أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك














المزيد.....

الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 00:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن فهم الميليشيات في العراق بوصفها ظاهرة أمنية أو امتداداً لسياسات إقليمية فحسب.
إنها نموذج مكتمل لاقتصاد سياسي جديد نشأ على أنقاض الدولة، وتحوّل مع الزمن إلى شبكة مصالح عابرة للحدود، لا تحكمها العقيدة ولا الولاء، بل منطق السوق.
وكلما حاولت القوى الإقليمية ضبط هذا السوق، اكتشفت أنها ليست صاحبة القرار فيه، بل أحد زبائنه.
الميليشيات في العراق لم تعد جزءاً من مشهد الفوضى، بل أصبحت المشهد نفسه. فمنذ اللحظة التي ظهرت فيها كقوة موازية للدولة، كان واضحاً أنها لا تقوم على عقيدة ولا على مشروع سياسي، بل على فراغ الدولة نفسه. بندقية للإيجار في البداية مارست عمليات القتل والخطف على الهوية، ثم شبكة مصالح تتغذى على انهيار المؤسسات، قبل أن تتحول إلى لاعب مستقل لا يخضع إلا لمنطق السوق. وما كان يُظن أنه “ولاء” لإيران، أو “مقاومة” ضد خصومها، لم يكن سوى سوء قراءة لطبيعة هذه الكيانات التي لا تعرف معنى الالتزام إلا بقدر ما يضمن لها الربح.
ولعلّ المفارقة الأكثر دلالة أن إيران نفسها كانت أول من اكتشف حدود نفوذها على هذه الجماعات. حين أبلغت طهران بغداد بوجود فصيل شيعي في كركوك متورط في تهريب طائرات إسرائيلية مسيّرة إلى داخل الأراضي الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر التي شنها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، لم تكن تكشف معلومة أمنية بقدر ما كانت تعترف بأن شبكة الوكلاء التي بنتها لم تعد شبكة ولاء. فالفصيل الذي يُشتبه بأنه من عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي أو فيلق بدر بزعامة هادي العامري، وهما الأكثر حضوراً في كركوك، استغل موقعه الأمني للعبور نحو ديالى وتنفيذ عمليات تهريب ضد الدولة التي يفترض أنه يدافع عنها. هنا يتبدّى التحول الجوهري: الوكيل الذي صُنع ليخدم الموكّل، أصبح قادراً على العمل ضده حين تتقاطع مصالحه المالية مع جهة أخرى.
وإذا كانت إيران قد اكتشفت ذلك متأخرة، فإن تركيا كانت قد سبقتها إلى الدخول في السوق نفسها. فالمعلومات التي حصلت عليها أربيل حول دور مخابراتي تركي في توظيف فصائل تركمانية شيعية لتزويد إسرائيل بإحداثيات قبل قصف أهداف داخل العمق الإيراني، تكشف أن الميليشيا لم تعد أداة في يد دولة واحدة، بل أداة في يد أي دولة. لم تعد “ولائية” ولا “مقاومة”، بل وسيطاً أمنياً مرناً، يقدم خدماته لمن يدفع أكثر. هذا التحول لا يعبّر عن انحراف، بل عن طبيعة بنيوية: الميليشيا كيان بلا مركز، بلا عقيدة، بلا التزام، تتحرك وفق منطق الفرصة لا منطق التحالف.
ولعلّ تصريح وزير الخارجية الايراني السابق محمد جواد ظريف في منتدى الدوحة الأخير كان اللحظة التي خرج فيها هذا التشخيص من داخل البيت الإيراني نفسه. حين قال إن “هذه الجماعات لم تقاتل من أجل مصلحة إيران أبداً، بل إن كل رصاصة أطلقوها كانت من أجل مصالحهم”، كان يقدّم المفتاح التحليلي لفهم الظاهرة. فالميليشيا ليست تنظيماً عقائدياً، بل شركة أمنية نشأت في فراغ الدولة، وتحوّلت مع الزمن إلى لاعب مستقل. ولذلك اختفت أثناء الضربات الإسرائيلية والأميركية المستمرة، تاركة إيران تواجه عزلة غير مسبوقة. الميليشيا لا تموت من أجل أحد، بل تختفي حين تشعر بأن السوق تغيّر.
