أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - محمود درويش، ماذا سيحدث بعد هذا الرماد؟















المزيد.....

محمود درويش، ماذا سيحدث بعد هذا الرماد؟


جواد بولس

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في هذا اليوم، الثالث عشر من مارس/ آذار، لا تعود ذكراه كنمش على صفحة التقويم الفلسطيني، بل كصدى نايات عذب يفج ضجيج هذا العالم المتوحش. في مثل هذا اليوم ولد محمود درويش "إلى جانب البئر ، والشجرات الثلاث الوحيدات كالراهبات" في قرية البروة الجليلية، وعاش فيها ستة أعوام ثم خرج منها إلى ما لا يعرف ! بعد أن "انتصر جيش حديث على طفولة لم يكن يأتيها من جهة الغرب إلّا رائحة البحر المالحة وغروب شمس الذهب على حقول القمح والذرة". منذ ذلك اليوم لم يعرف محمود درويش الطفولة، بل أصبح ابن الحياة التي علّمته أن يميّز بين الواقع والخيال وأن "الزمان ينكسر كالزجاج". ومضى، "كعصفور بلا أجنحة" نحو حفاف المدى وهو يفتش، بتوازن مر وصعب، عن معاني البقاء كأنسان سيعيش طيلة حياته الباقية "بين منفى لا بدّ منه وبين وطن لا بدّ منه".

أفقت اليوم، من ليل كله خوف وعبث، ونظرة محمود الهادئة ترافق ابتسامتي الناعسة، وعلى جفوني بقايا حلم من فرح شفيف يشي بأنه كان رفيق قلقي في الليلة الفائتة. كانت أخبار الحرب تتهافت علينا بسرعة القذائف الطائرات وصوت صافرات الانذار المرعبة. لوهلة، فكّرت ماذا لو كان محمود بيننا اليوم، ماذا كان سيقول، أو لا يقول، وهو الذي رحل متأرجحا بين "أناتيه": حيفا التي من أجلها كتب "أنت منذ الآن أنت" وغزة التي أعيت مراسيه وشكاها كاتبًا "أنت منذ الآن غيرك".

لم يشغلني ذاك السؤال من باب الحنين إليه وحسب، بل هي حاجتي الى حدسه الصائب وبراعته في اختيار "الجعبة والسهم" عند اشتداد الخطوب، ولقدرته على إمدادنا بالقوة للتحايل على مخاتلة الخسارة وادمان الوجع وتزويدنا ببوصلة الحكيم وببلاغة سيّد الكلام؛ فالأزمنة القاسية تبحث عن لغتها وشواطئها، وحين تعجز السياسة عن صياغة المعاني وعن مداواة جراح الروح، يخطو الشعر خطوته الشافية الى الامام. هكذا كان يداوي الدرويش جراحه وجراحنا طيلة رحلته الطويلة؛ فقد كان، عندما تسقط أمنية من أمنياته، "يعدّ أضلاعه ويبحث عن حدود أصابعه" ويعود الى صراع البدايات وعُسره ويسأل سؤال العارف المتمني"هل يقوى حلمان على الحركة الحرة تحت سماء واحدة".

لو كان محمود اليوم بيننا لأهلكت أحوال فلسطين، بداية، ومعها تداعيات الحرب، بقايا شرايينه المتعبة. كان سيقف حزينًا على شرفة بيته ويناجي صديقه العصفور ويقول له: "أنت حر ، وأنا حر، كلانا يعشق الغائب .. هبني، يا دوريّ، جرس الضوء، أهبك المنزل المأهول بالوقت. كلانا يكمل الآخر، ما بين سماء وسماء عندما نفترق". كان سيفتش في هذه العتمة عن "جرس الضوء" كي يعلّقه في سماء الوطن، عسى بتردد "آياته ونوره" يهتدي أبناء شعبه لحضن من صلّى لها وكتب من أجلها مزموره الخالد الذي صار مزمور فلسطين الجديد: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". سيقف هناك حزينا ويسألهم بأسى: "ما حاجتنا للنرجس.. ما دمنا فلسطينيين؟ وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة .. فما حاجتنا للدولة، ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد ؟".

