لا إلى رؤية متماسكة. القرارات لا تصدر لأنها جزء من برنامج واضح، بل لأنها محاولة سريعة لتجاوز أزمة طارئة أو لامتصاص موجة غضب عابرة. في مثل هذه اللحظات يختفي الفرق بين الإدارة والتدبير المؤقت. فالحكم الذي كان يفترض أن يرسم اتجاه المجتمع لعقود قادمة يصبح منشغلا فقط بعبور الأيام القليلة المقبلة. لا توجد خريطة طريق، ولا جدول إصلاحات، ولا تصور اقتصادي طويل النفس. هناك فقط سلسلة من التدابير المرتجلة التي تعلن فجأة، ثم تعدّل فجأة، ثم تنسى فجأة. الارتجال في السياسة ليس مجرد خطأ في التقدير؛ إنه علامة على غياب البوصلة. فالدولة التي تعرف إلى أين تريد الذهاب تبني سياساتها على مراحل مترابطة: تشخيص للأزمة، برنامج للإصلاح، وأدوات تنفيذ واضحة. أما حين تختفي هذه السلسلة، تصبح القرارات أشبه بمحاولات عشوائية لتحريك عجلة متوقفة. ومع مرور الوقت يتكرس نمط معين من الحكم: الملفات الكبرى تبقى معلقة، بينما تستنزف الطاقة السياسية في معالجة التفاصيل اليومية. فبدلا من طرح أسئلة كبرى حول الاقتصاد والتعليم والتنمية الجهوية، تنشغل السلطة بمتابعة ردود الفعل، وبمراقبة المزاج العام، وبالبحث عن طرق لتفادي الاحتجاجات قبل أن تتوسع. وهكذا تتحول السياسة من إدارة المستقبل إلى إدارة القلق. إن أخطر ما في هذا الأسلوب أنه لا يعالج جذور الأزمات بل يؤجلها فقط. فالمشكلة التي تغطّى اليوم بإجراء ظرفي تعود غدا بشكل أكثر تعقيدا. لكن منطق الارتجال لا يسمح بالنظر إلى الغد؛ إنه يعيش بالكامل داخل اللحظة الراهنة. في هذا السياق يظهر خيار آخر تلجأ إليه كثير من الأنظمة عندما تعجز عن تقديم حلول اجتماعية واقتصادية: تحويل الأمن إلى أداة رئيسية لإدارة السياسة. عندما تضيق الخيارات السياسية، تتوسع الأدوات الأمنية. وحين يصبح الشارع فضاء للتذمر الاجتماعي، يعاد تعريفه باعتباره تهديدا للنظام العام. بهذه الطريقة يتغير معنى الاحتجاج. ما كان في الأصل تعبيرا عن مطالب اجتماعية يتحول في الخطاب الرسمي إلى مسألة انضباط وهدوء. لا ينظر إلى المتظاهر بوصفه مواطنا يحمل قضية، بل باعتباره مشكلة يجب احتواؤها بسرعة. وتبدأ آلية مألوفة في مثل هذه الأوضاع: توسيع دائرة الملاحقات، تكثيف المحاكمات، وفتح أبواب السجون كأداة لضبط المجال العام. لكن هذا المسار يحمل مفارقة قاسية. فالسجن يمكنه أن يوقف شخصا، لكنه لا يستطيع أن يوقف فكرة. والمحاكمة يمكنها أن تسكت صوتا معينا، لكنها لا تستطيع أن تمنع الأسباب التي دفعت ذلك الصوت إلى الظهور أصلا. إن السلطة التي تعتمد على الردع بدل الإصلاح تشبه طبيبا يعالج الحمى بكسر ميزان الحرارة. ربما يختفي الرقم المرتفع للحظة، لكن المرض يواصل التقدم في الجسد. والتاريخ السياسي مليء بالأمثلة التي تؤكد أن الاعتماد المفرط على الأدوات القسرية لا ينتج استقرارا دائما. بل على العكس، يؤدي غالبا إلى تراكم الغضب في طبقات عميقة من المجتمع، حيث يتحول الصمت الظاهري إلى احتقان غير مرئي. في مثل هذه الظروف يختل الإيقاع الطبيعي للحياة السياسية. الأحزاب تتراجع