مصطفى صامت
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 18:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كثيرا ما يبادر الى أذهان متابعي الصراع الايراني الغربي اليوم سؤال حول خلفيات هذا الصمود والرغبة الجامحة للايرانيين في مواصلة وتحدي القوة الغربية غير متماثلة ، فحتى التفكير في نتيجة المعركة تبدوا محسومة للغرب في اول نظرة ، فهل هو تهور سياسي ؟ أم أن التعصب الديني الأيديولوجي هو من تغلب فيهم على المنطق والبصيرة ؟
لفهم الروح الإيرانية وصمودها المفاجئ أمام تحالف غربي يمتلك ترسانة عسكرية تبدو للوهلة الأولى عصية على الكسر، يجب علينا أن نضع جانباً لغة الأرقام والمقارنات العسكرية الجافة، لندخل إلى دهاليز الوجدان الإيراني الذي صاغته آلاف السنين من التقلبات الكبرى. الشجاعة التي نراها اليوم ليست وليدة اللحظة، ولا هي مجرد حماسة أيديولوجية عابرة أو تهور انتحاري، بل هي استدعاء عميق لتركة حضارية وتراكم تاريخي استثنائي. الإيراني لا ينظر إلى نفسه كفرد في دولة ظهرت حديثاً على الخرائط السياسية لساكس بيكو مثل جيرانه في الخليج، بل يرى في نفسه امتداداً لإمبراطورية عريقة، وهذا الوعي الإمبراطوري المتجذر يمنحه مناعة نفسية هائلة تجعله يرى في أعتى القوى المعاصرة مجرد إمبراطوريات حديثة العهد ستأخذ وقتها في دورة التاريخ وتزول، بينما تبقى "إيران".
لو عدنا بالزمن إلى الوراء، إلى المواجهات الملحمية بين الشرق والغرب، وتحديداً حروب الفرس مع الإمبراطورية الرومانية التي كانت تمثل "التحالف الغربي" المهيمن والأقوى في ذلك العصر، سنجد جذور هذه العقلية المقاومة والمبتكرة. في معركة "حران" (كارهي) عام 53 قبل الميلاد، وقف الجيش الروماني الجرار بقيادة كراسوس، مدججاً بالدروع الثقيلة والانضباط الحديدي الذي لا يقهر، أمام قوة فرثية (فارسية) أقل عدداً بكثير بقيادة القائد الشاب "سورينا". لم يخض الفرس المعركة بقواعد الرومان، بل ابتكروا ما نطلق عليه اليوم "الحرب غير المتماثلة". استخدموا الخيالة الخفيفة ورماة السهام الذين كانوا يتظاهرون بالانسحاب أمام الفيالق الرومانية المرعبة، ثم يستديرون فجأة في منتصف ركضهم للخلف ليطلقوا وابلاً مميتاً ومستمراً من السهام، وهو التكتيك الذي عُرف تاريخياً بـ "الرمية البارثية". لقد أبادوا الجيش الروماني الثقيل بمرونة فائقة وذكاء تكتيكي استنزافي. هذه الذاكرة التاريخية تهمس في أذن القائد الإيراني اليوم بأنك لست مضطراً لأن تطابق قوة خصمك لتنتصر عليه، بل عليك أن تقاتله بأسلوب لا يفهمه ولا يتوقعه، وما الطائرات المسيرة الرخيصة التي تحلق في أسراب، والزوارق السريعة في مضيق هرمز اليوم، إلا تجسيد حديث ومباشر لتلك الخيالة البارثية السريعة التي أربكت دروع الرومان الثقيلة.
وتستمر الدروس التاريخية في تغذية الكبرياء الإيراني مع الإمبراطورية الساسانية، حين سطر التاريخ مشهداً لا يُمحى من الذاكرة القومية الفارسية. ففي عام 260 ميلادية، واجهت إيران الإمبراطورية الرومانية مجدداً في ذروة قوتها، وتمكن الإمبراطور الفارسي شابور الأول من تحقيق انتصار ساحق في معركة الرها. لم يكتفِ شابور بهزيمة الجيش الروماني، بل أسر الإمبراطور الروماني "فاليريان" نفسه، في سابقة أذلت كبرياء روما وأثبتت أن الغرب المنيع يمكن تركيعه وإهانته. هذا الانتصار العظيم لم يُكتب في الكتب فحسب، بل نُحت على صخور "نقش رستم" العملاقة ليبقى شاهداً أبدياً يمر عليه الإيرانيون جيلاً بعد جيل، ليذكرهم بأن أجدادهم قيدوا أباطرة العالم الغربي بالسلاسل. هذا النقش الحجري ليس مجرد أثر سياحي مهمل، بل هو شحنة سيكولوجية حية تذكي فيهم عقيدة الاستعلاء القومي والقدرة على تحدي أسياد العالم مهما بلغ جبروتهم وتفوقهم التكنولوجي.
