أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - وطنچي بين التشويه والانتماء














المزيد.....

وطنچي بين التشويه والانتماء


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 04:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في السنوات الأخيرة ظهر في الخطاب السياسي والإعلامي في العراق مصطلح جديد نسبياً هو "وطنچي" وهو مصطلح يُستخدم غالباً بصيغة ساخرة أو تحقيرية لوصف الأشخاص الذين يرفعون شعار الوطنية ويدعون إلى حماية سيادة العراق واستقراره ويطالبون بعدم زج البلاد في الصراعات الإقليمية والدولية.
ورغم أن الوطنية في معناها التقليدي تعد قيمة إيجابية مرتبطة بالدفاع عن الدولة والمجتمع، فإن الاستخدام السياسي لهذا المصطلح يكشف عن تحولات عميقة في طبيعة الصراع حول تعريف معنى الوطنية في العراق المعاصر.
من الناحية اللغوية يبدو مصطلح وطنچي مشتقاً من كلمة "وطن" مضافاً إليها اللاحقة التركية "چي" وهي لاحقة تستخدم في اللهجات العامية للدلالة على الانتماء إلى مهنة أو صفة معينة.
غير أن التحول الحقيقي لم يكن في الصياغة اللغوية بقدر ما كان في الدلالة السياسية التي اكتسبها المصطلح.
فبدلاً من أن يشير إلى شخص محب لوطنه، أصبح في بعض الخطابات السياسية أداة للسخرية من الأصوات التي ترفض تحويل العراق إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية أو الدولية.
يستخدم هذا المصطلح غالباً لتقويض شرعية خطاب سياسي يدعو إلى ما يمكن تسميته الوطنية الواقعية، أي تلك التي تركز على حماية الدولة ومؤسساتها وتجنب الانخراط في صراعات خارجية لا تخدم المصلحة الوطنية المباشرة. فعندما يطالب بعض المثقفين أو السياسيين بأن يبقى العراق بعيداً عن النزاعات الإقليمية أو أن تكون أولويات السياسة الخارجية مرتبطة بالمصلحة العراقية أولاً، يتهمون أحياناً بأنهم وطنچية، وكأن الوطنية نفسها أصبحت موضع استهزاء أو تشكيك.
ومن منظور تحليل الخطاب السياسي يمكن فهم هذا الاستخدام بوصفه جزء من معركة رمزية حول تعريف الهوية السياسية.
فهناك تيارات ترى أن الانتماء القومي أو المذهبي أو الأيديولوجي العابر للحدود يجب أن يكون جزءاً من السياسة العراقية بينما ترى تيارات أخرى أن المصلحة الوطنية العراقية يجب أن تكون الإطار الأعلى الذي تقاس به المواقف السياسية.
وفي خضم هذا الصراع يتحول المصطلح إلى أداة لغوية لنزع الشرعية عن الطرف الآخر بدلاً من مناقشة أفكاره.
لكن تأثير هذا الخطاب لا يقف عند حدود السياسة، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي والثقافي.
فحين تنتقل المصطلحات السياسية الساخرة إلى الفضاء الاجتماعي ووسائل التواصل، فإنها تبدأ تدريجياً في التأثير على وعي المجتمع خصوصاً لدى الأجيال الجديدة.
وأول هذه التأثيرات يتمثل في تشويه مفهوم الوطنية، إذ قد ينشأ لدى بعض الشباب شعور بالالتباس حول معنى الانتماء للوطن عندما يرون أن الدعوة إلى حماية استقرار البلد أو تجنيبه الصراعات الخارجية تقابل بالسخرية أو التقليل من شأنها.
كما يسهم انتشار مثل هذه المصطلحات في تعميق الاستقطاب الاجتماعي، لأن اللغة الساخرة في السياسة غالباً ما تقسم المجتمع إلى معسكرات متعارضة.
فبدلاً من أن يدور النقاش حول السياسات والمصالح العامة يتحول إلى جدل حول الهوية والانتماء، حيث ينظر إلى فئة ما بوصفها مبالغة في الوطنية، في مقابل فئات أخرى تعرف نفسها من خلال انتماءات أيديولوجية أو مذهبية أو إقليمية أوسع.
أما على مستوى الأجيال الجديدة، فإن هذا النوع من الخطاب قد يؤدي إلى تشكيل وعي سياسي مشوش أو ساخر تجاه الشأن العام.
فالشباب الذين ينشأون في بيئة سياسية مليئة بالاتهامات والمصطلحات الساخرة قد يرون السياسة مجرد ساحة للصراع اللفظي والتشكيك في النوايا وليس مجالاً للنقاش العقلاني حول مستقبل البلد.
وقد يؤدي ذلك في بعض الأحيان إلى عزوفهم عن المشاركة في الحياة العامة أو فقدان الثقة بالخطاب السياسي برمته.
ومع ذلك، فإن ظهور مثل هذا المصطلح يعكس أيضاً وجود صراع فكري حقيقي حول معنى الوطنية في العراق. فالمجتمعات التي تمر بتحولات سياسية عميقة غالباً ما تشهد جدلاً حاداً حول مفاهيم مثل السيادة والانتماء والمصلحة الوطنية.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الجدل من تبادل للاتهامات إلى نقاش فكري أكثر عمقاً واحتراماً.
في النهاية، لا تقاس قوة فكرة الوطن بالشعارات أو بالمصطلحات المتداولة في الجدل السياسي، بل بقدرة المجتمع على بناء ثقافة سياسية متوازنة تعترف بأن الدفاع عن استقرار البلد وسيادته ليس مدعاة للسخرية، بل جزء أساسي من النقاش حول مستقبل الدولة.
يبقى السؤال الأهم بين الاتهام والسخرية يبقى السؤال هو هل يمكن للعراقيين أن يعيدوا تعريف الوطنية بوصفها مساحة مشتركة تجمعهم، لا تهمة يتبادلها الخصوم في معارك السياسة؟؟