إلى الظل، النقاش العمومي يضيق، والفضاء العام يفقد حيويته. لكن المجتمع لا يتوقف عن التفكير حتى عندما يطلب منه الصمت. فالطلاب في الجامعات يناقشون مستقبلهم، والعمال في أماكن العمل يتحدثون عن الأجور والأسعار، والشباب في الأحياء الشعبية يتساءلون عن موقعهم في هذا البلد. هذه الحوارات الصغيرة التي تبدو عادية هي في الحقيقة النسيج الخفي للحياة السياسية. وعندما تتراكم الأسئلة دون أن تجد طريقها إلى النقاش العلني، فإنها لا تختفي؛ بل تتحول إلى شعور عام بأن السلطة تدير الوقت لا المستقبل. الفرق بين إدارة الوقت وإدارة المستقبل هو الفرق بين البقاء المؤقت والاستقرار الحقيقي. الأنظمة التي تعتمد على الارتجال تستطيع أحيانا عبور أزمات قصيرة، لكنها تواجه صعوبة كبيرة عندما تتراكم الأزمات معا: اقتصاد متعثر، مجتمع متوتر، ومؤسسات فقدت القدرة على الإقناع. عند تلك اللحظة يكتشف الجميع أن المشكلة لم تكن في الاحتجاجات نفسها، بل في غياب المشروع الذي كان يمكن أن يمنح المجتمع أفقا مختلفا. فالسياسة، في جوهرها، ليست مجرد الحفاظ على النظام القائم، بل القدرة على فتح طريق نحو الغد. وإذا تحولت الدولة إلى جهاز لا يجيد سوى إطفاء الحرائق وفتح الزنازين، فإنها تخسر أهم وظيفة من وظائفها: أن تمنح الناس سببا للإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر.
ففي الأنظمة التي تضيق فيها السياسة ويتقلص فيها النقاش العمومي، يظهر دور فئة جديدة في الفضاء الإعلامي: الكرونيكورات. ليسوا صحفيين بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، ولا باحثين في الشأن العام، بل وجوه يومية تستدعى لتفسير الواقع كما ترغب السلطة أن يفسّر. وهكذا يتحول جزء من الإعلام إلى مسرح متكرر تعاد فيه نفس الرواية مساء وصباحا. تجلس هذه الأصوات أمام الميكروفونات والكاميرات لتقدم نسخة مبسطة ومريحة من العالم. الأزمات تخفف حدتها بالكلمات، الغضب الشعبي يقدّم كضجيج عابر، والانتقادات تتحول إلى سوء فهم أو إلى مؤامرات غامضة. شيئا فشيئا يتشكل خطاب ثابت يكرر نفسه بلا توقف: كل ما يحدث طبيعي، وكل من يعترض إنما يبالغ أو يضلل أو يخدم أجندات خفية. هذه الآلية ليست مجرد اختلاف في الآراء، بل عملية منظمة لصناعة واقع بديل. فبدل أن يصبح الإعلام مرآة تعكس تعقيدات المجتمع، يتحول إلى جدار صوتي يحجبها. البرامج الحوارية تصبح مساحات للاتهام أكثر منها فضاءات للفهم، والنقاشات تتحول إلى محاكم رمزية تصدر فيها الأحكام قبل أن تُطرح الأسئلة. ومع الوقت تتكون لغة سياسية جديدة داخل هذه البرامج. كلمات مثل "الاستقرار" و"المصلحة الوطنية" تستخدم كعناوين عامة تلقى فوق كل قضية. أما التفاصيل الدقيقة للبطالة، للتفاوت الجهوي، للأزمات الاجتماعية، فتختفي خلف هذا الضباب اللغوي. لكن الإعلام وحده لا يكفي لإدارة المجال العام. لهذا تتوسع المراقبة إلى الفضاء الرقمي أيضا. المنصات الاجتماعية التي ولدت أصلا كمساحات للتعبير الحر تصبح بدورها ساحة مواجهة. كل تعليق حاد، كل منشور ساخر، كل تغريدة