وحتى عندما كانت إيران تواجه اجتياحاً كاسحاً لا قِبل لها به، كما حدث مع غزو الإسكندر الأكبر، كانت المقاومة تُسجل في أبهى صورها وتخلق أساطير للصمود. فعند "البوابات الفارسية" في جبال زاغروس الشاهقة، وقف القائد الفارسي أريوبارزينس مع قلة قليلة جداً من جنوده ليواجه جيش الإسكندر العرمرم الذي كان قد دمر كل شيء في طريقه. استخدم أريوبارزينس التضاريس الجبلية القاسية والممرات الضيقة لصالحه، وعرقل تقدم القوة الأعظم في العالم آنذاك لفترة طويلة، مقدماً روحه وأرواح رجاله في سبيل الدفاع عن قلب الإمبراطورية حتى آخر قطرة دم. هذه الحادثة التاريخية غرست في الوعي الإيراني فكرة الاستفادة القصوى من الجغرافيا المعقدة، وحولت جبالهم وصحاريهم إلى قلاع نفسية قبل أن تكون قلاعاً عسكرية. هذا يفسر لنا اليوم تلك الشجاعة النابعة من الطمأنينة الجغرافية، ولجوئهم لتحصين أهم منشآتهم الاستراتيجية والصاروخية في أعماق الجبال، إيماناً متوارثاً بأن الأرض الإيرانية وتضاريسها القاسية تقاتل دائماً في صف أبنائها ضد الغزاة.
والأعمق من ذلك كله في صناعة الشخصية الإيرانية، هو إدراكهم اليقيني من خلال تجاربهم المريرة أن الهزيمة العسكرية المادية لا تعني أبداً الفناء الحضاري. فعندما اجتاح المغول المنطقة ودمروا حواضرها العظيمة وقتلوا الملايين، صمدت الروح الإيرانية بطريقة مبهرة. لم يقاوموا بالسيف فقط حين انكسر السيف أمام جحافل لا ترحم، بل قاوموا بالثقافة والفن والسياسة والإدارة. لقد ابتلعوا الغزاة المغول ثقافياً، وروضوهم، وجعلوا من أحفاد جنكيز خان حكاماً يعتنقون الإسلام ويتحدثون الفارسية ويرعون أدبها وعمارتها ويبنون مساجدها. هذا "الصمود المرن" خلق لديهم قناعة راسخة بأنهم أمة لا تموت، قادرة على امتصاص الصدمات المميتة، وتحويل أعدائها إلى جزء من نسيجها وتاريخها.
إن دمج هذه الذاكرة التاريخية المليئة بمواجهات القوى العظمى، والاعتماد على الذكاء التكتيكي واستغلال الجغرافيا والصمود الثقافي، مع العقيدة الشيعية التي تمجد التضحية وترفض الاستسلام للظلم مهما كان الخصم متفوقاً كما في سردية كربلاء حيث استشهاد فيها الإمام الحسين بن علي وأصحابه القلة أمام جيش أموي ضخم والتي رسخت فكرة أن قلة العدد والعتاد ليست مبرراً للاستسلام أمام الظلم ، هي ما يصنع هذه الشخصية الإيرانية المعاصرة. إنهم ينظرون إلى التحالف الغربي اليوم ليس كقوة نهائية مطلقة لا تُقهر، بل كنسخة حديثة من جيوش كراسوس وفيالق فاليريان التي يمكن استنزافها وكسر هيبتها. إن الشجاعة التي يبدونها هي مزيج سيكولوجي فريد من كبرياء إمبراطورية لم تنسَ أمجادها، ويقين بأن الوقت والتكتيك غير المتماثل، والنفس الطويل جداً الذي تعلموه من صناعة نسيج سجادهم اليدوي الدقيق عبر حياكة كل عقدة بصبر بالغ، كفيل بترويض أي قوة تظن واهمة أن التكنولوجيا العسكرية البحتة وحدها قادرة على محو التاريخ وإخضاع الجغرافيا.