لو كان اليوم محمود بيننا، وشاهد مثلنا كيف يحترق الشرق ويملأ دخان المعارك فضاءاته ويموت آلاف البشر ولا يعرفون بأي ذنب يذبحون ولا بعدل أي قدر أو حكمة أي قادر، لو كان بيننا، لذكّرنا من أين يأتينا الغم والطاعون ومن أين يأتي الغمام، فعندما ينتشر "دخان المعارك العظيمة، تصير الرؤية أوضح " .

لو كان بيننا اليوم كان سيسمّي الأشياء بأسمائها بعد أن فقدت، في معظم العواصم، لغة المكان عصمتها وشوّهها "نظام التفاهة"، وعملاؤه العابثين، وبعد أن اغتصبها "الخبراء" و"المفكرون" "والعلماء" من على المنابر وفي معاهد أبحاثهم وداخل بلاط السلاطين. كان سيتمسك بفلسطينه التي غيّبتها غابات الدخان، ويصرخ مستنفرا من بقي من أهل العقل والضمائر والخائفين مؤكدًا : "أن الله أكبر" قالها القاتل والقتيل ومرت بعدها الطائرات تلقي قذائفها وتقايض دعاء الزعيم بدم القتيل.

لو كان محمود بيننا لأعاد صياغة رائعته "نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا اليها سبيلا " أو، ربما، لنسخ يقينها بيقين جديد يتحدى فيه عقم هذا العالم الجديد وظلمه العبثي؛ فأمامنا تدور حرب بدأها ويشارك فيها قادة دول كانوا قد رفعوا أكفهم نحو السماء وأعلنوا: "باسمك اللهم نبدأ حربنا"، فصمت الشعراء وانحاز المحللون وصلى الكهنة والكهان والشيوخ وصفق التابعون وتساقط الجنود على الجبهات وارتفعت حشرجات الموت في الشوارع وفي البيوت والميادين. أمّا نحن فسنبقى طبعًا نحب الحياة إن أبقى لنا غزاتها أنفاسا وحيلا.

كان درويش شاعر الحب والهوية والتوتر الدائم والقلق. وكان يستلهم من اليأس جميع أشكال الأمل ويفرق بين السراب، كتاب المسافر في البيد، وغنج الياسمين ورقص الحجل. عاشق الشمس والملاحم وشاعر "المأساة"؛ بيد أنه كان يقف دوما عند "ماسها" فيلتقطه من بين ركام الروح ويصقله قلائد ويعلّقها على صدر الزمن. قيل انه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء لكنه قال: "أنا لا أنا، وأنا لا هو. لم تلدني الذئاب ولا الخيل، إني خلقت على صورة الله، ثم مُسخت الى كائن لغوي وسمّيت آلهتي واحدا واحدا. هل يصدقني أحد إن صرخت هناك: أنا ابن أبي وابن أمي ونفسي". لم يرشده الى نفسه وشعره سوى حدسه والوحي حين اجتهد وكتب فأهدى فلسطين والبشرية جمعاء أجمل أشعار الحب والحكمة والدهشة وخلاصات حريرية من خواصر النكبة النازفة والرحيل الذي علّمه أن الهاوية كانت "سقف" السذاجة والجهالة، والبقية كتبها السابقون في سفر التيه.

لم يؤمن درويش أن شعره كان يقرّبه من "ديوان السعادة"، أو أنه سيحقق النصر على أعداء شعبه والعدالة لقضيته؛ لكنه آمن بأن الشعر هو أحد أشكال المواجهة الممكنة من أجل نيلهما. وكان يعرف أن القصائد لا تمنع ولا توقف الحروب، لكنها، إن سكبت بماء الحياة وحيكت بخيوط من ضوء القمر، من شأنها، في زمن السلم والحرب، أن تسيّج اللغة بالمعاني وبالقيم النبيلة وبالجمال، وأن تمنعها من الانهيار، لأنه إذا انهارت اللغة يضيع شعبها ككمشة غبار على ذرى العاصفة، وتصبح، بعدها، جميع الموبقات والخطايا مباحة وتفقد الحياة "لحاءها".

لو كان محمود اليوم بيننا لما أعمى دخان هذه الحرب بصيرته ولما أصمّه هدير مدافعها، بل كان سيبقى واقفًا حيثما كان، على الريح وفيها، يطل "كشرفة بيت" على ما يريد: على أصدقائه "وهم يحملون بريد المساء: نبيذا وخبزا وبعض الروايات والأسطوانات"، وعلى "شحنات جنود تغيّر أشجار هذا المكان، وعلى اسم أبي الطيب المتنبي، وعلى الوردة الفارسية تصعد فوق سياج الحديد، وعلى الريح تبحث عن وطن الريح في نفسها، وعلى امرأة تتشمس في نفسها، وعلى موكب الأنبياء القدامى وهم يصعدون حفاة الى أورشليم، وعلى الفرس والروم والسومريين واللاجئين الجدد"، سيقف هناك ويسأل: "هل من نبي جديد لهذا الزمن الجديد". هكذا سأل هو فمن يجروء اليوم أن يسأل أو أن يجيب على سؤاله ؟

لن يكون محمود درويش بيننا لأنه قد "نزل عن الصليب" ورحل غير خائف من موت يخيف الأحياء لا الميتين. رحل وهو ويعرف أن "للملحميين النسور" وله "طوق الحمامة" وأن كتابة الشعر هي صراع ضد الموت.

"ماذا سيحدث بعد هذا الرماد ؟" كان السؤال الذي أرّق ليل محمود واستخار من أجله البرق "كي يوضح ليله لو قليلا". رحل لكنه ظل فينا، فالشعراء أمثاله لا يرحلون تماما. قد يغيبون لكنهم يتركون وراءهم أثرا لا يزول وعطرًا خالدًا يحرس المكان والحكاية، وأسئلة كثيرة.

لقد رحل وترك لنا "أجراسا من الضوء" وخوارط إن أحسنّا قراءتها، فلسوف تهدينا الى الراحة والى السبيل، وترك أيضا نشيدًا لو حفظناه لصرنا شعبًا يحب الحياة "وسرير الغريبة" والترتيلا .فنحن مثله ما زلنا "نحب الحياة ونرقص بين شهيدين، نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا"، نحبها ونخشى من قدوم نبي جديد في هذا الزمان.



#جواد_بولس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا يوجد مكان لقاض عربي في اسرائيل الجديدة
- مصيرنا بين الحروب ؛ الجبهة الايرانية وجبهة الانتخابات الاسرا ...
- مواطنة على المحك
- بعد سخنين تل أبيب فماذا بعد تل أبيب؟
- ماذا لو قررت اسرائيل أن تبني هيكلها المتخيّل وأين؟
- المدارس الأهلية في القدس، إرث ومستقبل في مهب العاصفة
- غصات عام مضى، غصات عام جديد
- مأساة فلسطين أكبر من إحراق شجرة الميلاد
- وليد الفاهوم ، المرافعة الأخيرة
- موت الفلسطيني في زنازين إسرائيل ليس قدرًا
- زيارة البابا للبنان، وقفة على نخوم السياسة والضمير
- فلسطين على أعتاب انتفاضة جديدة
- القائمة المشتركة بين الحلم والاختبار
- لجنة المتابعة العليا، شرعية قيد الامتحان
- قانون الاعدام الاسرائيلي تشريع صاغه الرصاص وسبقته قذائف الطا ...
- من قال إن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت!
- مروان البرغوثي، وصفقات تجريح الأمل
- من انتصر في غزة، هذا سؤال الموتى والمقهورين!
- أين حراكات الشعوب العربية من أجل غزة ؟
- ملاحظات سريعة عن حرب اسرائيلية قطرية لن تحدث


المزيد.....




- جورجينا رودريغز تتألق بالمخمل الأسود في روما
- لماذا تعاطف العالم مع القرد -بانش-.. وكيف حاله اليوم؟
- روبيو يتعرض لانتقادات لاذعة بسبب ارتدائه حذاءً كبيرًا.. لكن ...
- على الخارطة.. مواقع مهاجمة السفن في الخليج ومضيق هرمز منذ بد ...
- إسرائيل توسّع ضرباتها في لبنان وإيران.. إصابة العشرات في الج ...
- أكثر من 200 قتيل بهجمات بالطائرات المسيّرة في السودان.. وتحذ ...
- -بمعلومات قدمها إيرانيون-.. إسرائيل تستهدف قوات -الباسيج- في ...
- صواريخ حزب الله تفجّر خلافات في شمال إسرائيل.. مشادة بين مسؤ ...
- استطلاع رأي يكشف انقسام الإسرائيليين حول الحرب مع إيران.. من ...
- في المجلات: الحياة تستمر بهجتها في دبي رغم الغارات الإيرانية ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - محمود درويش، ماذا سيحدث بعد هذا الرماد؟