تنتقد السلطة قد تقرأ باعتبارها تجاوزا للحدود غير المعلنة. وهكذا ينتقل الصراع من الشارع إلى الشاشات الصغيرة التي يحملها الناس في جيوبهم. في هذا المناخ يكتشف كثير من المواطنين أن كلماتهم لم تعد تمر مرورا عابرا. بعض المنشورات تحذف، وبعض الحسابات تستدعى للتحقيق، وبعض الأصوات تجد نفسها فجأة داخل مسار قضائي طويل. الرسالة التي تصل إلى الجميع واضحة: الكلام لم يعد مجرد كلام. ترافق هذه الظاهرة لغة اتهام جاهزة تستخدم كلما ارتفعت الأصوات المنتقدة. فالمعارضة لا توصف فقط بأنها مختلفة في الرأي، بل تربط سريعا بتهم ثقيلة: المساس بالأمن العام، الإضرار بالدولة، أو التواصل مع جهات أجنبية. هذه العبارات تتحول إلى مفاتيح تفسير جاهزة تستعمل لإغلاق النقاش بدل فتحه. وهنا تدخل الأحزاب والجمعيات بدورها في دائرة الضغط. فالفضاء المدني الذي يفترض أن يكون مجالا لتنظيم المجتمع يصبح محاطا بالشكوك. الاجتماعات تراقب، التمويلات تسأل عنها بتفصيل دقيق، والخطابات السياسية تقرأ أحيانا بعين أمنية لا بعين سياسية. ومع مرور الوقت يشعر كثير من الفاعلين المدنيين بأن العمل العام لم يعد نشاطا عاديا بل مغامرة محفوفة بالاتهامات. لكن المفارقة الكبرى أن هذه الإجراءات لا تلغي الأسئلة التي يطرحها المجتمع. فالمشاكل الاجتماعية لا تختفي لأن برنامجا تلفزيونيا قلل من شأنها. والاحتجاجات لا تمحى من الذاكرة لأن منشورا انتقاديا أُزيل من الإنترنت. الواقع يعيش في حياة الناس اليومية: في الأسعار التي ترتفع، في فرص العمل التي تضيق، وفي النقاشات التي تدور في المقاهي والبيوت. ولهذا فإن الفجوة بين الخطاب الإعلامي والحياة الفعلية قد تتسع مع الزمن. حين يسمع المواطن رواية وردية بينما يواجه صعوبات ملموسة، يبدأ الشك في التسلل إلى علاقته بالمعلومة نفسها. هذه اللحظة دقيقة للغاية في حياة أي مجتمع. لأن الثقة في الإعلام ليست مسألة تقنية بل مسألة سياسية وثقافية أيضا. وعندما يشعر الناس بأن الشاشات لم تعد تعكس ما يعيشونه، يبحثون عن مصادر أخرى للفهم: أحاديث مباشرة، منصات بديلة، أو نقاشات غير رسمية خارج الأضواء. وهكذا تتشكل خريطة إعلامية غير معلنة، موازية للفضاء الرسمي. التاريخ يبين أن السيطرة الكاملة على الكلمة أمر صعب التحقيق. يمكن تضييقها، يمكن ملاحقتها، ويمكن تشويهها أحيانا، لكن الأفكار تجد دائما طرقا جديدة للظهور. فالكلمة التي تمنع في برنامج تلفزيوني قد تظهر في مقهى، والتي تحذف من منصة رقمية قد تنتقل إلى فضاء آخر. إن المجتمع لا يتوقف عن الكلام، حتى عندما يطلب منه الصمت. لهذا فإن معركة الخطاب في أي بلد ليست مجرد صراع بين إعلام ومعارضة، بل هي صراع حول من يملك القدرة على تعريف الواقع. هل يعرّف الواقع من أعلى عبر الرواية الرسمية وحدها، أم من خلال التعدد الطبيعي للأصوات التي يعيش بها أي مجتمع حي؟ هذا السؤال يظل مفتوحا دائما، لأن الحقيقة في النهاية لا تعيش داخل الاستوديوهات فقط، بل تعيش أيضا في حياة الناس التي لا يمكن اختزالها في خطاب واحد مهما تكرر بثه.
