أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - الدين والسياسة في الحرب ضد إيران: قراءة تحليلية لأطروحات فالنتين كاتاسونوف والتحولات في طبيعة الصراع الدولي















المزيد.....

الدين والسياسة في الحرب ضد إيران: قراءة تحليلية لأطروحات فالنتين كاتاسونوف والتحولات في طبيعة الصراع الدولي


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 10:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


14 آذار/مارس 2026


المقدمة

في خضم التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين، برزت قراءات فكرية وتحليلية روسية تسعى إلى فهم طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. من بين هذه القراءات، تبرز أطروحات العالم الإقتصادي والمفكر الروسي البروفيسور فالنتين كاتاسونوف في بحث نشره بتاريخ 8 آذار/مارس الجاري بعنوان صادم «الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: دلائل على الجنون.
الصهاينة المسيحيون في أمريكا مستعدون لدعم إسرائيل مهما كلف الأمر»، الذي نشر على موقع مؤسسة الثقافة الإستراتيجية. أطروحات كاتاسونوف تقترح رؤية مغايرة للمعركة الحالية، عبر التركيز على البعد الديني والأيديولوجي للخطاب السياسي والعسكري الغربي تجاه إيران.

يطرح كاتاسونوف فكرة محورية: أن الحرب ضد إيران، في بعض الدوائر الغربية، لا تُقدَّم بإعتبارها مجرد صراع جيوسياسي على مصالح أو نفوذ، بل يُعاد تأطيرها في أحيان كثيرة ضمن لغة دينية أو مقدسة، حيث يُستفاد من الرموز الدينية لتعبئة الرأي العام والجنود وإضفاء هالة أخلاقية على القرارات السياسية والعسكرية.


الدين كأداة تعبئة سياسية وعسكرية

يرى كاتاسونوف أن إستخدام الدين في الحروب ليس ظاهرة معاصرة فحسب، بل أداة سياسية متكررة عبر التاريخ. في كثير من الأحيان، تُضفى على الصراع هالة أخلاقية أو دينية بهدف رفع معنويات الجيوش وتبرير التضحيات البشرية. ويقول في هذا السياق: "عندما تدخل السياسة مرحلة المواجهة القصوى، يصبح إستدعاء الرموز الدينية وسيلة فعالة لتحويل الصراع من نزاع مصالح إلى معركة ذات طابع أخلاقي أو مقدس."

هذا يتضح بشكل خاص في الخطاب الإسرائيلي، حيث تحمل بعض العمليات العسكرية أسماءً ذات دلالات توراتية أو دينية. فالرمزية التوراتية تُستخدم لتأكيد أن الصراع يتجاوز السياسة اليومية، ليصبح جزءًا من قصة تاريخية كبرى عن البقاء والهوية.

على الجانب الأمريكي، يظهر تأثير الصهيونية المسيحية، التي تربط بين دعم إسرائيل وتحقيق النبوءات الدينية الخاصة بنهاية الزمن. هذا التيار لا يقتصر تأثيره على المجتمع المدني، بل يمتد أحيانًا إلى صانع القرار السياسي، ما يجعل الخطاب الديني جزءًا من أدوات صياغة السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.


من بوش الإبن الى ترامب مرورا بنتنياهو

في الحروب المعاصرة لم يعد البعد الديني مجرد خلفية ثقافية، بل أصبح أداة خطابية وسياسية تُستدعى بوعي لتأطير الصراع وإعادة تعريفه. يظهر ذلك بوضوح في ثلاثة نماذج متباعدة زمنياً لكنها متشابهة في البنية الفكرية. فعندما إستحضر بنيامين نتنياهو قصة العماليق التوراتية في سياق الحرب على قطاع غزة، لم يكن ذلك مجرد إقتباس ديني عابر، بل إستدعاء لرمزية توراتية قديمة تُصوِّر العدو بإعتباره تهديداً وجودياً يجب القضاء عليه. قبل ذلك بسنوات، إستخدم جورج بوش الابن في أعقاب هجمات 11 ايلول/ سبتمبر 2001 مصطلح “الحملة الصليبية” عند إطلاق ما سُمّي بـ الحرب على الإرهاب، وهو تعبير يستدعي مباشرة ذاكرة الحروب الصليبية التاريخية ويضفي على الصراع طابعاً عقائدياً يتجاوز السياسة، في حين عززت ممارساته مثل الصلاة الجماعية في البيت الأبيض قبل إصدار أوامر عسكرية من التأطير الديني للقرار السياسي، لتبدو الحروب وكأنها مصيرية وموكولة بالله. أما في خطاب دونالد ترامب فقد إتخذ التديين شكلاً مختلفاً لكنه يؤدي الوظيفة نفسها؛ إذ صوّر المواجهة مع الخصوم الجيوسياسيين باعتبارها دفاعاً عن “الحضارة الغربية” وقيمها، وهو إطار يضع الصراع في ثنائية حضارية شبه لاهوتية بين عالمين متعارضين. وعند جمع هذه الخطابات الثلاثة تتضح آلية واحدة: تحويل الحرب من صراع مصالح قابل للتفاوض إلى مواجهة ذات طابع أخلاقي أو ديني مطلق، حيث يصبح الخصم تجسيداً للشر أو للعدو التاريخي أو للحضارة المضادة. بهذا المعنى، لا يجري خوض الحروب الحديثة بالسلاح فقط، بل أيضاً بإعادة صياغتها خطابياً بوصفها صراعات مقدسة أو وجودية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التعبئة السياسية ويُضعف في الوقت نفسه إمكانات التسوية العقلانية.

التاريخ كمرآة لفهم الصراعات المعاصرة

التاريخ الأوروبي والعالمي يقدم العديد من الأمثلة على الحروب الدينية التي كانت في جوهرها صراعات على السلطة والنفوذ. من أبرزها الحروب الصليبية التي إستمرت قرنين تقريبًا، والتي قدّمت كحروب لإستعادة الأراضي المقدسة، لكنها كانت في الواقع صراعات جيوسياسية وإقتصادية بين أوروبا والشرق.

أمثلة أخرى تشمل حرب الثلاثين عامًا (1618–1648)، التي بدأت كصراع ديني بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا الوسطى، وأدت إلى إبادة ما بين ثلث إلى نصف سكان المنطقة، بما في ذلك النخب. هذه التجربة التاريخية علمت الأوروبيين أن الحروب غير المقيدة والمحفزة بالدين تؤدي إلى كارثة شاملة، وهو ما أدى إلى ظهور مفهوم "الحروب التقليدية المُدارة" بعد معاهدة وستفاليا 1648، حيث توضع قواعد هندسية للحرب: حماية القادة، عدم إستهداف الأسر، وضمان شروط تفاوضية واضحة لتجنب إستنزاف الأطراف المتحاربة بالكامل.


الحرب الوجودية: التحول المعاصر

التطور التاريخي للحروب يُظهر أن ما يُعرف بـ الحرب الوجودية (Existential War) تختلف عن الحروب التقليدية في كونها تهدف إلى إبادة خصمها بالكامل، بما في ذلك القادة والنخب والأسر. النصوص الدينية القديمة، مثل أحداث الحرب بين بني إسرائيل والعمالقة أو وصفية الكتاب المقدس، تُقدم نموذجًا للحرب الوجودية التي لا تترك فرصة للتسوية أو التفاوض.
في الصراع الحالي ضد إيران، هناك مؤشرات على تحول نحو هذا النمط من الحروب، حيث:
•إستهداف القادة والنخبة المحتمل.
•إستخدام الخطاب الديني والتوراتي لتبرير العمليات العسكرية، كما يظهر في الخطاب الإسرائيلي الذي يربط الأحداث بنصوص مقدسة.
•إستغلال المناسبات الرمزية والدينية (مثل عيد بوريم والقمر الدموي) لإضفاء طابع مقدس على العمليات العسكرية، وجعلها جزءًا من سردية تاريخية دينية.


الأيديولوجيا الأمريكية والإسرائيلية

التحليل التاريخي والحديث يوضح أن هناك تيارات مسيحية أصولية أمريكية تربط بين إعادة بناء الهيكل في القدس وتحقيق النبوءات الأخيرة، وتعتبر أن دعم إسرائيل جزء من مهمتها الدينية. هذه التيارات تتفاعل مع المؤسسات السياسية والإعلامية لتشكيل بيئة مؤيدة للعمليات العسكرية، حيث:
•تتلقى مشاريع الدعم السياسي (Lobbying) والميزانيات الكبيرة لترويج الخطاب الديني والسياسي.
•يشارك ملايين الأمريكيين في أنشطة دعم إسرائيل إنطلاقًا من إعتقادات دينية.
•يُستغل الزمان الرمزي (مثل الأعياد الدينية) لتقديم العمليات العسكرية كتحقيق لنبوءة أو مهمة تاريخية.


