عبدالرحمن كلو
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 18:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
شرعية البندقية المأجورة وتغييب السياسة
قراءة في مآلات الاندماج الوظيفي في شمال سوريا
عبد الرحمن كلو
───────────────────────────────
أولاً: بين المُعلَن والواقع الميداني
شهدت الساحة السورية في الثلاثين من يناير 2026 إعلانَ اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، برعاية أمريكية وفرنسية وبمشاركة إقليم كوردستان العراق. قُدِّم هذا الاتفاق بوصفه خطوةً سياسية أمنية تستهدف إنهاء حالة الاشتباك المسلح ونزع فتيل صاعق التفجير، ومن ثم تفكيك الاحتقان المجتمعي المتراكم في المنطقة، وفتح مسارات السلم الأهلي عبر دمج بعض البنى العسكرية والإدارية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة المركزية وتطبيع الحالة الوطنية السورية. وقد تزامن ذلك مع صدور «المرسوم رقم 13» المتضمِّن إجراءاتٍ مرتبطة بالخصوصية الكوردية والحقوق الثقافية والإدارية، مما أوحى بأن الاتفاق يُشكِّل مدخلاً أولياً نحو معالجة المسألة الكوردية في سوريا.
غير أن التطورات اللاحقة كشفت بجلاء عن مفارقة حادة بين الإطار الشكلي للاتفاق والآمال المعلَّقة عليه من جهة، وواقعه العملي الميداني من جهة أخرى. فحتى اللحظة، لم يتحقق أي انتقال فعلي لمؤسسات الدولة السورية إلى مناطق الإدارة، ولم تُفكَّك البنى التنظيمية والعسكرية المرتبطة بمنظومة حزب العمال الكوردستاني (PKK) التي تمثل العصب الحاكم لتلك المناطق. بل على النقيض من ذلك، أثبتت هذه المنظومة قدرةً عالية على التكيف بصورة ممنهجة، إذ أعادت ترتيب مواقعها بما يكفل الحفاظ على استقلاليتها التنظيمية ضمن فضاء أو مساحة من التخادم الأمني مع دمشق.
ثانياً: التفاوض بالنار — الصراع المسلح أداةً لإعادة التموضع
لاستيعاب طبيعة هذا الاتفاق وأبعاده الحقيقية، لا بد من تفكيك ديناميكيات المعارك الدموية التي سبقته وهيّأت أرضيته، ولا سيما الاشتباكات التي دارت في محيط سد تشرين، وأحياء حلب الشرقية، ومحيط دير حافر، والرقة. ففي منطق الصراعات المسلحة وتكتيكات الفاعلين من غير الدول (Non-state actors)، كثيراً ما تُوظَّف المواجهات الدامية في مراحل الانتقال السياسي بوصفها ضرباً من ضروب «التفاوض بالنار». وقد كانت تلك الاشتباكات في جوهرها محاولةً من المنظومة المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني (PKK) القائدة لـ«قسد» لتثبيت موقعها التفاوضي، وإثبات قدرتها على التحكم في المشهد الميداني، بما يُتيح لها تحويل حضورها العسكري إلى رصيد سياسي وإداري - مشرع -داخل بنية الدولة من خلال الورقة الكوردية كبطافة عبور، دون المساس بهيكلها التنظيمي الذاتي بإستثناء بعض الجوانب الشكلية الخاصة بالتوصيفات أو التسميات.
ولا يمكن قراءة هذه المعارك بمعزل عن سياقها الإقليمي، ولا سيما الدور التركي في إدارة التوازنات العسكرية في الشمال السوري. فكما احتفظت المنظومة المرتبطة بالـ PKK بهياكلها التنظيمية داخل «قسد»، احتفظت الفصائل السورية المسلحة المدعومة تركياً بدورها ببنيتها العسكرية والتنظيمية الخاصة رغم إدماجها الشكلي ضمن تشكيلات الجيش السوري. ومن ثَمَّ، يمكن النظر إلى بعض جولات التصعيد العسكري في تلك المرحلة باعتبارها نتاج تفاعل ميداني بين شبكتين من الفاعلين غير الدولتيين المرتبطَين بقوة مرجعية واحدة ( تركيا ) ؛ حيث أسهمت ديناميكيات التصعيد المتبادل في إنتاج بيئة من الفوضى الوظيفية المُدارة، التي كثيراً ما تُستثمَر لتمرير ترتيبات أمنية تخدم حسابات الإستراتيجية التركية في سوريا.
ثالثاً: الاندماج الوظيفي في مقابل تغييب القضية السياسية
هنا تتجلى الإشكالية المحورية؛ إذ يكشف غياب أي خطوات عملية لتفكيك الهياكل التنظيمية الموازية — كمنظمات الشبيبة الثورية والمنظمات النسوية التابعة للمنظومة، فضلاً عن الهياكل ذات الطابع الترهيبي والأجهزة الأمنية المحلية التي تمارس دوراً سلطوياً داخل المجتمع الكوردي — يكشف بوضوح أن بنية السلطة القائمة فيما كانت يُعرَف بالإدارة الذاتية لم تتعرض لأي تغيير بنيوي جوهري. كما أن الجولات الإستعراضية أو الدبلوماسية التي أجراها ممثلو «قسد» في عواصم أوروبية عكست إصراراً واضحاً على صون هذه الهياكل بوصفها أدوات سلطة راسخة لضبط الفضاء الاجتماعي وحوكمته .
على هذا الأساس، لا يبدو الاتفاق مساراً حقيقياً لمعالجة البنية السياسية للصراع أو لحل المسألة الكوردية — بما تنطوي عليه تاريخياً من مطالب الاعتراف السياسي والحقوق الإدارية والمشاركة الفعلية في السلطة لشعب أصيل بهوية متمايزة — بقدر ما يبدو امتداداً لمسار مغاير يُعيد تنظيم وظائف السلطة في المناطق الكوردية دون المساس بجوهر معادلة السيطرة القائمة.
وبهذا المعنى، يمكن توصيف ما جرى بأنه «اندماج وظيفي وتنظيمي» لمنظومة مسلحة داخل بنية الدولة أو على هوامشها؛ أي إعادة تموضع لشبكة تنظيمية راسخة داخل معادلة السلطة الجديدة دون تفكيك بنيتها الأساسية أو المساس بمنظومة إنتاجها الأيديولوجي والتنظيمي.
ويظهر الاتفاق، من هذه الزاوية، آليةً لإعادة تدوير منظومة الـ PKK ضمن التوازنات الإقليمية المستجدة، مع إبقاء القضية الكوردية ذاتها خارج إطار التسوية السياسية الفعلية، وهو ما درجت عليه ما يمكن تسميته «استراتيجية الدولة العميقة» التي تعتمد توظيف الهياكل التنظيمية الوسيطة للحفاظ على توازنات القوى أو السيطرة بعيداً عن أي تسوية سياسية جذرية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اتفاق الاندماج الوظيفي وما يجري على الأرض من تحولات ليس سوى امتداد لمسار اتفاق بختشلي-أوجلان، الذي اختزل مفهوم «الاندماج الديمقراطي» في مجرد إعادة تموضع تنظيمي، دون أي مساس بهيكلية السيطرة أو اعتراف بالحقوق القومية المشروعة.
رابعاً: أزمة التمثيل — الفراغ السياسي في المشهد الكوردي
تُحيلنا هذه الترتيبات الأمنية إلى الإشكالية البنيوية الأعمق في المشهد الكوردي السوري: الهوة الواسعة بين سطوة التنظيمات العسكرية وضعف التمثيل المدني والسياسي التعددي — بل انعدامه في أحيان كثيرة.
فقد أفضى افتقار الشارع الكوردي إلى قيادة سياسية مؤسساتية مستقلة إلى سهولة اختزال حقوق هذا المجتمع في تفاهمات سلطوية بين دمشق والبنادق المسلحة. فالقوى التقليدية تبدو خارج دائرة التأثير الفعلي؛ إذ يرزح «المجلس الوطني الكوردي» في حالة من الجمود السياسي أفقدته صلاحيته وقدرته على الفعل، فيما أثبتت أحزاب PYNK أنها لم تكن يوماً أحزاباً سياسية بالمعنى المؤسساتي الحقيقي، بل واجهات وظيفية وهياكل شبه سياسية أنتجتها منظومة الـ PKK لخدمة أجندتها التنظيمية اليومية مقابل التمويل وبعض جوانب النفوذ الطرفي أو الهامشي .
هذا الفراغ السياسي المزمن جعل الشارع الكوردي عاجزاً عن امتلاك أي تمثيل تفاوضي فعّال، مما يدفعه اليوم نحو محاولة فتح مسارات ذاتية للتواصل مع دمشق، معتمداً على الشخصيات المستقلة والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني التي تعمل خارج إطار تلك الهياكل الحزبية المُجوَّفة.
خامساً: مآلات الاتفاق وسؤال المستقبل
يضعنا اتفاق يناير 2026 أمام سؤال جوهري حول مستقبل المنطقة: هل يمثل هذا المسار مجرد «إعادة تدوير للـ PKK» في شمال سوريا وإعادة إنتاجه بصورة مقبولة محلياً ودولياً، وهو ما يتقاطع مع ترتيبات أنقرة في إطار «مسار بختشلي-أوجلان» وما يتسرب من رسائل أوجلان التوجيهية من لدن دولة تركيا العميقة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، ومآلات هذه الترتيبات الهشة، ترتبط ارتباطاً عضوياً بالتحولات الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها نتائج وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية المفتوحة على إيران ما يشهده المسرح الإقليمي من متغيرات جبوسياسية، والتي ستُعيد رسم خرائط النفوذ وإعادة توزيع أدوار الوكلاء في المنطقة برمتها.
وعليه فإن اتفاق ( دمشق-قسد ) يضعنا أمام مفترق طرق بالغ الأهمية، لا تحتمل مآلاته التسويف:
• إما أن يُشكِّل خطوةً انتقالية أولى نحو صياغة عقد سياسي جديد، يعترف بالشعب الكوردي شريكاً أصيلاً في الدولة السورية، ويُفضي إلى إطار سياسي تعددي يُعبِّر عن المجتمع الكوردي بوصفه فاعلاً سورياً مستقلاً ومتمايزاً عن منظومة الـ PKK وتواجدها الإشكالي داخل الجسد السوري.
• أو أن يُرسِّخ نموذجاً مشوهاً من تقاسم النفوذ الأمني بين الدولة والميليشيات المسلحة، فيُعيد إنتاج «النفايات السياسية» التركية في الشمال السوري تحت مسميات جديدة وأثواب مختلفة، مُرحِّلاً القضية الكوردية مرة أخرى إلى مجهول قادم الأيام، لتبقى ضحية دائمة لترتيبات الرعاية الإقليمية الجامعة بين السلطة والبندقية.
#عبدالرحمن_كلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