هذا التحول لم يبدأ اليوم. فمنذ 2003، انتقلت الميليشيات من العنف بوصفه هوية إلى العنف بوصفه اقتصاداً. بدأت بالقتل على الهوية، ثم انتقلت إلى سوريا لتكون جزءاً من ماكينة الحرب، قبل أن تكتشف أن تهريب المخدرات من سوريا ولبنان أكثر ربحاً من أي معركة. ثم اكتشفت أن الدخول إلى مؤسسات الدولة العراقية أكثر ربحاً من التهريب نفسه. هكذا تحولت من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك: صكوك عقود، وصكوك حماية، وصكوك تبييض أموال، وصكوك نفوذ داخل الوزارات والمنافذ الحدودية. لم تعد خارج الدولة، بل داخلها، تستخدم مؤسساتها كغطاء لاقتصادها الموازي.
ومع زيارة المبعوث الأميركي الخاص لسوريا ولبنان، توم باراك، إلى بغداد مؤخرا، بدا أن السوق يواجه لحظة إعادة ضبط. فالرسالة التي حملها إلى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كانت واضحة: واشنطن لن تتعامل مع حكومة تشكلها الميليشيات الولائية أو القوى المدعومة من إيران. هذا ليس موقفاً سياسياً فقط، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة. فالولايات المتحدة تدرك أن هذه الجماعات لم تعد أدوات إيرانية، بل لاعبين مستقلين قد يتحولون إلى أي جهة توفر لهم الحماية أو التمويل. ولذلك لم يكن غريباً أن يخرج قيس الخزعلي، المدرج على لائحة الإرهاب الأميركية، ليعلن فجأة أنه “مع حصر السلاح بيد الدولة”. الخزعلي لم يكتشف الدولة، بل اكتشف الضغط. وأن يكون داخل مؤسسات الحكومة في العراق أكثر ربحا مما هو خارجها.
في النهاية، الميليشيات في العراق ليست مشروعاً عقائدياً ولا امتداداً استراتيجياً لدولة إقليمية. هي صفقة، تتغير شروطها بتغير الممول. استخدمتها إيران في العراق وسوريا، ثم تحولت إلى أداة لتهريب المخدرات، ثم إلى ذراع داخل مؤسسات الدولة لتمرير صفقات الفساد الكبرى، وها هي اليوم تستعد لمرحلة جديدة: مرحلة الانتقال إلى أي جهة يمكن أن تدفع لها أو توفر لها مظلة حماية. العراق ليس ساحة صراع بين الميليشيات، بل ساحة صراع بين من يشتري خدماتها. وهذا هو جوهر التحول: الميليشيا التي بدأت بندقية للإيجار، انتهت دفتر صكوك في اقتصاد سياسي لا يعترف بالولاء، بل بالربح.

نص المقال المنشور بالانجليزية في "ميدل ايست مونيتور"
https://www.middleeastmonitor.com/20260311-iraqs-militias-from-guns-for-hire-to-checkbooks-of-power/



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟


المزيد.....




- إدارة ترامب ترفع مؤقتاً العقوبات المفروضة على النفط الروسي ا ...
- إسرائيل.. عشرات الجرحى وتضرر مبانٍ في غارة صاروخية بالشمال
- سماع دوي انفجارات في دبي بعد اعتراض مقذوف
- مصادر تكشف لـCNN عدد أفراد طاقم طائرة التزود بالوقود الأمريك ...
- عبدالملك الحوثي يعلق على الحرب مع إيران والموقف والجهوزية
- مسؤولون إسرائيليون: هاجمنا إيران من دون خطة واقعية لتغيير ال ...
- صحيفة: أميركا استهلكت مخزون -سنوات- من الذخائر في حرب إيران ...
- التعامل مع حادث نتيجة سقوط شظايا على واجهة مبنى في دبي
- واشنطن تجيز موقتا بيع النفط الروسي لتهدئة أسواق الطاقة
- ضربات باكستانية تستهدف كابول وقندهار وتسفر عن 4 قتلى وإصابة ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك