سناء عليبات
الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 02:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مع إعلان خبر وفاة يورغن هابرماس اليوم، سارعت النخبة العربية، المأخوذة ببريق "اللوغوس" الغربي، إلى صياغة مراثٍ تمجد "أب الفعل التواصلي" وتأبنه كآخر عمالقة التنوير، في مشهدٍ يثير الذهول والقرف الوجودي معاً. إنّ هذا التهافت على تلميع صورة هابرماس يكشف عن انفصامٍ بنيوي في وعي المثقف الذي يفصل بدم بارد بين "النظرية" وبين دماء الضحايا التي تلطخ يد صاحبها؛ فكيف يُحتفى برجلٍ قضى عقوده الأخيرة يشرعن "فلسفة القتل" ويضع شروطاً إقصائية للحوار لا تستقيم إلا داخل ردهات المركزية الأوروبية المرفّهة؟ إنّ ما يجب أن نركز عليه اليوم، بعيداً عن تقديس المتون المحنطة، هو أن مواقف هابرماس "سيئ الذكر" المخزية من حرب الإبادة في غزة لم تكن مجرد سقطة سياسية عابرة، بل هي التجلّي الحقيقي لنظرية تواصلية صُممت أصلاً لتكون نادياً حصرياً للذات الغربية، حيث تُمنح "العقلانية" صكوك الغفران للمقتلة، وتتحول "إيتيقا المناقشة" إلى جدار عازل يخرس صرخة المظلوم لصالح صالونات المركز الحضاري.
وهنا يبرز الدرس الراديكالي لزيجمونت باومان، الذي فضح كيف تتحول الحداثة بعقلانيتها التواصلية المتصلبة إلى ماكينة لإنتاج "المنبوذين" و"النفايات البشرية"؛ فالفلسطيني في عرف هابرماس هو ذاتٌ خارج سياق التاريخ، لا يملك أدوات "التفاهم" التي فصلها المركز على مقاسه. إنّ دفاع النخبة عنه اليوم هو تورطٌ مضمر في ذات الإمبريالية الفكرية التي ترى في دماء المهمشين مجرد "ضجيج" تقني يعيق صفو الحداثة، وهو ما يضعنا أمام السؤال الأخلاقي الحارق: ما نفع المعرفة، وما جدوى التبحر في الفلسفة، إذا كانت تقف في خندق الظلم وتبرر التوحش؟ إنّ الفكر الذي لا يرى الأشلاء المنثورة في غزة هو فكر "أداتي" ميت، وما التباكي على هابرماس إلا إعلان عن انحيازٍ لذهنية عنصرية مقنّعة، تتقن تنميق الكلمات بينما تبارك قصف الحقيقة وتؤبد إبادة الآخر باسم "مشروع الحداثة الذي لم يكتمل".
#سناء_عليبات (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