المخاطر على النظام الدولي

التحول نحو الحرب الوجودية يحمل عدة مخاطر:
1. تصعيد متبادل يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية هائلة، مشابهة للحروب الدينية الأوروبية التاريخية.
2. فقدان أدوات التفاوض والتسوية، لأن الأطراف ستقاوم حتى النهاية خوفًا من إبادة قياداتها وأسرها.
3. إنتقال النزاع من حدود الدولة إلى نطاق عالمي، مع إستهداف "الأهداف الناعمة" في دول ثالثة، ما يزيد تعقيد الصراع الدولي.

التاريخ يوضح أن تجاوز قواعد الحروب التقليدية يؤدي إلى تدمير شامل للنخب والسكان، وهو ما يطرح سؤالًا حول مدى قدرة المؤسسات الدولية الحديثة على ضبط النزاعات المتصاعدة.


الخاتمة

أطروحات فالنتين كاتاسونوف تقدم قراءة فريدة للصراع ضد إيران، مركّزة على البعد الأيديولوجي والديني في صناعة القرار السياسي والعسكري. الحروب، في نظره، لا تُخاض فقط بالأسلحة والإقتصاد، بل بالأفكار والرموز، ويصبح الدين أداة قوية لتعبئة الشعوب وتحويل النزاعات إلى معارك وجودية.

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى دراسة أعمق للعلاقة بين الدين والسياسة في النظام الدولي، وفهم كيف يمكن أن تؤثر المعتقدات الدينية على قرارات الحرب والسلام في العالم المعاصر. هذه العلاقة المعقدة ستظل محور نقاش وتحليل طويل، خاصة في سياق الصراعات التي تتجاوز مجرد المنافسة على النفوذ إلى صراعات وجودية أيديولوجية.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين: الجميع منشغلون بإعادة تقسيم العالم… بينما نحن ...
- لغز حرب إيران: هل أخطأ ترامب الحسابات الكبرى؟
- ألكسندر دوغين - الخلافة العباسية الجديدة: كيف يتخيّل دوغين ص ...
- العدوان الثنائي على إيران - جردة حساب أولية
- إلى أن يرمش أحدهم أولاً: هل خرجت حرب الشرق الأوسط عن السيطرة ...
- حرب تتسع… ونقاش يتفجر في واشنطن
- مأزق الردع الإيراني: هل أخطأت إيران إستراتيجيًا؟ ولماذا لا ت ...
- ما وراء التفوق العسكري: كيف يمكن لواشنطن أن تخسر حربًا لا تُ ...
- ظلال فيتنام وأفغانستان: هل تكرر أمريكا أخطاءها في مواجهة إير ...
- ألكسندر دوغين - حرب بعل
- الأكراد وإيران في مرمى الإستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية
- ألكسندر دوغين - لدى روسيا سبب وجيه للغاية لتؤدي دور وسيط الس ...
- ما بعد النظام الدولي: حين يتراجع القانون أمام القوة
- ألكسندر دوغين: لم ندافع عن فنزويلا ولا عن إيران… لذا قد يكون ...
- ألكسندر دوغين يوضح موقفه من الهجوم على إيران - -سيف الكاتيخو ...
- توجيه دوغين - إنّ إهمال الفلسفة في مجتمعنا بلغ مرحلة حرجة. ل ...
- ألكسندر دوغين - الشعب الروسي يطالب بالعدالة
- العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران: من -فات الأوان- إلى - ...
- العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران: من «الغضب الملحمي» إل ...
- زئير الأسد ودرع يهوذا: العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران ...


المزيد.....




- السيسي: مصر ليست بمنأى عن تداعيات الحرب في الخليج.. ورفع أسع ...
- منصة صينية تكشف التحركات العسكرية.. هل تراقب بكين القوات الأ ...
- اليابان تسحب 80 مليون برميل من احتياطيات النفط لتهدئة الأسوا ...
- لماذا رفضت المحكمة العليا في الهند إجازة الطمث للنساء؟
- دراسة تكشف عن علاقة -شيخوخة الأمعاء- بتدهور القدرات الإدراكي ...
- ضغوط في واشنطن لإيقاف الحرب ولاستمرارها.. لمن يستمع ترمب؟
- عراقجي: الهجوم على جزيرة خارك شُن من أراضي جيراننا
- خبير عسكري: الساحة العراقية ورقة طهران لاستنزاف واشنطن
- فيدان: نناقش مع إيران التناقض بين البيانات وإطلاق الصواريخ
- هآرتس: توقعات بإجراء محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان قريبا ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - الدين والسياسة في الحرب ضد إيران: قراءة تحليلية لأطروحات فالنتين كاتاسونوف والتحولات في طبيعة الصراع الدولي