إن هذا الصمود الإيراني المذهل الذي نسجه التاريخ ببراعة، والذي حوّل الذاكرة الحضارية القديمة إلى سلاح استراتيجي فعال في وجه الهيمنة الغربية المعاصرة، يضعنا كجزائريين أمام مرآة قاسية وتساؤل وجودي ومصيري ملح. فحين نرى كيف تتسلح أمم أخرى بأمجادها السحيقة وتستدعي أبطالها القدامى لتعزيز مناعتها الوطنية، نتساءل بمرارة عن طبيعة تلك الأيديولوجيا المركبة التي استوطنت عقول شريحة واسعة من مجتمعنا، وتحديداً في أوساط بعض النخب والطبقات المثقفة المحسوبة على التيار العروبي والقومي الكلاسيكي، والتي يبدو أنها تكرس جهدها ليلاً ونهاراً لمحاربة تاريخنا الأمازيغي النوميدي العريق، وتعمل بشكل ممنهج على تشويه رمزيته وتغييب ذاكرتنا التاريخية الأولى.
لا شك أن من يقف وراء هذه "الهندسة العكسية" للذات الجزائرية ليس مجرد أفراد عابرين، بل هي منظومة أيديولوجية استوردت قوالب جاهزة ومركزيات ثقافية خارجية، وحاولت إسقاطها قسراً على جغرافيا وتاريخ يمتلكان خصوصية وعمقاً لا نظير لهما. إن الهدف البعيد المدى وراء هذه الممارسات الإقصائية يتجاوز مجرد التعصب اللغوي أو الثقافي، إنه سعي حثيث لتصحير المخيال الجزائري واقتلاعه من جذوره الأصلية، لجعله دائماً في حالة تبعية واستلاب لمركزيات قومية تقع خارج حدوده الجغرافية. هذه الأيديولوجيا تنطلق من عقدة نقص خطيرة، حيث تعتقد أن الاعتراف بعظمة الممالك النوميدية، وبطولات شخصيات تاريخية فذة كيوغرطة الذي تحدى فساد روما وتغولها ولم تتمكن منه كل الجيوش المرسلة اليه الا عبر المكيدة والخيانة التى تتعارض مع الفضيلة الرومانية المزعومة، أو ماسينيسا الذي بنى دولة قوية وذات سيادة، أو المقاومة الشرسة لداميا (ديهيا) وكسيلة (أكسل) ، يهدد الانتماء الثقافي الحديث للجزائر. هم يتبنون سردية أحادية إقصائية، متناسين أن الأمم الحية والعظيمة -كما فعلت إيران بدهاء- تراكم هوياتي وتاريخي تدمجها ولا تبترها أبداً.
إن أخطر ما تقوم به هذه النخب، بوعي أو بغير وعي، هو تجريد الشخصية الجزائرية من أقوى دروعها النفسية والجيوسياسية. إن التاريخ النوميدي والأمازيغي المليء بمقارعة أعتى الإمبراطوريات كروما والبيزنطيين ، الامويين ثم الفرنسيين ، هو بالضبط المعادل التاريخي لبطولات الفرس القدامى؛ هو الخزان الاستراتيجي الذي صنع جينات الرفض والتمرد والسيادة لدى الإنسان الجزائري، وهو الذي جعل هذه الأرض "مقبرة للغزاة". حين تعمد هذه الأيديولوجيات القومية الوافدة إلى تشويه هذا التاريخ الأصيل، وتصويره بخبث على أنه زمن "جاهلية" أو نزعة تفرقة، أو حتى اعتباره صنيعة استعمارية كما يروج بعضهم، فإنها تقوم فعلياً بتجريد الجزائري من مناعته التاريخية. إنها تخلق شخصية وطنية هشة، مبتورة الجذور، تعاني من "يتم تاريخي"، مما يجعلها عرضة للاختراق الثقافي والنفسي، ويسهل تطويعها وتوجيهها.كما نشاهد اليوم سهولة إقناع بعض شبابنا بأيديولوجيات دينية وتاريخية خارجية حيث يبحث لنفسه نسبا وإنتماءا هنا وهناك ، إنهم يريدون للجزائري أن يبدأ تاريخه من الأمس القريب فقط، وأن يبحث عن أمجاده ومثله العليا في جغرافيا أخرى، كي يظل تابعاً لا مبادراً.
لكن الدرس الإيراني الذي استعرضناه يؤكد لنا حقيقة كونية صارمة: لا توجد أمة قادرة على مواجهة العواصف الجيوسياسية المعاصرة، أو فرض احترامها على العالم، وهي تعادي جذورها وتخجل من ماضيها السحيق. إن الشجاعة الحقيقية والسيادة المطلقة لا تُبنى بتبني أيديولوجيات مستوردة تحتقر الذات، بل تتحقق فقط حين تتصالح الأمة مع عمقها الحضاري كاملاً، وتنفض الغبار عن ذاكرتها المطموسة، لتجعل من كل حجر في جبال الأوراس وجرجرة والأهقار، ومن كل بطل في ماضيها النوميدي العظيم، خندقاً حياً ودرعاً نفسياً للدفاع عن حاضرها وبناء مستقبلها.
#مصطفى_صامت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