وفي نهاية المطاف، حين تتراكم كل هذه الظواهر داخل بلد واحد، لا تعود المسألة مجرد أخطاء متفرقة في الحكم، بل تصبح صورة كاملة لنظام سياسي فقد توازنه التاريخي. إن الدولة، حين تنحرف عن وظيفتها الأصلية، لا تسقط فجأة بضربة واحدة؛ بل تدخل في مرحلة طويلة من التآكل البطيء. في تلك المرحلة تبدو المؤسسات قائمة، والقوانين موجودة، والخطابات مستمرة، لكن شيئا عميقا في العلاقة بين المجتمع والسلطة يكون قد انكسر. المجتمعات لا تعيش فقط بالقوانين والقرارات، بل تعيش أيضا بالثقة. الثقة بأن الدولة وجدت لحماية الجميع لا لخدمة قلة، وبأن المؤسسات ليست مجرد هياكل صامتة بل فضاءات حقيقية للتعبير والمشاركة. فإذا تآكلت هذه الثقة، يبدأ المجتمع في النظر إلى السلطة باعتبارها جسما منفصلا عنه، كيانا قائما بذاته لا يعكس تطلعاته ولا يفهم نبضه. وهنا يتغير معنى السياسة بالكامل. السياسة التي كان يفترض أن تكون نقاشا حول المستقبل تتحول إلى صراع يومي حول البقاء. السلطة تحاول تثبيت مواقعها، والمجتمع يحاول الدفاع عن حدوده الدنيا من الكرامة والعيش. وبين الطرفين تتسع مسافة الصمت والتوجس. لكن التاريخ يعلمنا شيئا أساسيا: لا يوجد نظام يستطيع إدارة مجتمع كامل إلى الأبد اعتمادا على الخوف أو على توازنات ضيقة. قد تنجح هذه الوسائل لفترة، وقد تبدو فعالة في لحظات معينة، لكنها لا تستطيع أن تبني استقرارا دائما. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الصمت، بل يقوم على الشعور العام بأن البلاد تسير في اتجاه مفهوم ومقبول لدى أغلبية الناس. عندما يغيب هذا الشعور، يبدأ المجتمع في البحث عن بدائل، أحيانا ببطء وأحيانا بسرعة غير متوقعة. الأفكار التي كانت هامشية تبدأ في الانتشار، والأسئلة التي كانت تطرح في دوائر صغيرة تتحول إلى نقاشات واسعة. ومع مرور الوقت تظهر قوى جديدة تحاول صياغة إجابات مختلفة عما هو قائم. هذه هي اللحظات التي يدخل فيها التاريخ مرحلة التحول. فالأنظمة السياسية ليست كيانات أبدية، بل محطات في مسار طويل من التغير الاجتماعي. بعضها ينجح في تجديد نفسه وفتح آفاق جديدة، وبعضها يختار الانغلاق حتى يصل إلى لحظة لا يعود فيها قادرا على الاستمرار بنفس الصيغة القديمة. وفي مثل هذه اللحظات يصبح دور المجتمع حاسما. ليس المجتمع بوصفه كتلة غاضبة فقط، بل بوصفه فضاء للإبداع السياسي والاجتماعي. العمال الذين ينظمون مطالبهم، الطلبة الذين يناقشون مستقبل التعليم، المثقفون الذين يحللون الواقع، والنقابيون الذين يدافعون عن الحقوق ، كل هؤلاء يشكلون معا شبكة الحياة العامة التي تمنح أي بلد طاقته الحقيقية. فالبلدان لا تبنى داخل المكاتب المغلقة وحدها، بل تبنى أيضا في النقاشات اليومية بين الناس، في التجارب الصغيرة للتنظيم والتضامن، وفي القدرة الجماعية على تخيل مجتمع أكثر عدلا. إن اللحظة التي يعيشها أي شعب في مثل هذه الظروف ليست نهاية الطريق، بل بداية سؤال أكبر: كيف يمكن تحويل الغضب المتراكم إلى مشروع سياسي جديد؟ وكيف يمكن الانتقال من مجرد رفض الواقع إلى بناء بديل حقيقي له؟ هذه الأسئلة لا تجاب في يوم واحد، لكنها تشكل البذرة التي تنمو منها التحولات الكبرى. ولعل أهم درس في تاريخ الشعوب هو أن الطاقة الاجتماعية لا تختفي حتى في أحلك الفترات. قد تنحسر أحيانا، قد تتشتت، وقد تبدو عاجزة أمام آلة السلطة، لكنها تبقى كامنة في عمق المجتمع مثل تيار هادئ ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر من جديد. فالمستقبل لا يصنعه الخوف، بل تصنعه الإرادة الجماعية عندما تقرر أن الزمن لا يجب أن يبقى أسيرا للحاضر. وعندما يصل مجتمع ما إلى هذه القناعة، تبدأ مرحلة مختلفة تماما من تاريخه. مرحلة لا يكون فيها السؤال فقط من يحكم، بل كيف يجب أن تدار البلاد، ولصالح من، وبأي قيم. هناك، في تلك النقطة بالذات، يولد الأفق الجديد. أفق يتجاوز الصراعات الضيقة، ويتجاوز الخوف، ويتجاوز كل البنى التي حاولت أن تجعل المجتمع مجرد تابع لسلطة مغلقة. فالشعوب قد تتعب، لكنها لا تختفي من التاريخ. والأزمنة قد تطول، لكنها لا تستطيع أن توقف حركة الحياة عندما تقرر المجتمعات أن تستعيد حقها في صياغة مصيرها.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
-
أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
-
الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب
...
-
في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو
...
-
الطبيعة الطبقية للديمقراطية
-
عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال
...
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
-
الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل
...
-
جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
-
اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء
...
-
من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
-
السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو
...
-
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ
...
-
الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا
...
-
الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم
...
-
من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
-
الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في
...
المزيد.....
-
صور توثق لحظة صراعٍ محتدم بين نسر ضخم وابن آوى في جبال بلغار
...
-
مشاهد مهيبة.. برق وأعاصير تخترق سماء شمال أركنساس بأمريكا
-
هل تستطيع إيران زعزعة استقرار الـ-بترودولار- بتحويل تداول ال
...
-
السعودية.. المحكمة العليا تحدد موعد تحري رؤية هلال شوال وبدا
...
-
اتصالات بين البيت الأبيض وقادة عرب.. بن سلمان يدعو ترامب إلى
...
-
-حزب الله قادر على تحويل حياتنا إلى جحيم-.. دعوات في تل أبيب
...
-
ترامب يضغط… وستارمر يرفض: مضيق هرمز يتحول إلى اختبارٍ لتحالف
...
-
فرنسا: لماذا يستقيل رؤساء البلديات؟
-
أفغانستان: مقتل شخصين في غارات باكستانية جديدة استهدفت شرق ا
...
-
مراسلة فرانس24 من القدس نقلا عن وسائل إعلام إسرائيلية: ليلة
...
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|