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجتبى خامنئي بين التوريث الإيراني والصراع الإقليمي
- مستويات الوعي في إدراك القوة
- المسألة الكردية وتداعيات الصراع الإيراني إقليمياً
- إيران بين الملكية والتوافق الوطني
- تحولات الخليج بعد حرب إيران الكبرى
- بانادول وتسكين الوعي الإنساني
- مضيق هرمز وصراعات القوة والاقتصاد
- إيران والتحولات الكبرى بعد اغتيال خامنئي
- الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا
- اقتصاد الحرب وإدامة الصراع
- من أفغانستان وباكستان إلى خرائط التفكيك
- هندسة الصمود الإيراني في الحروب المعاصرة
- العقل والعلم في الإسلام
- تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة
- غاريت مورغان مخترع الإشارة
- جدلية الوظيفة والرسالة التربوية
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر


المزيد.....




- إدارة ترامب ترفع مؤقتاً العقوبات المفروضة على النفط الروسي ا ...
- إسرائيل.. عشرات الجرحى وتضرر مبانٍ في غارة صاروخية بالشمال
- سماع دوي انفجارات في دبي بعد اعتراض مقذوف
- مصادر تكشف لـCNN عدد أفراد طاقم طائرة التزود بالوقود الأمريك ...
- عبدالملك الحوثي يعلق على الحرب مع إيران والموقف والجهوزية
- مسؤولون إسرائيليون: هاجمنا إيران من دون خطة واقعية لتغيير ال ...
- صحيفة: أميركا استهلكت مخزون -سنوات- من الذخائر في حرب إيران ...
- التعامل مع حادث نتيجة سقوط شظايا على واجهة مبنى في دبي
- واشنطن تجيز موقتا بيع النفط الروسي لتهدئة أسواق الطاقة
- ضربات باكستانية تستهدف كابول وقندهار وتسفر عن 4 قتلى وإصابة ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - وطنچي بين التشويه والانتماء